اختبارات عديدة اثبتت أخيراً أن تعامل قوى السلطة (في تحالفَي 8 و14 آذار) إزاء التحرك الاحتجاجي الشبابي والشعبي، لم يتعدَّ حدود الإرباك والقلق المؤقتين. في خلال هذه الفترة، «قطعت» مناسبات متلاحقة، بدت فيها قوى أساسية في السلطة على درجة عادية من استقطاب جمهورها التقليدي. لعل تيار «المستقبل» كان هو الأكثر تأثراً لجهة تراجع قدرته على توفير ما بلغه سابقاً من الحشد، رغم مواظبته على محاولات شد العصب دون انقطاع. سبب تراجع نفوذ تيار «المستقبل» يعود إلى عوامل معظمها سابق على التحرك الاحتجاجي: في منطقتَي الشمال والبقاع أكثر من سواهما.


لا يعني ذلك على الإطلاق أن التحرك المدني لم يكن مؤثراً، أو أنه لم يدخل عاملاً جديداً في المشهد اللبناني. هو، انطلاقاً من أزمة النفايات الكوارثية، كشف جانباً مهماً من الخلل في أداء أطراف السلطة: الاستهتار بمصالح البلاد والعباد. وطأة منظومة المحاصصة على مجمل أوضاع الخدمات والإدارة والمؤسسات عموماً، ما أدى إلى انفجار أزمة النفايات وعجز المسؤولين، بسبب الاستهتار والفئوية الجامحين، عن إيجاد تسوية بشأنها حتى الآن... لكن التراجع السريع للاحتجاج الشعبي، كان، بعد صعوده السريع أيضاً، عامل تطمين لقوى المحاصصة من أجل أن تواصل سيرتها ومسيرتها المعتادتين، أي أن تواصل صراعاتها على النفوذ والحصص والمواقع والتوجهات دون كبير حساب لقوى الضغط الشعبي ولمصالح البلاد وحاجات المواطنين الملحة. فرغم موجة الاحتجاج الواسعة، استمرت المؤسسات معطلة، بل إن التعطيل بات كاملاً وشاملاً. أزمة النفايات نفسها تدرجت من بروز احتمالات حصول تراجع ما، من قبل قوى السلطة أو بعض أطرافها، في مرحلة التحرك الأولى، إلى بلوغ العجز الكامل بإعلان وصول مشروع الوزير أكرم شهيب إلى طريق مسدود. في خلال ذلك، لم تتأخر قوى في السلطة عن المبادرة إلى ركوب موجة «الحراك» نفسه حين تسابق زعماء ونواب في مناطق متعددة لتبني الرفض الشعبي (أو الحض عليه) لاستقبال النفايات في مطامر جديدة تنشأ لهذا الغرض أو في تلك التي كانت قائمة سابقاً. حصل ذلك رغم إدراك الجميع أنه لا توجد بدائل جاهزة ومقبولة للتعامل مع أزمة باتت تهدد بحصول كارثة انطلقت مقدماتها بالفعل وتتفاقم يومياً مع بدء موسم المطر. كذلك هم نجحوا، إلى حدٍ كبير، في إضفاء طابع طائفي ومذهبي على اختيار مشاريع أمكنة المطامر (ورفض هذه الأمكنة)، ما جعل المسألة تعود، تقريباً، إلى النقطة الصفر، وجعل قوى السلطة، على تنوعها وتنافسها، تستعيد المبادرة من الشارع من حيث باتت، هي قبل سواها، تتقدم صفوف الأهالي، هنا وهناك، في عملية رفض استقبال النفايات ورفض أضرارها القائمة والمحتملة على البيئة والصحة وفق ما عانى منه الأهالي، في كل المناطق، بسبب عدم ملاءمة بعض المطامر المختارة وبسبب عشوائية معظم ما هو قائم منها... والتي كان قادة «الرفض» الجدد مسؤولين عنها دائماً!
إن الديماغوجية التي ميَّزت سلوك المسؤولين هي، بالطبع، ثمرة خبرة طويلة في التعامل مع شؤون البلاد والعباد. وهي أيضاً، استندت، كما أشرنا مراراً، إلى حداثة تجربة الشباب والشابات المحتجين (وحذرهم المبالغ فيه من الآخرين، وخصوصاً الحزبيين منهم، وكأن التاريخ بدأ منهم ومعهم حصرياً!)، من جهة، وإلى ضعف وعجز قوى التغيير التقليدية، من جهة ثانية. ضعف وعجز هذه القوى أفقدا حركة الاحتجاج الشعبي حاضنة سياسية وشعبية طبيعية ومتمرسة كان بإمكانها أن تدعمه وترفده، وتستند إليه، بالمقابل، لإحداث تغيير في نسبة القوى في البلاد، ما يتيح، في سياق تراكم ضروري ومتواصل، تحقيق نجاحات وإنجازات سواءً بالنسبة للتحرك الشعبي في مطالبه المباشرة، أو لحركة التغيير العامة في المشهد السياسي اللبناني العام.
لعل هذا الأمر هو ما ينبغي التوقف عنده ملياً الآن. ينبغي التذكير بأنها ليست المرة الأولى التي يتأثر فيها التحرك الشعبي سلباً، بل يتضرر كثيراً بسبب غياب تيار وطني ثالث، وطني وديموقراطي ومستقل، يعمل على كامل مساحة البلاد، ويستطيع، ليس فقط أن يكون طرفاً داعماً لأي تحرك شبابي وشعبي، بل أن يكون، أساساً، طرفاً مبادراً، وقادراً، بالتالي، على التأثير والتثمير ودفع العملية المطلبية والسياسية العامة في البلاد لمصلحة الضغط المطلبي الشعبي ولتقوية ذلك التيار الثالث، كما أسلفنا. نذكِّر، بسرعة، في هذا السياق، بأن الحركة المطلبية الواسعة التي خاضها المعلمون والموظفون في القطاع العام والخاص، كان يمكنها أن تحقق نتائج مباشرة أكبر بما لا يقاس، لو توفرت لها حاضنة سياسية تتعامل معها وتقويها وتستقوي بها في الوقت نفسه. ينطبق ذلك، بالتأكيد أيضاً، على محطات تحرك سياسي وشعبي أخرى، قريبة وبعيدة.
لا يمكن الاستمرار في تكرار هذا الاستنتاج دون السعي من أجل المباشرة في إطلاق وتنفيذ خطوات عملية ينبغي أن تدشن، بدورها، بداية مسار جديد، مثابر وطويل وذي بعد تأسيسي واستراتيجي في الوقت عينه، في الحياة السياسية اللبنانية.
يقتضي ذلك توليد اقتناع عام بأهمية بدء عمل من هذا النوع، وبالحاجة الماسة إليه نظراً إلى تفاقم الفراغ القاتل القائم حالياً، والذي من شأنه، إذا استمر، تضييع الجهود والمبادرات وتكريس الحصرية الحالية ما بين التحالفين القائمين واللذين لا يحتكران السلطة والإدارة فقط، وإنما السياسة جميعاً! إن من شأن قيام فريق ثالث، وطني وديموقراطي ومستقل، أن يشجع التمايز (بل التناقض أيضاً) بين تحالفَي 8 و14 آذار، من خلال طرح تحديات سياسية وشعبية واجتماعية ملموسة عليهما، لا تجد لها متسعاً الآن، بسبب الاحتكار المشار إليه، وبسبب غياب كل أشكال الرقابة والمحاسبة على المستويين الرسمي والشعبي، حيث لعبت قوى السلطة نفسها، في إحداث هذا الغياب، الدور الأكبر!
من شروط نجاح قيام التيار الجديد أن يكون ذا برنامج محدَّد وواضح. ثمَّ أن يتسع لكل القوى والشخصيات والتيارات التي كانت تعاني من مشكلة التهميش ولا تزال تتراجع ويضمر دورها، بسبب مشاكلها الداخلية أيضاً، إلى حدود الغياب شبه الكامل.
هذه أولوية كبيرة ينبغي أن يتجه نحوها التفكير وأن تتخذ من أجلها المبادرات، وأن تتجند من أجل إطلاقها الجهود الحقيقية والصادقة والمثابرة... وغير الفئوية بالدرجة الأولى!
الوجه الآخر، لـ»قدرية» الانقسام الاحتكاري السياسي الراهن، ذي الطابع الطائفي والمذهبي المقرون بكل أنواع العصبيات والغرائز والتوتر والتبعية للخارج، إنما يكمن إذاً، في جانب وسبب أساسي منه، في غياب تيار وطني مستقل بات حضوره أكثر من حاجة لأطرافه من أجل تفعيل دورهم، وللبلاد عموماً باعتباره حاجة إنقاذية في مواجهة الخلل الذي منع، بشكل مطرد ومتفاقم ( منذ الاسستقلال حتى اليوم)، قيام دولة حصينة وموحَّدة وسيدة، دولة مساواة وقانون ومؤسسات وحريات... وهو الذي يمنع الآن، بشكل متوحش ووقح وغير مسبوق، تحقيق أبسط حاجات المواطنين ومصالحهم، دون رحمة أو تمييز!
ليس بناء هذا التيار مستحيلاً، وإن كانت دونه، حالياً، صعوبات جدية. لقد عرفت مراحل سابقة حضوراً ونهوضاً مؤثرين لهذا التيار الذي صادف أن ذكّر به البعض، منذ أيام، بطريقة تكاد تكون رمزية أو كاريكاتورية!
* كاتب وسياسي لبناني