منذ نشوب الأزمة السورية، مرت المعارضة بثلاث مراحل: المراهنة على حراك الشارع لتحقيق الأهداف السياسية للمعارضة، جنوج قسم كبير من المعارضة والشارع المتحرك نحو الاقتداء بالسيناريو الليبي والمراهنة على الخارج لتحقيق أهداف داخلية بعد سقوط القذافي في 23 آب 2011؛ ومنذ مؤتمر القاهرة في تموز 2012، ومع وضوح عدم رغبة الخارج الغربي في تكرار السيناريو الليبي، برز اتجاه عند من كان مراهناً على الخارج نحو اعتماد العنف المسلح طريقاً وحيداً لتحقيق الأهداف السياسية. وقد كان ما حدث في تموز وآب في دمشق وحلب بمثابة حصيلة عملية لهذا الاتجاه.


خلال ستة أشهر من نشوب الأزمة، لم يكن عند الخارج الدولي/ الإقليمي اتجاه نحو تدويل الأزمة أو أقلمتها، بل كانت هناك رغبة، تلمس حتى عند واشنطن وباريس وأنقرة مع صمت لافت للرياض، في أن يتولى السوريون زمام الأمر لحل الأزمة. مع فشل السوريين، بالسلطة والمعارضة، في ذلك، كان هناك قطع للخيوط مع النظام أولاً من أنقرة، في النصف الأول من آب، ثم من واشنطن والاتحاد الأوروبي في نصفه الثاني. كان طلب واشنطن لـ«وحدة المعارضة» ليس ببعيد عن هذا الجو المستجد، وهو ما أوحى (سواء في المحادثات التي جرت بين «هيئة التنسيق» و«إعلان دمشق» و«جماعة الإخوان المسلمين» في الدوحة في الأسبوع الأول من أيلول. ثم بعد فشلها، بسبب إصرار «هيئة التنسيق» على تضمين النص المقترح للائتلاف رفضاً للتدخل العسكري الخارجي، في المحاولات المحمومة التي جرت بين 15 أيلول و2 تشرين الأول حين أعلن يومها قيام «المجلس الوطني» (بين الإعلان والإخوان)، وكأن هناك حاجة عند الغرب وأنقرة لجسم سياسي سوري معارض يقوم بتكرار ما قدمه المجلس الليبي (أو مؤتمر لندن للمعارضة العراقية في كانون الأول 2002) من ستارة محلية للتدخل العسكري الخارجي.
عندها، قامت موسكو، التي أصبحت التجربة الليبية بمثابة تجربة إحباط عندها، برفع سلاح الفيتو في مجلس الأمن بنيويورك، بعد يومين من قيام «المجلس الوطني السوري»، معلنة تدويل الأزمة السورية وتحويلها إلى أول أزمة دولية بين موسكو وواشنطن في زمن ما بعد الحرب الباردة. كان ذلك الفيتو في 4 تشرين الأول، وهو مزدوج بحكم الاشتراك الصيني، بمثابة إعلان نيات روسي لاستعداد الكرملين للمواجهة من أجل منع السيناريو الليبي في سوريا. وهو ما يبدو أن موسكو قد قرأت محاولة تكراره من خلال قيام مجلس إسطنبول، وهو استعداد تأكد عملياتياً في أواخر تشرين الثاني، عندما أرسل أسطول البحر الأسود الروسي إلى طرطوس في الأسبوع التالي لطلب مراقب جماعة الإخوان رياض الشقفة للتدخل العسكري التركي بعد يأسه من حصول الغربي.
كان تصريح رياض الشقفة، الذي أطلقه من إسطنبول، بمثابة إعلان اصطفاف ضمن إحدى الضفتين المتجابهتين في خضمّ نار الأزمة السورية التي أصبحت دولية، وأحد طرفيها هو الناتو الممتد من واشنطن إلى أنقرة عبر ضفتي الأطلسي، مع امتدادات إقليمية، والطرف الثاني المواجه هو محور موسكو ــ بكين، ومن ورائهما مجموعة دول البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، مع تحالفات وتلاقيات إقليمية مع هذا المحور المواجه للناتو في طهران وبغداد والضاحية الجنوبية لبيروت. في 3 كانون الأول أكمل الدكتور برهان غليون ملامح الاصطفاف الدولي ــ الإقليمي لـ«المجلس الوطني» من خلال مقابلة مع صحيفة «وول ستريت جورنال»، أعلن فيها مواقف المجلس تجاه الصراع العربي الإسرائيلي والجولان وإيران وحزب الله. مقابل هذا، وفي محادثات مع دبلوماسيين روس، ومع مسؤولين إيرانيين في طهران خلال تشرين الثاني وكانون الأول وكانون الثاني، أعلنت «هيئة التنسيق» أنّ مواقفها المعارضة للسلطة السورية من أجل التغيير لا تنسيها ضرورة أن لا تنزاح سوريا من موقع دولي ــ إقليمي إلى آخر بحكم إدراكها أنّ سوريا محتاجة إلى ظهير دولي ــ إقليمي وإلى مصادر للسلاح في صراعها مع إسرائيل، قبل احتلال الجولان وبعده. وفي الحقيقة كانت التباينات في الرؤية الدولية ــ الإقليمية ــ المحلية وراء وفاة اتفاق المجلس والهيئة بعد أربع وعشرين ساعة من توقيعه مساء 30 كانون الأول في القاهرة، وتحديداً عملية خضوع المجلس للتجاذبات الدولية ــ الإقليمية، وهو ما يبدو أنّ الدكتور برهان غليون قد تناساه عند التوقيع أو أنّه أراد من هذا التوقيع إنشاء تكتل ليبرالي ــ يساري ــ علماني في جسم معارض موحد يوازي أو يفوق نفوذ الإسلاميين الذين وضحت مقدار هيمنتهم على المجلس في مؤتمره بتونس قبل أسبوعين من توقيع اتفاق القاهرة.
عملياً، أدى تدويل الأزمة في 4 تشرين الأول إلى وفاة محاولات تعريبها التي جرت أولاً مع تسريب خطة الجامعة العربية إلى صحيفة «الحياة» في 6 أيلول، قبل أن يتبناها المجلس الوزاري العربي في 2 تشرين الثاني، ثم ثانياً في الخطة الثانية المتبناة من الجامعة في 22 كانون الثاني التي تتضمن السيناريو اليمني. حصلت وفاة التعريب في نيويورك لما حملت خطة 22 كانون الثاني إلى مجلس الأمن وجوبهت بفيتو روسي ــ صيني في 4 شباط. وقد كانت نصيحة «هيئة التنسيق» لنبيل العربي بأن يسلك طريق موسكو قبل الوصول إلى نيويورك، وهو ما لم يفعله هو ووزير خارجية قطر في طريقهما إلى هناك حاملين السيناريو اليمني الذي كان لافروف قد لمّح إليه مرتين في كانون الأول، بعد فترة من توقيع اتفاق «23 نوفمبر» في صنعاء.
هنا، كان يوم 4 شباط 2012 مؤدياً إلى جعل التدويل عنواناً للأزمة السورية، وهو ما برز مع خطة عنان في آذار ونيسان عبر بيانين رئاسيين من مجلس الأمن ثم عبر القرارين 2042 و2043. لم يوافق على خطة عنان سوى «هيئة التنسيق» ضمن المعارضة السورية عبر بيان رسمي، وهو ما لم يفعله «المجلس الوطني» الذي تبارى مع بعض الخليجيين منذ أوائل نيسان في تعداد النسب المئوية التي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة لما كان يراه (أو بالأحرى لما يرغب) من احتمالات فشل الخطة، قبل أن يطلب الطرف المهيمن على المجلس، وهم الإخوان المسلمون في بيان رسمي يوم 27 نيسان، من الأمم المتحدة «إعلان فشل خطة المبعوث الدولي كوفي أنان»، الذي تبارى مسلحو المعارضة في خرقها مع النظام منذ يوم 12 نيسان، إن لم يكن قد تفوقوا عليه في ذلك.
في مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية، الذي أتى بعد يومين من بيان مؤتمر جنيف (30حزيران) الآتي كحصيلة لتوافق أميركي ــ روسي، جرت محاولات من الدكتور ناصر القدوة ومن نبيل العربي لتضمين البيان الختامي موافقة أو ترحيب ببيان جنيف، وهو ما لم يحظ إلا بموافقة «هيئة التنسيق» و«المنبر الديموقراطي» و«المجلس الكردي»، فيما وقف بالمرصاد «المجلس الوطني» و«الجيش الحر» والتنسيقيات وأطراف من المعارضة أصبحت بعد خروجها من «المجلس» محسوبة على الرياض التي استبعدت هي وطهران من مؤتمر جنيف.
خلال شهري تموز وآب 2012، جرت تجربة ذلك في الميدان وصلاح الدين، ولم تكن النتائج سوى طبعة جديدة من بابا عمرو، مع الفرق بأنّه لم توجد بيئة حاضنة للتسلح في مدينتين عريقتين تجارياً مثل دمشق وحلب يحسب فيها استعمال السلاح، ليس من خلال رد الفعل أو من خلال حجم الآلام، وإنما من منطق قياس الفعل بنتائجه.
تلك التجربة كانت تكراراً لما جرى بين يومي23 آب 2011 و2 تموز 2012 من تسوّل التدخل العسكري الخارجي الذي أتى بدوره بعد اكتشاف البعض من المعارضين، بين آذار وآب 2011، بأن الحراك الشعبي لا يملك الآلية الذاتية الكافية لتحقيق «شعار إسقاط النظام» الذي أقحموه على الحراك منذ حزيران، ما دفعهم، ومعظمهم إما من معارضي ربع الساعة الأخيرة أو من المقيمين بالخارج أو من الملتحقين بالمعارضة بعد أن كانوا بالسلطة (وهم يظنون أنّ التطرف الشعاراتي واللفظي يغسل ممارساتهم السابقة) إلى طرح شعارات طلب التدخل الخارجي كعنوان لتحركات الجمع. هكذا استغلوا قلة خبرة الشارع المتحرك بالسياسة بعد صيام إجباري عنها فرض عليه من السلطة منذ نهاية شباط 1982 إلى آذار 2011.
هل تكون التسوية السورية، في صراع توحي توازناته الدولية ــ الإقليمية ــ المحلية بأنّه ليس مسموحاً فيه بأكثر من نتيجة حرب 1975 ــ 1990اللبنانية، أي لا غالب ولا مغلوب، هي حصيلة لفشل التجارب الثلاث: إسقاط النظام، التدخل العسكري الخارجي، السلاح طريقاً عند طرفي الصراع لتحقيق الأجندات السياسية؟
* كاتب سوري