في أواخر الشهر الماضي، دُعيت الجمعية العمومية لنقابة الصحافة، إلى انتخاب عضو في مجلس النقابة بديل للزميل إلياس عون الذي أصبح رئيساً لنقابة المحررين (التداخل بين النقابتين لا يزال مصدر إشكالية لا تعمل لمصلحة محرري الصحافة اللبنانية). في الجلسة الثانية، ووسط حضور ضعيف بعد تأجيل اليوم الأول لعدم اكتمال النصاب، عُرضت أسماء المرشحين لشغل الموقع الشاغر. الزميل سمير منصور كان قد بكَّر، فور معرفته بالشغور، بتقديم طلب ترشيحه.


لكن المقعد «مخصص» لـ«الطائفة المسيحية»، ولذلك جرى «التطنيش» على الطلب لإظهاره غير قانوني بدل لفت نظر صاحبه إلى ضرورة تأكيد الترشح ضمن المهلة. وبإبطال ترشيح الصحافي منصور، جرى تأمين «التوازن الوطني» في نقابة الصحافة مشفوعاً أيضاً بالتزكية بعد مناشدات ترافقها وعود، ولو كانت بغير أساس واقعي أو قانوني!
«التوازن الوطني» الذي بات معتمداً في كلّ النقابات المهنية التي تشترط مستوى مهنياً وعلمياً عالياً، هو التعبير المخادع عن التوازن الطائفي. وها هنا في نقابة الصحافة، كما في مؤسسات متزايدة أخرى، لا ينسحب «التوازن الوطني» على الرئيس فقط، بل ينسحب كذلك على سائر الجسم المنتخب أو المعيّن. يحصل ذلك، بشكل مخجل أيضاً، في مؤسسات منوط بها إعداد وتعليم وتربية الأجيال الجديدة، وزارة التربية تستحق وقفة. وأمر التحاصص الطائفي والمذهبي، قد بلغ أدنى مراتب الوظيفة في الملاك أو في التعاقد. وآخر الأمثلة، في هذا الصدد كان مثل المتعاقدين مع شركة كهرباء لبنان.
الخطير في هذا التدهور المقلق أنّه لا يجري في السر، بل علانية وبتفاخر ومطالبة وضغوط: ألا يرفع سياسيون نافذون وقادة شعار «المناصفة بين المسلمين والمسيحيين»؟ الشعار مركزي في سجالاتهم السياسية عموماً والانتخابية خصوصاً. ألا يتمسك هؤلاء وسواهم بـ«قانون الستين» ذي الدوائر الموزعة طائفياً ومذهبياً؟ ألم ينحدر بعض من كانوا «تقدميين» وعلمانيين سابقاً إلى درك تقديم مشاريع انتخابات تتولى كل جماعة طائفية بموجبها اختيار وزرائها ونوابها؟
والسؤال الذي قد يبدو في نظر البعض غبياً (وهو بشكل ما غبي بالفعل): ألا يدرك هؤلاء أنّهم يدوسون بأرجلهم الدستور اللبناني؟ وأنّهم يخالفون، بنحو بالغ الفظاظة والوقاحة، أحكامه القاطعة التي تحصر المحاصصة الطائفية مؤقتاً بالفئة الأولى؟ إذ من ضمن هاجس واضح في دستور الطائف للوصول إلى إلغاء الطائفية السياسية وتحديد آليات واضحة لهذا الغرض، نصت المادة 95 من الدستور على أنّه «تلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والمختلطة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها، وفي ما يعادل الفئة الأولى فيها، وتكون مناصفة بين المسيحيين والمسلمين من دون تخصيص أية وظيفة لأية طائفة، مع التقيد بمبدأ الاختصاص والكفاءة».
هذا النص الصريح هو ما يجري انتهاكه منذ إقراره، وبشكل متفاقم كل يوم، وفي كل مناسبة. ويتبرع أولئك الذين حريٌّ بهم أن يقدموا أمثلة عصرية وأن يختبروا مراحل انتقالية واستباقية من التطوير، بالعودة إلى الخلف، كما حصل في نقابة الصحافة والنقابات المهنية وسواها، وكما حصل أيضاً أخيراً في نقابة المرئي والمسموع التي ما إن حصلت على الترخيص حتى وقعت منذ بدايات التأسيس في بازار «التوازن الوطني»، فكانت انطلاقتها للأسف ملتبسة وضعيفة ومجتزأة التمثيل.
والمسألة الخطيرة هنا في المسار الذي تشير إليه هذه الممارسات، أنّه مسار يضيف إلى المستفيدين الكبار، من اعتماد الطائفية والمذهبية، مستفيدين صغاراً يوسعون حضورها ويغذونه، ويساهمون في تعزيز الخلل في الحياة السياسية اللبنانية وإدامته. ويرتبط بكل ذلك، حكماً، تعظيم الفئوية والزبائنية والمحسوبيات والفساد وانتهاك الدستور والقوانين. كذلك يرتبط بذلك إضعاف مؤسسات الدولة ومفهوم الدولة عموماً، بكل ما يعني ذلك من سلبيات متناسلة، يوماً بعد يوم، على حضور الدولة وعلى وجودها من الأساس. ويقترن بذلك عضوياً، توسيع مجالات استغلال الطائفة والمذهب وفق صيغ عصبوية ـــ غرائزية لا إيمانية. ورغم ما يفرضه القانون من عقوبات كبيرة على إثارة ومثيري النعرات الطائفية والمذهبية، تستشري هذه الأخيرة، بتواطؤ عام وإلى حدود غير مسيطر عليها كما يصرح قادة كبار، وكل ذلك طبعاً من دون حسيب أو رقيب، ما دام الخلل شاملاً والجميع متورطين، وإن اختلفت الدرجات. وبسبب تراكمات متوارثة منذ عدة أجيال، وبسبب تعمق حالة الانقسام وانعقادها على الأزمات الخارجية عموماً والإقليمية خصوصاً، فقد نشأ في لبنان وضع شاذ، تعددت فيه الدويلات على حساب الدولة الواحدة، وتنوعت وتباينت فيه الولاءات على حساب الولاء الوطني. ونحن نعيش الآن وضعاً متفاقماً من تأزم «الصيغة اللبنانية» مفتوحاً على أخطر الاحتمالات وأشدها ضرراً بلبنان وباللبنانيين. فالوحدة الوطنية أوهن من خيوط العنكبوت، فيما تتوطد أواصر العلاقات بين «الدويلات» اللبنانية والقوى الإقليمية التي يصادف أيضاً أنّها دول محورية وقوية تملك الثروة الطائلة والمرجعية الدينية أو المذهبية في الوقت عينه. ويجب القول رغم كل ما نعيشه من مظاهر التطرف والفلتان، إنّ المستفيدين من الوضع الراهن هم أقلية، على خلاف الأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني. فهذه الأكثرية تعاني اليوم قلقاً حقيقياً، قد لا تدرك كل أسبابه أو بعضها بنحو صحيح، لكن الإجماع قائم على القلق على المصير. ولا يحتاج هذا الأمر إلى براهين لجهة اهتزاز الاستقرار العام واحتمال الانزلاق نحو احتراب أهلي مخيف لكل اللبنانيين ولأكثريتهم المتضررة من الوضع الراهن خصوصاً. كذلك فالوضع الاقتصادي متفاقم بعلامة انفلات الجشع والغلاء من دون حسيب، وبعلامة تكاثر الجريمة والاعتداءات بهدف الابتزاز والسرقة، وبعلامة كثرة الباحثين في صناديق القمامة عما يقتاتون به...
في مقابل الجهد الكبير من أجل وعي الأكثرية المتضررة لواقع الأمور ولأسباب الفشل في بناء وطن مستقر وموحد، تنشط القوى المستفيدة من أجل تأجيج العصبيات والغرائز. وهي تستقوي في الواقع على هذه الأكثرية بعناصر قوة خارجية، مادية وروحية وعسكرية، كما حصل أيضاً في مناسبات عدّة غير بعيدة.
وتُروَّج، تكراراً، في هذا السياق، فكرة أنّ لبنان هو «بلد الطوائف». وفي مواجهة ذلك، يجب بناء إرادة وطنية جامعة للأكثرية الساحقة من اللبنانيين: إنّ لبنان هو بلد الانفتاح والديموقراطية والمقاومة وترجمة ذلك في مشروع جامع لإنقاذ لبنان من «أصدقائه»، لا من أعدائه فقط!
* كاتب وسياسي لبناني