التطبيع من الشباك


أول ما قد يتبادر إلى الذهن مع مقولة التطبيع مع إسرائيل هو إقامة علاقة طبيعية على مستوى الاقتصاد والسياسة والاجتماع مع الجسم الإسرائيلي الغريب عن المنطقة، وربما تبادر إلى الذهن أيضاً التطبيع التاريخي والثقافي، كالاعتراف بالحق التاريخي لليهود في فلسطين. وربما كان في هذا الكلام الكثير من الصحة، ولكن الكثير من النقص أيضاً؛ إذ إنه يقدم التطبيع على أنه هدف إسرائيلي، فيما هو أقرب إلى وسيلة يستخدمها الإسرائيلي للنأي بنفسه عن الصراع مع العرب الذي بدأت تكاليفه ترتفع في الفاتورة الإسرائيلية من دون أن تصبح هذه الفاتورة ثقيلة العبء حتى الساعة. وإذا كان الإسرائيليون قد رسموا خريطة التطبيع واختاروا الأقليات الدينية كالأحجار الأولى في سلسلة الدومينو الدينية التي من المفترض أن تتساقط واحدة تلو أخرى في هذا الفخ لم تتفتق المخيلة الإسرائيلية عن التقسيم المذهبي، وهذا ما أقرت به دراسات استراتيجية إسرائيلية حينما تعترف بأنها كانت ستحقق انتصاراً تطبيعياً كبيراً لو كان الشيعة جزءاً من منظومة الأقليات المعتمدة في خريطة التطبيع كالمسيحيين والدروز بغض النظر عن مدى نجاح فزاعة الأكثرية والأقلية في بلاد افتُرِض أنها لم تتعزز بالمناعة الوطنية لافتقادها لعنصر المواطنة بسبب طبيعة الأنظمة الاستبدادية العسكرية أو الدينية أو العشائرية على امتداد التاريخ العربي.
وبالعودة إلى التطبيع مع الشيعة، وحيث إن التطبيع هو الغاية التي تحول دون اعتبار إسرائيل العدو التاريخي والحضاري في المنطقة، بل جزء من تاريخها الحضاري والثقافي نفسه، يصبح التطبيع الإسرائيلي مع الشيعة شكلاً جديداً مختلفاً سأسميه النيو ــ تطبيع، وما يقع على الشيعة من هذه العملية ينسحب على باقي الطوائف، بما فيها الكبرى.
عملية التطبيع برؤيتها هي سلخ للوقائع التاريخية والحضارية وترقيع للوجود الإسرائيلي، ومن هنا فإن الأدوات الطائفية ستقوم بعملية التطبيع على أكمل وجه حيث إن اتهام الشيعة بتبعيتهم لإيران وتضييق الخناق عليهم وتمييزهم سيدفعهم فعلاً إلى الارتماء في الحضن الإيراني الذي من المفترض أن يكون الحامي لهم. وتؤدي العقيدة الدينية دورها أيضاً مع دعم المتطرفين الشيعة المشروع الإيراني بالمطلق من دون أي اعتبار للمصالح القومية والاقتصادية ـــ الاجتماعية لشعوب الوطن العربي. وبمجرد وقوع هذه العملية تتضح لنا خيوط التطبيع الثقافي ــــ الحضاري فيسلخ الشيعة العرب عن محيطهم العربي ويصبح وجودهم امتداداً فارسياً شيعياً بمواجهة الوجود العربي ــ في مواجهة بلاد فارس ــ السنّي.
وإذا كان هذا التطبيع يجري بالأدوات الطائفية فإن سبل إيقافه بالأدوات نفسها هو أفيون الوعي.
أسعد سمور