لم تستطع السلطة السورية القضاء على المعارضة، وخصوصاً المسلحة منها، كما كانت تعد في المراحل الأولى. ولم تستطع المعارضة إسقاط النظام كما ظلت تردد، ويردد داعموها الخارجيون، حتى فترة قريبة. انعكاس ذلك على الوضع اللبناني ليس بسيطاً. لقد كان كبيراً في مرحلة التوقعات الانتصارية، وهو غير قليل الأهمية في مرحلة اصطدام هذه التوقعات بجدار التوازنات والمؤثرات الداخلية والخارجية.

ولقد بات الحديث الآن صريحاً ومباشراً بشأن تأثير متغيرات الوضع السوري على الوضع اللبناني. اللواء جميل السيد كشف في مؤتمره الصحافي الأخير، بوضوح وبدقة، جانباً من ذلك التأثير. كما كشف، من حيث شاء أو لم يشأ، حدود هذا التأثير في المرحلة الراهنة، وحتى إشعار جديد تقرره، أو تؤدي إليه، تحولات في المواقف أو في المواقع: ابتداءً من دمشق والضغوط التي يتعرض لها عمود سلطتها الفقري، وهو الجيش، وصولاً إلى واشنطن التي من المفترض أن تتحرر في أوائل السنة القادمة من تأثير الانتخابات الرئاسية فيها، في هذا الاتجاه أو ذاك. توازنات الوضع اللبناني، في صيغة الانقسام التي رست عليها، حاضرة دائماً، وبشكل راسخ. ما حصل من اختلال، لم يتحول إلى خلل.
فريق الثامن من آذار الذي كسب الأكثرية قبل نحو سنتين، لم يتحوّل إلى فريق حاكم وممسك بقرارات السلطة بشكل عام. أما فريق الرابع عشر من آذار، فقد عوضته الاضطرابات السورية وضعف السلطة فيها، ما خسره، من دون أن تمكنه من إسقاط الحكومة المرشحة، ما لم يطرأ عامل مفاجئ للبقاء حتى الانتخابات النيابية القادمة.
إلى ذلك يتشارك فريقا السلطة والمعارضة، في ما لحق بهما من الخسائر المعنوية والمادية. وقد برز ذلك في غير مناسبة، وكان مصدر تساؤلات والتباسات وشكوى جاهر بها الطرفان من دون حرج. ولا بد من أن نتذكر هنا معادلة أنّ من يملك السلاح لا مصلحة له في استخدامه داخلياً إلا في الحالات الدفاعية. وأن من يملك الرغبة والمصلحة في التوتير، لا يملك ضمانات الخروج من تصعيده بشكل رابح. لكل ذلك وسواه، وخصوصاً، بسبب اعتماد خطة تغيير المواقف والمعادلات، على إنضاج تباينات وصراعات داخلية (وهي الخطة المعتمدة من قبل واشنطن للتعامل مع الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية العربية)، فإنّ الوضع اللبناني قد حافظ على وتيرة جزئية ومحدودة من التصعيد والتوتير. لا يعني ذلك أبداً أنّ مثل هذه الوتيرة يمكن أن تحافظ على إيقاعها الراهن: الأسباب عديدة أيضاً، ومنها ما هو قائم في الوضع الداخلي اللبناني. فهذا الوضع يُشحن يومياً بكل عوامل الانقسام والتصعيد والانفعالات. وقد تؤدي أمور صغيرة إلى فقدان السيطرة العامة، كما فقدت السيطرة الجزئية في هذه المنطقة أو تلك. لكن عدم انزلاق لبنان، حتى الآن، إلى ما لا تحمد عقباه من الاحتراب والفوضى والعبثية، لا يعني أن لبنان يتمتع بأفضل وضع في البلاد العربية، كما ذكر رئيس الجمهورية في مواقفه السياسية الأخيرة. ليس الأمر على هذا النحو أبداً، لا من حيث التناقضات الخطيرة التي تتفاعل في الوضع اللبناني من دون امتلاك قوة فعل إيجابية قادرة على منع تدهورها وعلى احتوائها، ولا لجهة مراكمة أشكال من تقاليد العلاقات في الداخل ومع الخارج كالذي نشهده الآن من انفلات العصبيات والغرائز والفئويات ومن ترسُّخ الارتهان للخارج بأخطر صوره وأشكاله ونتائجه القائمة والمتوقعة.
مهما قيل في نتائج الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية العربية (وخصوصاً لجهة قدرة البعض في الخارج على تشويه أهدافها، والبعض في الداخل على استغلالها)، فإنّه من زوايا ليست قليلة الأهمية، قد تم إحداث تقدم على مستوى جدوى الاحتجاج ومبدأ المشاركة الشعبية وأساليب انبثاق السلطة. وليس بإمكان أحد، في هذا السياق، من وضع خط النهاية بالقول: هذا ما أدت إليه الأحداث. إن ما أدت إليه تلك الاحتجاجات والانتفاضات، إنما هو حالة مفتوحة على العديد من الاحتمالات: السلبية أو الإيجابية. ويرتهن ذلك بحجم المشاركة الشعبية ونوعيتها، وبدور قوى التغيير القديمة والجديدة في هذا المسار التاريخي، الذي هو مسار لا يُختصر بأيام أو بأشهر أو حتى بسنوات.
وبالمقارنة، فإن الوضع اللبناني يتراجع فيما يتقدم الآخرون ممن أشار رئيس الجمهورية إلى أفضلية لبنان عليهم. وإذا ما اعتمدنا مقاربة من نوع أنه كان ولا يزال مطلوباً من لبنان أن يتقدم الآخرين في سعيهم إلى التطور والتغيير، يصبح الوضع اللبناني في ارتداده إلى الأسوأ، راهناً، وضعاً لا يستحق أن نفاخر به (وطبعاً بمسؤولينا ذلك) على الإطلاق. وحريٌّ بنا أن نستعيد في هذه المناسبة نجاحات باهرة حققها الشعب اللبناني في غير ميدان. وحيث تحل في هذه الأيام ذكرى تأسيس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، نتذكر بهذا الحدث أحد الإنجازات التي تطورت إلى معارك فرضت على العدو الصهيوني وداعميه هزائم ذات طابع استراتيجي. كذلك نستعيد مبادرات وإسهامات ريادية قدمها اللبنانيون في أكثر من صعيد فكري وسياسي ونقابي واجتماعي وانفتاحي. كل ذلك طبعاً على نقيض ما تضخه صيغة نظامنا السياسي من انقسام وشرذمة وعصبيات وارتهان.
إنّ في لبنان سلاماً هشّاً. وهو سلام محفوف بكل أنواع التهديدات والعصبيات والسلفيات والفئويات والارتزاق... وكل ذلك مكرّس ومتكاثر في النظام الطائفي اللبناني قبل سواه. لكن هذا السلام محمي بالتوازنات التي أشرنا إلى بعضها آنفاً. وهي توازنات لا تنطوي على أي نوع من أنواع الضمانات كي تستمر وتصمد، ولذلك يجب أن تنطلق حملة وطنية جديدة لتوفير الحصانة للبنان. وهذه الحملة لا يمكن إلا أن تكون ثمرة جهود واسعة ومنسقة تبدأ من امتلاك وعي عميق وواسع بضرورة إيجاد بديل ديموقراطي للنظام الطائفي، وتمرّ من خلال إيجاد صيغ عمل سياسية مناسبة تتخطى كل الفئويات الضيقة والأُطر العاجزة والمستهلكة المعوِّقة.
* كاتب وسياسي لبناني