بعد سقوط اليسار في الأرجنتين وفنزويلا أصبحت القارة اللاتينية مهيّأة «لفترة انتقالية» من حكم اليمين. هذا التقدير يعتمد على التغيّرات التي طرأت على التركيبة الطبقية للمجتمعات هناك، إذ تسود في فترات الحكم الطويلة أنماط محدّدة من الهيمنة الاجتماعية على الإنتاج، بحيث تصبح حصّة الفرد منه خاضعة لموقعه من المعادلة الاجتماعية ـ الاقتصادية التي تمليها طبيعة الحكم. وفي حالتنا هنا، إنّ هذا الموقع كان أقرب إلى اليسار الذي عبّرت عنه أحزاب مثل «الاشتراكي الموحّد» في فنزويلا، و«الشغيلة» في البرازيل، و«العدالة» في الأرجنتين. هذه الأحزاب وصلت إلى السلطة عبر برامج اقتصادية تُظهِر انحيازاً واضحاً إلى الطبقات المفقرة في بلادها، وفي ضوء هذا الانحياز بدأت قاعدتها الاجتماعية بالتوسّع لتضمّ، إلى جانب الفقراء والمهمَّشين، الطبقات الوسطى الدنيا، وسكّان البلاد الأصليين (في حالتي فنزويلا وبوليفيا تحديداً) الذين عانوا لسنوات من حكم اليمين والنخب الاقتصادية التابعة للغرب. وبالإضافة إلى توسّعها أفقياً ازدادت مشاركة هذه الشرائح في الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية، على حساب الطبقات الغنية التي استبعدت جزئياً من العملية الاقتصادية، وأضحت حصّتها من عملية الإنتاج مساوية لحصّة الآخرين، إن لم تكن أقلّ منها بكثير.
استغلّ اليمين هذه الفرصة لقيادة حملة شعواء ضدّ الحكومة اليسارية

نهاية حقبة هذا الأمر جعلها في تَعارض مستمرّ مع الأنظمة اليسارية التي تمثّل مصالح الفقراء والمهمّشين، وخِيضت على هذا الصعيد عدّة مجابهات مع هوغو تشافيز، وإيفو موراليس، ورافاييل كوريا، انتهت جميعها إلى الفشل. كان اليسار في هذه المرحلة لا يزال قوياً وقادراً على تقديم نموذج اجتماعي جذّاب للفئات الأكثر تهميشاً في أميركا اللاتينية، ولم يكن قد تعرّض بعد لأيّ من التحديات التي واجهت الحكومات الشيوعية لاحقاً. في هذا الوقت تقلّصت هيمنة اليمين الاقتصادية إلى حدود السيطرة على وسائل الإعلام فحسب، فلم يعد رأسماليوه يتحكّمون بحركة إنتاج النفط التي أُمّمت في فنزويلا بقرار من تشافيز، وأصبحوا بالإضافة إلى ذلك عاجزين عن تحقيق الأرباح التي كانت تؤمّنها لهم الاحتكارات التجارية التي فرضوها على البلاد. بقيت لديهم فقط الإمكانية لاستخدام الدعاية السياسية عبر وسائل الإعلام، وهو ما حرص اليسار على استمراره لكي لا يقال إنه يستخدم نفوذه في السلطة لإسكات الأصوات المناهضة له. كانت معظم وسائل الإعلام في فنزويلا مُلكاً للمعارضة حين كان تشافيز يَظهَر على شاشة التلفزيون الحكومي لساعات، عبر برنامج أسبوعي خُصّص لمعالجة مشاكل المواطنين. ومع أنه كان يتحدث طويلاً، وفي كلّ شيء تقريباً، من السياسة إلى الرياضة، إلا أن أداءه لم يكن يزعج الخصوم كثيراً، فهو لم يكن يملك محطّة واحدة، بينما يملكون هم عشرات المحطات التلفزيونية التي تستطيع مواجهة الرجل وتفنيد خطاباته. بهذا المعنى لم يكن تخصيص برنامج لتشافيز على التلفزيون الحكومي متعارضاً مع الصيغة التعددية التي حرص اليسار البوليفاري على إبقائها قائمة (خلافاً لتجربة كوبا)، ذلك أنّ التعارض هنا يفترض ممارسة قدر من التأميم لوسائل الإعلام، أي بالضبط كما فعل الرجل وحكومته حين نقلوا مُلكية شركات النفط والمصالح التجارية الكبرى في البلاد من أصحاب الرساميل والشركات الأجنبية إلى الدولة. تشافيز كان يعرف أنّه بذلك سيحظى بشرعية إضافية، ولن يخسر في الوقت ذاته هيمنته الاجتماعية، التي كانت قد تجذّرت حينها، وبالتالي لا خوف عليها مما يقوله اليمين عبر الإعلام. وهذا ما لم يتوافر بالقدر نفسه لخلفه، مادورو، الذي لم يكن يمتلك سطوة تشافيز، ولا قدرته على إدارة التناقضات الطبقية. ففي هذه المرحلة تحديداً بدأت الطبقة الوسطى العليا التي كان تشافيز قد «حيّدها» بالتململ والتعبير عن انزعاجها من إدارة العملية الاجتماعية. اليمين من جهته استغلّ هذه الفرصة لقيادة حملة شعواء ضدّ الحكومة اليسارية، مستفيداً من التململ الحاصل في الأوساط الاجتماعية المدينية، ومن فشل مادورو الذريع في إدارة الأزمة الاقتصادية التي سبّبها انهيار أسعار النفط. لم يعد الحكم بعد هذه الأزمة قادراً على إخفاء تناقضاته، فبالإضافة إلى فقدانه التأييد الشعبي تراجع الفائض الذي كان يصبّ في توسيع شبكة الإنفاق الاجتماعي إلى حدّ كبير، ومع تراجعه أخذت الهيمنة الاجتماعية للطبقات المفقرة والمهمّشة بالتقلّص، وهذه المرّة لمصلحة اليمين الذي استعاد المبادرة، وشرع باسترداد المواقع التي فقدها تباعاً. استراتيجيته اعتمدت أساساً على تأليب الطبقات الوسطى العليا على الحكم، فهذه الأخيرة لم تكن مقصاةً بالكامل في حقبة تشافيز، وكانت مستفيدة إلى جانب الفقراء (ولكن ليس بقدرهم) من «الرفاهية» التي توفّرها عملية توزيع العوائد النفطية، فحافظت بفضل هذه الاستفادة على نمط حياة مستقرّ وآمن، وإن لم تكن على وفاق كامل مع الحكم حينها. بعد تراجع أسعار النفط وبدء عمليات المضاربة الرأسمالية على العملة الوطنية اهتزّ هذا الاستقرار بشكل واضح، وذهبت مع اهتزازه حالة التصالح الهشّة مع الحكم اليساري. على الأثر، بدأت التظاهرات في صفوف الطلبة المنتمين إلى الطبقة الوسطى بالتوسّع احتجاجاً على تفشّي العنف الاجتماعي، وازدياد نسبة البطالة، وفقدان السلع الأساسية من السوق، وأخذت بضمّ فئات مختلفة من المجتمع إليها، وهو ما يفسر انحسار نسبة التأييد للحكم في الانتخابات الرئاسية الأخيرة (حصل مادورو على نسبة 50,7% من الأصوات مقابل 49,1% لمنافسه اليميني أنريكه كابريليس). ... وبدايةٌ أخرى مع توسّع الاحتجاجات في العامين 2013 و2014 بدأ يتكوّن في البلاد سياق مناوئ، ليس للحكم اليساري فحسب، بل أيضاً لمجمل ما قام به هذا الأخير من إصلاحات اجتماعية، وهنا أتى دور اليمين لتحميل هذا الإرث مسؤولية ما يحصل في البلاد من فوضى واستقطاب اجتماعي. نسي المحتجّون في غمرة ما يحصل مسؤولية اليمين نفسه عن الاستقطاب في سنوات ما قبل تشافيز، وكيف كانت البلاد تعاني من تفاوتات طبقية هائلة، ومن تهميش لمناطق واسعة لم يكن يحقّ لها حتى الحصول على سكنٍ لائق. وبدل إجراء جردة حساب فعلية لسنوات حكم اليسار تحصي ما له و«ما عليه» حُمّل هذا الأخير مسؤولية جرّ البلاد إلى حافة الإفلاس، وخيضت ضدّه، بعد انتخاب مادورو بقليل، حملات شرسة أفضت إلى شيطنته، وتأليب معظم الفئات الاجتماعية المتوسّطة ضده. هكذا، بدأ يفقد هيمنته الاجتماعية في المناطق المدينية منتقلاً بفعل «نجاعة أداء اليمين» من خسارة إلى أخرى ومن تراجع إلى آخر، حتى وصل به الأمر إلى فقدان الغالبية النيابية بفارق كبير لمصلحة اليمين، وهو ما أنهى عملياً سلطته الفعلية، عبر بقائها صورياً فقط بيد الرئيس. بعد هذه الخسارة لن يستطيع مادورو التصرّف كرئيس فعلي للبلاد، فقد أصبحت سلطته مقيّدة بوجود غالبية نيابية معارِضة تستطيع تعطيل أيّ مرسوم أو مشروع قرار يقترحه. الأمر لن يتوقّف عند هذا الحد، إذ بدأت الكتلة اليمينية باقتراح مشاريع للعودة عن قرارات التأميم والإصلاح التي أقرّها تشافيز وأصبحت بفعل التعديلات الدستورية التي قام بها جزءاً لا يتجزأ من دستور «الجمهورية البوليفارية». وحين يقدم اليمين على خطوة من هذا النوع، فهو يعرف أنه «مسنود» بشرائح اجتماعية «واسعة» لم تعد تعنيها تلك الإصلاحات، لا بل تحوّلت في نظرها ـ بفعل الدعاية التي مارسها الإعلام اليميني ـ إلى سبب لحالة الفوضى الاقتصادية التي تعمّ البلاد. هذا الأمر سيخلق استقطاباً جديداً داخل المجتمع الفنزويلي يضاف إلى الاستقطاب الذي كان قد بدأ مع توسّع الاحتجاجات، وتحوّلها إلى ساحة للمواجهة بين المؤيدين لحكم مادورو والمعترضين عليه. ومع تزايد حالة الاستقطاب ستصبح المهمة أصعب على اليمين، فالفقراء والمهمّشون الذين حفظت لهم إصلاحات تشافيز حقوقاً متساوية مع الآخرين لن يتنازلوا عن مكتسباتهم بسهولة، وسيخوضون صراعات مريرة للحفاظ عليها، وهذه المرّة من موقع المعارضة بعدما انتهت عملياً هيمنتهم على مفاصل السلطة الفعلية. في المقابل، بسبب الدينامية التي أحدثتها الاحتجاجات، تقدّمت إلى الأمام شريحة أخرى من المواطنين كانت قد انكفأت سياسياً أيام تشافيز، واكتفت بالاستفادة من المزايا التي وفّرها حكمه. هذه الشريحة لا تنتمي عضوياً إلى اليمين، ولكنها لا تمانع في الاستفادة من وجوده في السلطة إذا كان سيجعل حياتها أفضل مما كانت عليه أيام تشافيز ومادورو معاً. هي بهذا المعنى تمارس السياسة من موقع سلبي، ولا تملك تصوّراً فعلياً عن دور الدولة كما تفعل نظيرتها المُفقرة، فحين يصعد اليسار تصعد معه وحين يسقط تقفز من القارب إلى ضفّة أخرى وتحاول الاستفادة مما يقدّمه لها الآخرون. هذا النوع من الدعم لا يدوم طويلاً، ويتبدّد عند أول هزّة يتعرّض لها اليمين ولكنه مؤشّر على بداية حقبة جديدة لا مكان فيها لهيمنة مطلقة على السلطة. هكذا، فإنّ اليمين لن يحكم البلاد حتى لو «حكمها». هو يحوز الغالبية التي تستطيع التعطيل، ولكنه لا يملك أدوات الهيمنة التي كان يملكها اليسار. الهيمنة لا تحتاج فقط إلى غالبية نيابية، بل إلى مشروع متكامل للدولة، وهو ما يفتقر إليه اليمين الفنزويلي بشدّة إلى جانب افتقاره إلى الحاضنة الاجتماعية التي تبدو أقرب إلى يسار الوسط منها إليه. * كاتب سوري