حسناً فعلت كريستين لاغارد بزيارتها مصر أخيراً. لو لم تفعل ذلك لبقي النقاش الدائر هناك عند حدود سياسويته المفروضة فرضاً. على الناشطين المناوئين لصندوق النقد الدولي وسياساته الإفقارية أن يشكروا مديرته السيدة لاغارد على إخراج حراكهم من سباته. أمام هؤلاء فرصة حقيقية اليوم لإعادة تصويب النقاش المصاحب للمخاض المصري. حتى الآن بقيت النقاشات تلك مؤطرة باهتمامات النخب وبمصالح الرأسمال المشغّل لها. وغالباً ما تكون هذه المصالح على تضاد مطلق مع ما يحدث على الأرض. وما يحدث هناك أن جزءاً لا بأس به من الشعب المصري قد سئم من المساومات الدنيئة التي تزعم انشغالها بقضاياه، فيما هو غارق في فقره وفي انصرافه عن هؤلاء المساومين إلى تدبّر أمور عيشه. قد تكون زيارة لاغارد أيضاً مناسبة لتسليط مزيد من الضوء على هذا العيش، وعلى الكيفية التي أصبح يدار بها بعد «ثورة» أتت باسم القطيعة مع الكيفية السابقة لإدارته. على من قام بتلك «الثورة» إذاً أن يوضّح لنا الآن كيف لتلك القطيعة التي ارتدت شعار «العدالة الاجتماعية» أن تستؤنف مجدداً، وخصوصاً أن القرض الذي تفاوض الحكومة المصرية صندوق النقد عليه لا يقدم لنا أدلة فعلية على أن هنالك ثورة قد وقعت أو عدالة قد قامت. الأهمّ من ذلك كلّه هو مكان الطبقات الشعبية التي يحرص الناشطون السياسيون على الالتصاق بقضاياها ومصالحها من نقاش كهذا. لنتّفق أولا على عجزنا عن توريط هؤلاء في نقاشاتنا المستمرّة حول ما فعلته «الثورة» أو لم تفعله. عندما نقرّ بذلك نكون قد هيأنا الأرض فعلاً للعودة عن ذاك العجز، ولإشعار أولئك المسحوقين بأنهم معنيون بهذا السجال، وبأن فكرة الانحياز لهم ولقضاياهم ليست طارئة، بل هي في أساس الحراك منذ البداية. بعد إنجاز هذه المراجعة النقدية للخطاب «الثوري» يمكن النقاش أن ينتقل إلى مساحات يشعر الناس بأنها لا تزال ملكهم. ومنها مثلاً الميديا التي بقيت في منأى جزئياً عن هيمنة رأس المال الكومبرادوري. لنجرّب تقديم مثال ملموس عن بعض ما تكتبه تلك الميديا في سياق انشغالها المستجدّ بقضايا الناس الفعلية: بتاريخ 23 آب الفائت نشرت صحيفة «التحرير» المصرية خبراً يتناول الاعتراضات الشعبية المتزايدة على رضوخ الحكومة الجديدة لشروط صندوق النقد الدولي وشروعها في مساومات على القرض الممنوح لها من جانبه.

أتت صياغة الخبر على النحو الآتي: «فتّح عينك ..الدّين من جيبك ... لا لقرض الصندوق ...لا للاستدانة باسم الشعب». طبعاً الصياغة هنا ليست محايدة ولا هي أيضاً وليدة خيال صحافي محض. هي كناية عن مطابقة بين الشعار الذي رفعته «الحملة الشعبية لإسقاط ديون مصر» والخط التحريري للصحيفة الذي اختار أن يكون شعار الحملة هو الخبر وهو المانشيت أيضاً. عادة لا تشغل مواضيع مماثلة حيّزاً أساسياً في الصحف، وخصوصاً إذا كانت عميلة بامتياز لرأس المال. قد تكون صفحات الرأي هي الأفضل لذلك لدى هذا النّسق المبتذل من الصحافة، نظراً إلى «نخبويتها» وانصراف قرّاء بعينهم عن متابعتها.غير أن القرار (لدى البعض فحسب) بنقل الموضوع من «الهامش» إلى المتن يعني أن هنالك شيئاً في المعادلة قد تغيّر، ويعني أيضاً أن إشراك أوسع شريحة ممكنة من القرّاء في النقاش حول السياسات الاقتصادية للنظام ونخبته قد بات في المتناول. تعالوا الآن ننتقل من الشكل إلى المضمون. الخبر يتحدث عن حملة شعبية لإسقاط ديون مصر ويعرض لما يقول إنه برنامج الحملة. سأحاول اختيار النقاط التي يبدو لي أنها تشغل الرأي العام في مصر أكثر من غيرها . يقول نصّ الحملة ما يأتي : «... حتى الآن تم التشديد على أن الهدف الأساسي من القرض هو سدّ تقليص عجز الموازنة وليس العدالة الاجتماعية والتشغيل. ويعدّ هذا الهدف استمراراً لنفس منهج حكومات مبارك التي أدّت إلى إفقار المصريين، بل والمزيد من عجز الموازنة، إذ كيف تستهدف الحكومة تقليص العجز وهي ترفع معدلات الاقتراض مما يرتّب حملاً إضافياً لسداد الديون، ومن ثم ضغطاً على الموازنة». اللغة المستخدمة هنا في صياغة الخطاب ليست متعالية كلغة النخب. حتى عندما تستعين بمصطلحات اقتصادية لتفكيك آلية النهب التي ينطوي عليها قرض الصندوق، لا تبدو أنها بصدد مغادرة السلاسة التي تخاطب بها الشرائح المتضرّرة من السياسات الاقتصادية للنظام. وهي شرائح متنوعة جدّاً ولا تقتصر على المتعلّمين وحدهم. حين تقول مثلاً لفلاح من الصعيد أو من الدلتا إن الدولة ستستلف مبلغاً كبيراً من المال، لكنك لن تستفيد منه بملّيم واحد، ولن يعود على أمثالك من الفقراء بشيء يذكر، سيفهم الرجل حتماً أنه غير معني بهذه العملية وبأن الساسة الذين انتخبهم ليلبوا حاجاته لا يفعلون ذلك، بل يفعلون العكس. لا يحتاج الفقراء دائما إلى من يرشدهم إلى مصلحتهم. هم يقرؤون الصحف، إذا لم يكن مباشرة فبواسطة آخرين. المهمّ أن تصلهم الفكرة بشيء من السلاسة، وهو ما يحصل عندما يقرّر رأس المال الذي يملك الميديا أن يضع مصلحتهم في الاعتبار. لا نريده «أن ينحاز إليهم». أصلاً ما من حاجة إلى ذلك في ظل الانحيازات الاجتماعية التي «تفرض» على العامل والمزارع أن يكون في مواجهة دائمة مع من يملك قوة عمله (معظم مالكي الصحف والفضائيات في مصر هم أرباب عمل أيضاً، أي هم أصحاب مصانع وملّاكو أراض يشغّلون آلاف الأجراء والعمال والمزارعين!). كلّ ما في الأمر أن المجال الآن قد انفتح (ليس كثيراً) وبات بالإمكان تعديل التموضعات الطبقية، وإجبار رأس المال على فعل ما لم يكن راغباً في فعله سابقاً. لاحظوا مثلاً كيف بدأت الصحف بتبنّي أطروحات يسارية جذرية لم يكن ممكناً مجرّد التلميح إليها سابقاً. يقول نصّ الحملة الشعبية الذي نشرته «التحرير» ما يأتي: «البرنامج ينصّ على تعديل الضرائب على الدخل بدون أي تفاصيل. عدم الشفافية هنا مثير للقلق، إذ إن اختيار من يدفع الضرائب هو في حدّ ذاته سياسة اجتماعية إما ضد الفقراء أو ضد الأغنياء». في ما بعد يستطرد النص في ذكر أشكال التحيّز ضد محدودي الدخل كما اقترحها وزير المال الحالي، وهو كما يوضح النصّ وزير مال حكومة الجنزوري أيضاً. لا يخفى على أحد هنا كيف يلمّح ناشطو حملة المقاطعة إلى استئناف الحكومة الحالية السياسات الاقتصادية ذاتها المنحازة ضد الفقراء ومحدودي الدخل التي كانت تعتمدها الحكومة السابقة. يقول هؤلاء ببساطة، ولو بقدر من الخفر (على اعتبار أنهم من الكتلة التي صنعت «الثورة» )، إنه لا شي قد تغيّر فعلاً. هم بتكرارهم الحرفي لكلاسيكيات اليسار الراديكالي عن الانحيازات التي تعبّر عنها السياسة الضرائبية للنظام يعترفون بأنهم لم ينجحوا في جعل الثورة حاملاً موضوعياً لمصالح الملايين من الفقراء ومحدودي الدخل في مصر. لكن ما يشفع لهم أنهم لم يستسلموا بعد، ولم يعترفوا بالهزيمة كما يراد لها أن تكون من جانب النخبة اليمينية الجديدة (فيها إخوان وعسكريون ورجال أعمال وفلول و {ثوريون»... إلخ). أحياناً يكون للهزائم أو النكسات جوانب مضيئة. هكذا حصل بعد هزيمة عام 1967، وهكذا يحصل اليوم مع الكتل الشعبية التي وجدت أن الطريق إلى تثوير المجتمع لا يصلح أن يكون سياسياً فحسب، وخصوصاً حين تكون السياسة التي يعتمدها محدودة وضيقة الأفق ومنقطعة عن حاملها الاقتصادي ــ الاجتماعي. لنقرأ ما كتبه ناشطو الحملة الشعبية لإسقاط ديون مصر في هذا الصدد: «اللجوء إلى ضرائب المبيعات هو عين الظلم الضريبي. حيث ضريبة المبيعات يدفعها كل من يشتري أيّ سلعة، وهي تساوي بين قدرة الغني والفقير على الدفع. كذلك جاء في البرنامج تعديل قانون ضريبة الدخل لتوسيع القاعدة الضريبية. وتعني هذه العبارة عادة المزيد من الإعفاءات الضريبية للمستثمرين والأغنياء بدعوى تشجيعهم على عدم التهرب، وهي نفس منهج يوسف بطرس غالي بدلاً من فرض ضرائب تصاعدية الأكثر تحقيقاً للعدالة». هذه ليست طلاسم اقتصادية يصعب تفكيكها. عندما يتحدث النصّ عن ضريبة المبيعات لا يفعل ذلك بمنطق يصعب فهمه خصوصاً على «العامة». لا يتحدث بلغة معقّدة أو عصيّة على الفهم من يقول إن كلّ من يشتري سلعة هو بمثابة دافع للضريبة، أو إن انعدام المساواة في الدفع هو الغاية من الضريبة. الكلام هنا لا يحتاج إلى واسطة، أو إلى من يشرحه للمبتدئين في الاقتصاد السياسي. هو يصوّب على واضعي الضريبة مباشرة، ويقول إنهم يبتغون من وضعها إعفاء الأغنياء من الدفع وإلقاء الحمل بأكمله على الفقراء، تماماً كما كان يفعل النظام السابق ورموزه. والإشارة إلى يوسف بطرس غالي بالتحديد من بين كل رموز مبارك ليست من قبيل الصدفة. فالرجل كان بمثابة العقل الاقتصادي لسياسات النظام ونخبته الطبقية. طبعاً أطاحت «الثورة» الرجل، لكن من قام بها لم يقو على (أو لم يرغب في) إطاحة سياساته. وبدلاً من ذلك اكتفي بتجريد النخبة السابقة من امتيازاتها الطبقية ونقلها مع بعض التعديلات الطفيفة إلى نخبة أخرى جديدة! هذا ما فهمناه على الأقلّ من النصّ الراديكالي الذي صاغته الحملة الشعبية لإسقاط ديون مصر وتكفّلت صحيفة «التحرير» بنشره على صفحتها الأولى. النصّ هو بمثابة نعي «للثورة». نعي لها من جهة وتظهير لعجزها من جهة أخرى (حتى الآن) عن بلورة حامل اجتماعي اقتصادي يصلح ليكون جسراً لعبور الفقراء إلى مشروع «الثورة» أولاً ومشروع الدولة ثانياً. طبعاً من كتب النصّ لم يبد معنياً كثيراً بتأويل كهذا، لكن النتيجة التي خلص إليها (وفيها من المرارة ما فيها) تشي بذلك وأكثر: «... تناشد حملة إسقاط ديون مصر الرئيس المنتخب وحزب الحرية والعدالة وبقية الأحزاب المصرية والحركات السياسية رفض هذا القرض، حيث لم يثبت على مدار التاريخ أن أدّى الاعتماد على الصندوق وشقيقه البنك، الدوليين، إلى نهضة أمّة أو تقدمها».
* كاتب سوري