من الواضح أن ردّ سلامة كيلة (العدد 1780 في 10 آب 2012) على ما كتبته في هذه الصفحة منذ فترة («فليسقط اليساري العميل لرأس المال» أو إذا شئتم «عندما يبتذل اليسار الصراع في سوريا» وهو العنوان الأصلي والأكثر دقّة، العدد 1757 في 14 تموز 2012) كان محدّداً جدّاً. لقد اختار أن يكون الردّ على نقاط يعتقد هو أنّها تنطوي على قدر لا بأس به من الهشاشة أو من التشوّش المفاهيمي. ربما سيكون النقاش مجدياً أكثر لو بقي داخل «النص» الذي يشتغل عليه منذ زمن، ولا يريد تطويره ليغدو مطابقاً أكثر لما يحدث فعلاً. مجدداً، لم يبد سلامة مهتماً كثيراً بمجادلتي بالوقائع، واكتفى كالعادة بليّ عنق هذه الأخيرة كي تلائم نظريته عن الثورة. لنتفق أولاً على البديهيات: هنالك كتلة كبيرة من السوريين انتفضت ضد النظام، ولا يبدو أنّها في وارد التراجع عن ذلك قريباً، لأنّ الصراع بالنسبة إليها بات قضية حياة أو موت. من هنا ينطلق سلامة، ومن هنا أيضاً أنطلق بدوري للردّ عليه. سنختلف طبعاً في توصيف ما يحدث: هو يعتبرها ثورة وأنا اعتبره حراكاً شعبياً «راديكالياً» يتمرّن على السياسة. يضع رفيقنا الحراك أو «الثورة» في سياق محدد هو السياق الاقتصادي الاجتماعي، ويقدم قراءة رصينة للوضعية التي دفعت الناس إلى الانتفاض، ليخلص بعدها إلى أنّ الانقسام الطبقي داخل المجتمع هو وحده القادر على تقديم تفسير منطقي للحراك. لا يحتاج سلامة إلى من يذكّره بما كتب في هذه الصفحة بالذات عن التحليل الطبقي للصراع، لا في سوريا وحدها بل في المنطقة كلّها. لكن سأعترف لك يا عزيزي بأنّ المهمة لم تكن سهلة أبداً (ولن تكون كذلك في المستقبل). كلّ المحاولات التي بذلت في هذا الاتجاه حتى الآن بدت كما لو أنّها «فائضة عن الحاجة». حاجة الرأسمال الكومبرادوري وإمّعاته (مشكلتنا أنّ هؤلاء باتوا قادرين بحكم ذيليتهم النفطية على مسرحة أي نقاش يحاول تصويب الصراع ولو جزئياً) الذين حولوا نضالات الشعوب إلى مادة للاستهلاك الدموي وتكريس الهويات الجزئية. نحن نواجه فعلاً دينامية جهنمية لا تحاول مصادرة الصراع فقط، بل قلبه بالكامل والتلاعب بمن يخوضه وإنهاكه تماماً إلى أن يرفع أمثالنا راية الاستسلام. هذا جزء من الواقع الذي يرفض اليسار الامتثالي الاشتباك معه، أو حتى مقاربته «نظرياً». ومن يحاول فعل العكس، أي تفكيك تلغيم هؤلاء للواقع لا يقدم على ذلك من باب إقراره «ببعد طائفي» للصراع وللقوى التي صادرته فحسب، بل من باب خوضه أيضاً تجربة لم يحدث أن وجدت طريقها إلى الضوء. سأعطي مثالاً بسيطاً عن ذلك: بعض البيئات الموالية في حمص وريفها استنكفت فعلاً عن خوض الصراع إلى جانب النظام بعدما أدركت فداحة الزجّ بها في مواجهة كتلة معارضة وازنة وذات ثقل أهلي كبير. ومع ذلك لم يشفع لها «استنكافها» ذاك عند بعض الرؤوس الحامية في المعارضة المسلحة. اليوم مثلاً، تحوّلت المنازل والمحالّ التي أخرج منها أهلها عنوة (ويتحمل المسؤولية عن إخراجهم المذلّ النظام والمسلّحون على قدم المساواة) إلى مقارّ عسكرية يستأنف عبرها المسلحون (وعبرها حصراً لا عبر منازلهم «هم») صراعهم ضد النظام. ثمّة تفسير منطقي لهذا السلوك، لكنني لا أحبّذ الخوض فيه، لأنّني لا أزال أرفض رغم كلّ شيء تحميل البيئة التي جرّفها النظام وحاول سحقها بآلته العسكرية المجرمة وزر أفعال لم ترتكبها (لكنها لم تدنها أيضاً!). يصعب طبعاً على من لم يعش التجربة أن يفهم ماذا يعني لك كمعارض أن تخرج من «السردية الثورية» التي واكبتها نظرياً منذ البداية. سأعترف هنا لسلامة ولغيره من صنّاع الخطاب الأيديولوجي للثورة بأنّني اصطدمت بالواقع. و«صدمتي» لم تكن بالقليلة. والتحوّل الذي طرأ على مواكبتي نظرياً للحراك كان وليد هذا الاصطدام فحسب. لم يكن أبداً نزولاً عند الانعطافة التي بدا أنّ «الأخبار» كمشروع صحافي بديل قد دخلتها بعد خروج خالد صاغية منها. لا أعرف بالضبط إذا كان سلامة معنياً بنقاش من هذا القبيل، لكنني أعتبر نفسي معنياً به، لأنّ السجال الذي أخوضه وإياه اليوم يحمل من الموضوعية مقدار ما يحمل من الذاتية أو أكثر. ولهذا كلّه أقول للرفاق في اليسار الذين يأخذون على مقاربتي الثانية للحراك ابتعادها عن تجذير فكرة الثورة إنّكم تخوضون نقاشات نظرية إلى حد كبير، وتهربون من مجابهة الواقع الفعلي للصراع. النظرية تبقى الأساس في بناء مشروع الثورة، لكنّها كما قال سلامة في ردّه عليّ تفسّر الواقع بالأفكار (ليس اليمين وحده من فسّر الواقع بالأفكار). الماركسية غيّرت ذلك جزئياً، لا كلياً كما يعتقد هو. ولأنّها بقيت «عاجزة» عن إدراك كلّ ما يحدث في الواقع، فستبقى أي محاولة للاشتباك معه (أي الواقع) من موقع اليسار قابلة للأخذ والردّ. سلامة يجادل كثيراً كلّ من يعتبر أنّ هنالك «وعياً طائفياً» يحكم الحراك ويقوده في اتجاهات محددة. وهو محقّ في ذلك، لأنّ أساس تحليله نظري، ومن ينطلق من النظرية فحسب لن يرى التموضعات التي طرأت على المعطى الطبقي وأحدثت تعديلاً جوهرياً فيه، أو لن يناسبه أن يراها. فليجرّب مثلاً هو أو غيره أن يخوض نقاشاً مع القوى المسلحة التي تقود الصراع اليوم حول الغاية الفعلية من ذهابهم بالصراع إلى خواتيمه. لا أعتقد أنّه سيجد أجوبة فعلية عن المشروع البديل الذي يحملونه، أو عن رؤيتهم للقطيعة مع النهج الاقتصادي الإفقاري للنظام. طبعاً، لا يعني افتقارهم لهذه الرؤية أنّهم «طائفيون»، أو أنّ ما يحكم صراعهم هو إخراج آل الأسد من المعادلة فحسب، لكن عندما نؤجّل نقاشات بديهية كهذه بحجّة أن بطش النظام لم يترك مكاناً لوعي مماثل بالاقتصاد أو بالبدائل، نكون كمن يعلن أنّ الثورة هي لأجل الثورة فحسب. بكلام آخر هي ثورة حتى آخر مواطن في هذا البلد. لا أرى مقدار ذرّة من السياسة في كلّ هذا. ما نحتاج إليه اليوم ليس «الثورة» بذاتها، ولا حتى نيّة البعض في التنظير لها بتفان وإخلاص. لدينا الكثير من هؤلاء اليوم. ما نحتاج إليه حقّاً هو أن يكون لهذه «الثورة» سياسة واضحة. أن تفصح لنا مثلاً عن رؤيتها للبديل الاقتصادي، وأن يكون الموقع الطبقي الذي تنطلق منه مطابقاً لمجرى صراعها ضد النظام، لا مفارقاً له. حتى الآن، يجيد سلامة نظرياً الإمساك بمتن الصراع الذي هو طبقي بامتياز، أي صراع فقراء ضد سلطة مافيوية منحازة ضدهم. لكن ما لا يعرفه الرجل أو ما يغضّ الطرف عنه هو أنّ هنالك هامشاً بدأ ينمو بمحاذاة المتن. هامش بدأ يقضم المتن شيئاً فشيئاً، ويهدّد بإخراجه من المعادلة والحلول بدلاً منه. وعندما تكلّمت على الطابع المختلط للصراع كنت أقصد هذا الهامش تحديداً، وهو ما أخذه عليّ سلامة واعتبره تشوّشاً في قراءة الصراع، وفي الإمساك بصيرورته الطبقية. لا أعتقد أنّ شيئاً من هذا قد حدث، إذ لا أزال أعتبر تماماً كما يعتبر هو وعمّار ديوب وكثيرون أنّ أساس الصراع طبقي. هذا ما أحاول التأكيد عليه في كلّ ما أكتب، غير أنّ الاجتهاد في ذلك ليس بالضرورة أن يكون مطابقاً للواقع ولتعقيداته الفعلية. من هنا يبدأ «الخلاف» مع رفيقنا ومع آخرين لا يزالون يرفضون بدأب وعناد منقطع النظير الإقرار بأنّ الاشتباك مع الواقع لا ينفع أن يكون دائماً من موقع نظري. حتى لو كان لدينا عدّة نظرية متينة كتلك التي تحوزها الماركسية سنبقى أعجز من أن نلحق بالواقع. هذه ليست انهزامية، بل هي محاولة لمقاربة الواقع وتحوّلاته من موقع من يزعم «أنّه يعرف أقلّ» (دعونا نعترف بمحدودية ما لتنظيرنا المستمرّ). كلّنا نريد أن نعرف أكثر. لكن في ظروف الحراك الحالي وما يحدثه من تصدّعات عمودية (لا أفقية كما يفترض بها أن تكون ماركسياً!) في بنية الواقع السوري، على معرفتنا تلك أن تكون حقيقية وبعيدة عن التلفيق الأيديولوجي. والأهمّ من ذلك كلّه أن تمثّل رافعة أخلاقية لإخراج الصراع من القعر الذي استقرّ فيه. بالمناسبة، لقد اعترض سلامة على توصيفي «أخلاقياً» لموقفه من روسيا في ما خصّ وقوفها إلى جانب النظام من جهة، و«في مواجهة» الغرب وأميركا من جهة أخرى. ليس ثمّة قراءة أخلاقية بالمعنى الضيّق الذي فهمه زميلنا. كلّ ما في الأمر أنّي حاولت تبيان الخلط الذي يحدثه موقفه من روسيا. طبعاً هذا حديث طويل قد تأتي مناسبته لاحقاً، ولا أرى من الملائم أن نخوض فيه الآن، وخصوصاً أننا جميعاً في عجلة من أمرنا. عسى ألا تكون «الثورة» متعجّلة مثلنا.

* كاتب سوري