عندما ذهب رئيس السلطة الفلسطينية إلى الامم المتحدة في نهاية الشهر الماضي كان يهدد بإلقاء قنبلة ولكن، من النوع الدبلوماسي بالطبع. الرئيس كان يعلم أنه يقف على رمال متحركة. فهو ترك وراءه توتراً وإحباطاً شديدين في الاراضي المحتلة، واضطرابات في المسجد الأقصى. وتساءل عديدون ما إذا كانت قنبلة عباس هي استقالته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو تخليه عن اتفاقيات أوسلو وحل السلطة الفلسطينية، او إنهاء التنسيق الأمني مع إسرائيل.


ولكن قنبلة عباس كانت فقط استعراضاً جديداً من التهديد والتوعد والانذارات وطلب الحماية من المجتمع الدولي. عباس أعلن أنه لم يعد مُلزماً بالاتفاقيات التي وقّعت مع إسرائيل وهدد بحل السلطة الفلسطينية. كما طالب إسرائيل بتحمل مسؤولياتها "كسلطة احتلال". الا انه لم يربط انذاراته تلك بمهلة زمنية محددة، ولم تؤخذ قنبلته على محمل من الجد. فجاءه رد إسرائيل مجسداً في مقال نشر في "جيروزاليم بوست" تحت عنوان "عباس يهدد وإسرائيل تتثاوب". وخوفاً من ان يعود من الامم المتحدة من دون أي إنجاز، رفع عباس علم فلسطين وقدّم لأبناء شعبه انتصاراً رمزياً جديداً. يضاف للكمّ الهائل من الانتصارات الرمزية التي لا تُعد ولا تُحصى.
الأجواء في تلك الاثناء كانت تنذر بالعاصفة المحتومة، فقد اشار خليل الشقاقي، مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسيحية، في رام الله في استطلاع رأي أجراه المركز قبل نهاية الشهر الماضي، وقبل كلمة عباس في الجمعية العامة وقبل التصعيد في القدس، الى أن ٥٧٪ من الفلسطينيين يدعمون اندلاع انتفاضة مسلحة. وهي نسبة "مماثلة للنسبة التي تم تسجيلها قبل شهرين من اندلاع الانتفاضة الثانية". فمن الصعب تخيّل أن إسرائيل لم تكن على علم بذلك ولم تتنبأ بقيام انتفاضة ثالثة، وبالرغم من ذلك كانت في حالة من الاستفزاز والتصعيد المتعمد، فهل يعيد التاريخ نفسه؟
في عام٢٠٠٠، اقتحم أرييل شارون زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك، المسجد الاقصى ما أدى إلى اندلاع الانتفاضة الثانية. الرد الإسرائيلي على تلك الانتفاضة تجسّد بقيام جيش الاحتلال بعملية "الدرع الدفاعي" لسحق الاحتجاجات والقضاء على المقاومة الفلسطينية. استمرت الانتفاضة الثانية خمس سنوات فاز أثناءها شارون بمنصب رئيس وزراء إسرائيل ونجح في تغيير مسار عملية السلام ومحاصرة السلطة الفلسطينية، بالاضافة الى تغيير القيادة الفلسطينية وتجاهل أوسلو من خلال الرجوع عن ما تم تسليمه للفلسطينيين، حيث اصبحت إسرائيل قادرة على الدخول والخروج كما تريد من والى المنطقة (أ) التي كانت تحت السيطرة التامة للسلطة الفلسطينية طبقاً للمرحلة الأولى من اتفاق أوسلو.
وها نحن الآن في عام ٢٠١٥: عملية السلام ماتت وتحول أمل الفلسطينيين خلال سنوات أوسلو الأولى إلى خيبة أمل مريرة. المستعمرات توسعت على الأراضي الفلسطينية طيلة فترة سنوات المفاوضات، والآن تحيط تماماً بالمجتمعات الفلسطينية. اما الفلسطينيون الذين لا يزالون يعيشون تحت الاحتلال، يحرمون من حقوق الإنسان الأساسية ويواجهون مضايقات يومية من قبل الجيش الإسرائيلي والمستوطنين المتطرفين المسلحين.


قنبلة عباس كانت فقط
استعراضاً جديداً من التهديد وطلب الحماية من المجتمع الدولي


في ظل هذا المناخ من الإحباط، أتت زيارة وزير الزراعة الاسرائيلي أوري أريئيل مع مجموعة من المتطرفين اليهود بحماية القوات الإسرائيلية المسلحة إلى المسجد الأقصى كنوع من الاستفزاز المتعمد، حيث هدفت إلى إعطاء المتطرفين والمتشددين الإسرائيليين في الحكومة وفي المستوطنات الفرصة لإنهاء المهمة التي بدأ بها شارون.
وفي مؤتمر صحافي عقد مؤخراً تحدث نتنياهو عن الزيادة في المستوطنات اليهودية خلال الفترة التي قضاها في القيادة. في المؤتمر نفسه، أكد وزير الدفاع موشيه يعلون للصحافيين انه لم يكن هناك تجميد لبناء المستوطنات ولو لمدة دقيقة واحدة. وأشار الى ان إسرائيل مستمرة في حالة هجوم منذ عملية الدرع الدفاعي، وأوضح أنه قبل عام ٢٠٠٠ لم يكن باستطاعة إسرائيل أن تدخل الى المنطقة (أ) ولكن الآن، باستطاعتها ان تقوم بعمليات في أي منطقة داخل الضفة الغربية. وبالطبع فإن التعاون الأمني ما بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل يسهل ذلك. كما دعا القوات الإسرائيلية للقضاء فوراً على من يشتبه بأنه ينوي القيام بعملية طعن او من يرمي الحجارة. رفعت هذه السياسة الشرسة من عدد الشهداء الفلسطينيين والأكثرية منهم قتل بدم بارد ومن دون أن يكون في مواجهات مع القوات الاسرائيلية ومن دون أن يشكل أي خطر أمني.
جماعات حقوق الإنسان سجّلت اعتراضها، حيث اشارت "منظمة العفو الدولية" الى أن بعض الحوادث المسجلة بلغت القتل خارج نطاق القضاء. كما أعربت "هيومن رايتس ووتش" عن قلقها إزاء استخدام إسرائيل المتعمّد لإطلاق النار ضد المتظاهرين الفلسطينيين.
من المهم أن ندرك أن هذه المرحلة الجديدة في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني لها سمات تختلف عما سبقها من مراحل، فهي لا تقتصر على الفلسطينيين تحت الحصار العسكري والاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل تشمل العديد من الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية أيضاً. فقد شهدت الأيام الأخيرة احتجاجات واسعة وتظاهرات في عدد من المدن الفلسطينية داخل الخط الاخضر. فبالرغم من ان الفلسطينيين هناك ولدوا تحت العلم الإسرائيلي، ويتحدثون اللغة العبرية بطلاقة، ويحملون الجنسية الإسرائيلية، الا انهم ما زالوا مرتبطين بأهلهم وراء الخط الأخضر. ومن الواضح أيضاً انهم يرفضون الحياة كمواطنين من الدرجة الثانية في "دولة يهودية". فبالرغم من حصولهم على الجنسية الاسرائيلية الا انهم محرومين من حقوق عديدة تمنح فقط لليهود ويواجهون، وبشكل يومي، التمييز العنصري والممنهج في سياسات إسرائيل وخطاباتها الاستفزازية.
أيمن عودة، عضو الكنيست وزعيم القائمة المشتركة هو مثال عن هذا الجيل. هو يتهم حكومة إسرائيل بالعمل "في خدمة المستوطنين وبشكل متعمّد للتحريض ولتأجيج المنطقة برمتها للدخول في حرب دينية". ما يقوله يجب إن يؤخذ على محمل الجد، فمن خلال تأطير الصراع على أنه حرب دينية، يمكن لإسرائيل تحقيق سيطرة كاملة على كل فلسطين التاريخية بموافقة وتفهم من الدول المجاورة والمجتمع الدولي الذي يقود الآن حرب على الإرهاب.
الشباب الذي يثور اليوم في القدس وفي الضفة الغربية هم من كبروا في عهد التنسيق الأمني والمفاوضات اليائسة وانقسام سياسي وجيوغرافي، وهم من شاهدوا العجز الفلسطيني وغزة تخنق وتحارب وتدمر وتموت موتاً بطيئاً. الشباب الذي يواجه العدو في الانتفاضة هذه بالسكاكين، يفعل ذلك فقط كتعبير عن مدى ألمه وغضبه. فهو لا ينظر للمدى البعيد، ولا ينسق مع غيره، ولا يضع لائحة مطالب. كل هذه الامور لا تهمه بقدر ما يهمه إن يوجع العدو ويقول له: "انا هنا، انا باقي على أرضي، ولن أخضع، ولن أركع أبداً".
الفلسطينيون تحت قبضة الاحتلال العسكري الإسرائيلي فقدوا الأمل في دولة فلسطينية ذات سيادة، وأرادوا إن يرسلوا رسالة واضحة ليس فقط لإسرائيل ولكن أيضاً للقيادة الفلسطينية، انهم يأخذون الأمور بأيديهم ويقاومون بأي ثمن. وحتى الآن السلطة الفلسطينية تحاول أن تتفادى المواجهات مع المتظاهرين بالرغم من أن إسرائيل تتوقع أن قوات الأمن الفلسطيني ستتعاون مع الجيش الإسرائيلي لسحق الاحتجاجات. اما رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس فقد دعا الفلسطينيين إلى "المقاومة الشعبية السلمية، والنضال السياسي والقانوني". ولكن لن يكون لكلام محمود عباس أثر على هذا الجيل من الشباب الفلسطيني اليائس من كل القيادات والفصائل والنضال السياسي والقانوني. فإسرائيل فوق سيادة القوانين الدولية ولا تحاسب على أي جرائم ترتكبها مهما كانت بشعة، بل تتمتع بحماية الولايات المتحدة في مجلس الأمن، وهذا ما يجعل الحراك الدبلوماسي صعباً. فبالرغم من إصرار عباس على ضرورة وضع مراقبين دولييين لحماية الفسطينيين في الأراضي المحتلة الا ان هذا لن يحصل إلا بموافقة من إسرائيل.
إذاً فخيار المقاومة هو الخيار الوحيد. ولكن، كيف له الاستمرار من دون قيادة واضحة ومن دون مطالب متفق عليها وبدون تنسيق استراتيجي للمدى البعيد. المواجهات في الأراضي الفلسطينية تشير إلى عدم وجود قيادة سياسية لتوجيه التطورات والدعوة للاضرابات، او لإصدار البيانات وتنظيم خدمات لدعم أسر الضحايا، او حتى لتنسيق الخطاب الإعلامي. ولكن يرى البعض إن هناك خطراً من أن يتم تشكيل سريع لقيادة سياسية من قادة الفصائل الفلسطينية غير القادرة على الاتفاق على برنامج وطني مشترك. فمع الأسف القضايا التي يمكن ان تقسم الفصائل، أكثر بكثير من تلك التي يمكن أن توحدها.
ولكن لا بد من التنسيق والنظر الاستراتيجي إلى الإمام، فمحمود عباس في خطابه أمام الجمعية العامة للامم المتحدة كان يتكلم بصراحة مؤلمة ولكن تهديداته كانت متأخرة. أوسلو انتهت، ولكن ليس بإرادة السلطة… اتفاقيات أوسلو أنهتها الحكومات الإسرائيلية المتطرّفة المتتالية منذ عهد شارون. حل الدولتين انتهى، ولكن ليس بخيار من الشعب الفلسطيني... بل بتخطيط من العدو الصهيوني الذي يطمع بكل فلسطين خالية من أهلها. ما تبقى الآن من آثار أوسلو هو السلطة الفلسطينية والتنسيق الأمني، فهل ننهي هذا التنسيق ونحلّ السلطة بإرادتنا وبالتوقيت المناسب لنا، أم ننتظر من اسرائيل أن تفعل ذلك في الوقت المناسب لها؟ وهل تعود القيادة الفلسطينية للشعب الفلسطيني؟
في النهاية، يجب أن لا ننسى أن أكبر تحالف من منظمات المجتمع المدني الفلسطيني استطاعت إن تتفق في دعوتها في مقاطعة إسرائيل على ثلاث مطالب أساسية: إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتفكيك الجدار، تطبيق حق العودة للاجئين، والاعتراف بالحق بالمساواة الكاملة للفلسطينيين الذين يعيشون داخل حدود الـ ٤٨. اليوم ونحن نشاهد الاحتجاجات في كل فلسطين من يافا إلى غزة دعونا نردد أننا شعب واحد نستحق قيادة جديدة موحدة تتبنى نهج جديد وإطار جديد للمطالبة بحقوقنا المدنية فهل هناك من يسمع هذا النداء؟
* مستشارة سياساتية
لـ «شبكة السياسات الفلسطينية»