منذ قام السادات ببيع مصر للمصالح الأميركية والاسرائيلية في النصف الثاني من السبعينيات، بدأت الصحافة الساداتية الرسمية وطبقة جديدة من محدثي الثراء المصريين، ممن أثروا عبر صفقاتهم النشطة لبيع بلدهم لأعلى المزايدين، بحملة شعواء على الشعب الفلسطيني، لنزع الشرعية عن قضيته في عيون الملايين من المصريين الذين قدموا له الدعم والعون منذ ما قبل ١٩٤٨ والذين عارضوا صفقة السادات المشينة التي تخلى فيها عن سيادة مصر على سيناء. وكانت هذه الحملة، وهي جزء لا يتجزأ من حملة اجتثاث العروبة من مصر حتى تتمكن هذه الطبقة التي تشكل أقلية ضئيلة من الشعب المصري، من الانضمام إلى الكتلة المعادية للعرب المكونة من إسرائيل والولايات المتحدة، ولا سيما أنّ هذه الطبقة هي المستفيد الرئيسي في مصر من هذا التكتل. وقد واصل الرئيس حسني مبارك النهج نفسه في سياساته، غير أنه شنّ حملاته الصحافية المعادية للفلسطينيين بنحو متقطع حسب الحاجة إلى تشويه صورتهم.

وقد اختلقت الحملات الساداتية وحملات محدثي الثراء القصص عن الفلسطينيين بأنّهم فقدوا وطنهم لأنّهم خونة وأنهم قاموا «ببيع أراضيهم وبلدهم لليهود». ولا تزال هذه الشائعات منتشرة على نطاق واسع في المجتمع المصري، وعلى جميع المستويات، حتى يومنا هذا، وهي مدعمة بالكراهية الشوفينية المطلقة التي تروج لها هذه الطبقة الحقيرة المفتقرة إلى أدنى مستويات الثقافة والتعليم، والتي واصلت في ظل حكم مبارك نهب خيرات البلاد وإفقار قطاعات واسعة من الشعب المصري، فيما هي تراكم المليارات فوق المليارات من الدولارات. وكانت حملة العداء للفلسطينيين مركزية للمشروع الساداتي الهادف إلى استبدال قومية المصريين العربية بقومية مصرية شوفينية كارهة للعرب. أما التهمة الموجهة للفلسطينيين ببيع بلادهم، فهي تكتيك إشغال الناس عن حقيقة أن هذه الطبقة الكومبرادورية المصرية هي التي في الواقع باعت مصر لأعلى المزايدين (فبالإضافة إلى الأميركيين والإسرائيليين، كان السعوديون زبائنها المفضلين) منذ السبعينيات، فيما تخوض الآن معركة ضد التحولات الجارية في البلاد كي تستطيع مواصلة بيع ما بقي من البلاد من دون عائق.
تنوعت الشائعات المعادية للفلسطينيين خلال سنوات حكم مبارك وراوحت ما بين المروعة والغبية، وهو ما يعكس افتقار هذه الطبقة الجاهلة لدرجة الحرج إلى الحنكة والمعرفة، وهو ما ينطبق أيضاً على وكلائها في الصحافة والنشر. وقد وصلت الشائعات التي روج لها النظام لحد إلقاء اللوم على حركة حماس عن تفجير كنيسة الإسكندرية في يناير/كانون الثاني ٢٠١١، بينما ترددت شائعات أخرى منذ ثلاثة أعوام، مدعية أن النقص في أدوية مرض السكري وأدوية ضغط الدم في الصيدليات المصرية في حينها، الذي أدى إلى إضراب الصيادلة، كان نتيجة شحنها المزعوم لقطاع غزة على حساب معاناة الشعب المصري. لكن غزة في حينها لم تكن تحتاج إلى أدوية السكري ولا إلى أدوية ضغط الدم، بل كانت تحتاج إلى المضادات الحيوية، والضمادات، ومواد التخدير، والمعدات الجراحية، والدم لإنقاذ جرحى القصف الاسرائيلي. لكن المنطق لا يضعف هذه الشائعات الباطلة، ولا حتى حجة أن المخزون المصري لأدوية السكري وضغط الدم ــ الذي من المفترض أن يلبي حاجة ثمانين مليون مصري ــ لن يتأثر كثيراً، إن كان قد تم بالفعل شحن جزء منه لاستخدام المصابين بهذه الأمراض من بين مليون ونصف مليون شخص في غزة فقط (وهو ما لم يحدث على أي حال). وعندما اندلعت الانتفاضة في يناير/كانون الثاني ٢٠١١، بدأت آلة دعاية مبارك ومؤيديه من محدثي الثراء بنشر شائعات بأنّ المتظاهرين في ميدان التحرير كانوا في الحقيقة عملاء لحماس وفلسطينيين آخرين، ولم يكونوا مصريين أقحاح.
أما عشق هذه الطبقة للأميركيين والإسرائيليين، الذين يقومون ببيع وطنهم لهم، فليس له حدود. فقد ذهب بعضهم لحد تبرير حبهم لليهود الإسرائيليين بالادعاء أنهم يفتقدون بشدة كوزموبوليتانية مصر، بما في ذلك اليهود المصريين الذين يزعم الكمبرادوريون أن ذويهم كانوا من أصدقائهم، وأنهم أصبحوا اليوم أصدقاء وشركاء تجاريين لليهود الإسرائيليين لهذا السبب ــ وأن واقع الأمر هو أن الشعب الفلسطيني هو الذي قضى على هذه الصداقات والعلاقات الكوزموبوليتانية، لا العملية الإرهابية الإسرائيلية وعملية التجسس المعروفة باسم «فضيحة لافون» في ١٩٥٤ والاجتياح الإسرائيلي لمصر في ١٩٥٦، ما أدى إلى خروج المجتمعات اليهودية المصرية في الخمسينيات. بيد أن طبقة الكمبرادور المصرية تلك لا تتعاقد مع اليهود المصريين، بل مع مستوطنين استعماريين أوروبيين يهود لا علاقة لهم بمصر (الذين في الواقع يقمعون اليهود العرب، بمن فيهم المصريون داخل إسرائيل)، يفوتهم ويفوت حججهم الضحلة التي تقدم نفسها على أنها حادة الذكاء.
وعلى الرغم من اللغة والحجج البغيضة التي تسوقها هذه الطبقة من الأثرياء الجدد، فإنّ غالبية الشعب المصري ظلت صامدة في مناهضتها لإسرائيل وتأييدها للفلسطينيين. فخلال الهجوم على غزة والحصار الذي تبعه، والذي كان نظام مبارك وقادته العسكريون الكبار متورطين فيه، تبرع جموع المصريين بمن فيهم الفقراء، ليس فقط من المدن ولكن من الريف كذلك، بسخاء بالإمدادات الغذائية وما استطاعوا أن يبعثوا به إلى فلسطينيي غزة. وقد شكل المصريون عدة جماعات تضامن مع الفلسطينيين ونظموا العديد من التظاهرات المنددة بالاعتداءات الإسرائيلية وسياسات مبارك دعماً لمعاناة سكان غزة. ولم يفتر التعبير عن الحب الشعبي المصري وتضامنه مع الشعب الفلسطيني منذ بدء الانتفاضة المصرية في يناير/كانون ثاني ٢٠١١. بل إن حصار الشعب المصري للسفارة الإسرائيلية، الذي شعرت هذه الطبقة من المتاجرين بالأوطان بالرعب إزاءه (وقد أشار نجيب ساويرس، الذي لا يكف عن إحراج نفسه بكلام غبي يفتقر إلى أدنى مستويات الفطنة، في حفل عشاء لجمع التبرعات لحزبه «المصريين الأحرار» في نيويورك قبل بضعة أشهر، إلى حصار السفارة الإسرائيلية في القاهرة ووصفه على أنّه ليس عملاً شعبياً مصرياً ضد إسرائيل، بل نتيجة تحريض قناة الجزيرة)، لهو دليل آخر على كره الشعب المصري الذي لا ينضب للأفعال الشريرة التي تقترفها المستعمرة ــ الاستيطانية اليهودية ضد الفلسطينيين والمصريين على حد سواء.
لا تزال هذه الطبقة البغيضة والمثيرة للازدراء على نحو متزايد مستمرة في نهجها بلا توقف. ففي الأسابيع القليلة الماضية، شرعت، ومعها طبقة نظام مبارك من المفكرين والمحللين الذين يعانون رهاب الإسلام، بالإضافة إلى المثقفين «الليبراليين» الذين يعانون رهاب الإسلام أيضاً ويقدمون أنفسهم باعتبارهم «ثوريين»، بنشر الشائعات على موقع فايسبوك بأن الفلسطينيين يريدون الاستيلاء على سيناء! وتبعت ذلك شائعات عنصرية تدعي أنّ والدة وزوجة رئيس الوزراء المصري الجديد هشام قنديل فلسطينيتان، وأنه صهر إسماعيل هنية، وبالتالي عميل لحركة حماس، من أجل نزع الشرعية عنه (وفي سياق مماثل ادعت أخيراً قناة العربية المملوكة لأمير سعودي على موقعها على الشبكة العنكبوتية أنّها اكتشفت أنّ زوجة جمال عبد الناصر كانت «إيرانية شيعية»). وقد دفعت الشائعات قنديل للإعلان في مؤتمر صحافي في ٨ أغسطس/آب أن والدته وزوجته مصريتان، مضيفاً أن والدته من حيّ الوراق من عائلة هندي، وزوجته من منيا البدوية بالمنصورة. وبما أن فايسبوك هو أداة جديدة أخرى لبثّ دعايات هذه الطبقة شبه الأمية، ودعاية مثقفيها الليبراليين المحدودي الذكاء، فإن المقولات التي يوردونها والتي تنتشر كالنار في الهشيم بين الناشطين السياسيين الليبراليين المنتمين إلى الطبقة الوسطى لها مفعول دعاية قناة فوكس نيوز اليمينية في الولايات المتحدة نفسه في نشر الكراهية المعادية للأجانب بين الأميركيين.
عندما حدث الهجوم المروع والجبان على قوات حرس الحدود المصري، وقُتل فيه ١٦جندياً بدم بارد قبل أيام، وجدت كتلة الكارهين هذه المعادية للفلسطينيين حدثاً حقيقياً يمكنها استغلاله. فبدأت باستهداف كل من الرئيس المصري الجديد والفلسطينيين في ضربة واحدة، بدلاً من إلقاء اللوم على الجماعات الجهادية (التي ما انفكت تهاجم حماس أيضاً لسنوات عديدة)، والتي هي على الأرجح وراء الهجوم على الجنود على الأغلب برعاية إسرائيلية ضمنية (وهي نظرة قدمها العديد من المصريين العاديين والمحللين المصريين في الأيام القليلة الماضية)، وعلى كبار القادة العسكريين المصريين الذين فشلوا في الدفاع عن حدود البلاد نتيجة انهماكهم في السيطرة على العملية السياسية والانقضاض على الثورة. أما الإسرائيليون الذين قتلوا علناً ٨ جنود مصريين في العام الماضي على أرض مصر، ورفضوا الاعتذار عن جرائمهم، فهم المستفيدون الرئيسيون من هذا الهجوم الأخير على الجنود المصريين. وهذه ليست المرة الأولى التي يقتل فيها الإسرائيليون جنوداً مصريين في غارة غادرة. ففي فبراير/شباط ١٩٥٥، شنت إسرائيل غارة على غزة وقتلت ٣٩ جندياً مصرياً بدم بارد، وهي مجزرة لا يحب محدثو الثراء المصريين أن يتذكروها (إن كان جهلهم المذهل أو تجاهلهم الممنهج يسمح لهم بمعرفتها أصلاً)، ولا يحبون كذلك تذكر القائمة الطويلة من المجازر الإسرائيلية ضد المصريين، جنوداً ومدنيين على حد سواء، التي أعقبت مجزرة غزة على مدى عقود.
تقدم هذه الحملة الخبيثة والحقيرة على أنّها تحليل للأخبار على القنوات الفضائية والبرامج الحوارية التلفزيونية المملوكة لأصدقاء المخلوع، وتعزو هذا الهجوم إلى القرار الأخير الذي اتخذه الرئيس مرسي لفتح حدود رفح مع قطاع غزة وإنهاء الحصار، وهو قرار ألغاه الجيش المصري في غضون ساعات قليلة من صدوره، بناءً على أوامر هيلاري كلينتون. وعلى الرغم من ذلك، يلقى باللوم على الفلسطينيين لحصولهم على فوائد لم يحصلوا عليها، فيما يبقون ضحايا لجنرالات مبارك الذين استمروا في حكم مصر نيابة عن الأميركيين، وإسرائيل، والسعوديين. أما مثقفو الكومبرادور الليبراليون المصريون الذين يعانون رهاب الإسلام، كالذين استضافتهم لميس الحديدي على برنامجها الحواري «من العاصمة»، الذي بثته محطة CBC يوم الاثنين ٦ أغسطس/آب، وبمعيتهم مضيفة البرنامج، فقد انضموا الآن إلى إسرائيل في الدعوة إلى تدمير أنفاق غزة، التي أنقذت سكان غزة من الموت جوعاً خلال السنوات الماضية من الحصار الإسرائيلي ــ المباركي. وقد بدأ جنرالات مبارك بالفعل بهدم أكثر من مئة وخمسين نفقاً حتى الآن.
يجدر الذكر هنا أنّ الحديدي، وهي مروجة سابقة لنظام مبارك، كانت لها علاقات مع الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم، إذ كانت في الواقع واحدة من مديري الحملة الانتخابية للحزب في ٢٠٠٥. أما بالنسبة إلى محطة CBC، فهي محطة تلفزيونية جديدة بدأت البث منذ بضعة أشهر، يملكها رجل الأعمال محمد أمين، وهو شريك تجاري لرجل الأعمال عامر منصور، أحد الممولين الرئيسيين للحزب الوطني الديموقراطي في عهد المخلوع حسني مبارك، ويقال إنّه الممول الحقيقي للمحطة، لكن أمين ينكر ذلك. ومحطة CBC والحديدي لا تقفان وحدهما في هجماتهما المتسمة برهاب الإسلام على رئاسة مرسي، فمحطة ON TV التي يملكها ساويرس هي عضو آخر بارز في هذا النادي، الذي تنضم إلى عضويته محطات أخرى ومضيفون ومضيفات برامج تلفزيونية آخرون يروجون للأجندة الساداتية ــ المباركية.
وقد أطلق وزير الدفاع طنطاوي اتهاماته الساداتية على الفلسطينيين بأنّهم وراء الهجمات على الجنود المصريين في سياق هذه الخلفية من الشائعات الأخيرة المعادية للفلسطينيين. وبما أن المجلس العسكري واصل سياسات مبارك في إذلال الفلسطينيين خلال السنة ونصف السنة الماضية، وحاول أحد أعضائه نزع الشرعية عن الشاعر والناشط الفلسطيني ــ المصري تميم البرغوثي على أنّه «ليس مصرياً»، ما أسعد هذه الطبقة الردّاحة والعالية النبرة لما لا نهاية، فإن حملته تلك جزء من هذا التراث الساداتي.
إن الهجوم الأخير على الجنود المصريين هو في الواقع شرط ضروري واستباقي للإسرائيليين والأميركيين لفرض إرادتهم على الشعب المصري، وضمان أنّ معاهدة كامب ديفيد ستبقى قائمة من دون أي تغيير بأي شكل من الأشكال من قبل الحكومة المصرية المنتخبة، إلا إن كان ذلك لمصلحة إسرائيل. فضلاً عن ذلك، فقد ظل معظم المصريين وسيبقون صامدين في دعمهم لإخوانهم وجيرانهم الفلسطينيين، وفي شعورهم بالانتماء إلى العالم العربي الذي حاول السادات ورفاقه من الباعة والمتاجرين بمصر إقصاءهم عنه. ورغم الجهد الجهيد الذي تبذله للإبقاء على ماكينة الشائعات المعادية للفلسطينيين، فإنّ هذه الطبقة الكمبرادورية المصرية من المتاجرين بالأوطان وعملائها في الصحافة الليبرالية سيستمرون في التراجع، إذ إن حقيقتهم قد فُضحت وأصبحت واضحة للعيان: لقد كانوا طوال العقود الأربعة الماضية وما زالوا أعداء لغالبية الشعب المصري.
* أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك