كيف لكاتب أن يعقلن كل هذا العبث الجاري في قلب العالم العربي، وكيف له أن يوجد أهدافاً منطقية قابلة للفهم من كل التخبط والعشوائية اللذين تتصف بهما سياسات دول المنطقة خلال السنوات الخمس الأخيرة في سياق ما عرف «بالربيع العربي»، وكيف يمكن الخروج باستدلالات استقرائية منطقية عند الإجابة بنوع من الرجم بالغيب أو قراءة الفنجان عن سؤال سيظل مرافقاً لنا لوقت ليس قصيراً: هل بقي شيءٌ من «الفوضى الخلاقة»؟! وهل سيجري الاكتفاء بما تحقق من التخريب والتقتيل والتقسيم، أم ما زالت هناك توابع وانشقاقات زلزالية في المنطقة تعمل تحت بعض السطوح الرائقة في المنطقة؟ وبعيداً عن قراءة الفناجين أو رمي أحجار الودع بات حاصلاً وواضحاً للعيان حجم السيولة الجغرافية المهولة التي تمركزت في سورية والعراق، وما رافقها من حملات تهجير ونزوح قسرية غيرت وتغير كل يوم ديموغرافيات المنطقة وتهز جغرافيتها بدون شفقة أو رحمة. إن الحوادث الضخمة التي حصلت بدايةً هنا كانت تخضع لتأثيرات بالواسطة عبر دول إقليمية نافذة تحاول أن تتمدد في سوريا والعراق، واكتفت خلال المجريات بأنواع الدعم «عن بعد» أو «القيادة من الخلف» لوجستياً ومالياً، وراحت الساحات المشتعلة تخضع لتأثيرات إيرانية أو تركية سعودية وقطرية تعبّر عنها بتقدمات ميدانية بعدما انسحب الوجود الأميركي عن المنطقة وترك التدافع الذاتي والتصادم لكتل المنطقة المؤثرة لملء الفراغات المهولة الناجمة عن أفوله الاضطراري. لعل الانخراط السعودي المباشر في اليمن في حرب دعيت «عاصفة الحزم» لضرب التأثير الإيراني المتمدد يمثل انسياقاً جديداً بنمط مختلف، غير معتاد في اللعبة الإقليمية، حيث اضطرت المصالح الخليجية للتعبير الجاف «الخشن» عن نفسها، وبدأت بتحمل مخاطر هذه اللعبة، والاستعداد لدفع فواتير مكلفة لتلك المخاطرة في التدخل، قامرت السعودية بجرأة بقصد منع حدوث تقسيمات معروفة ومنشورة ومخططة مسبقاً تشمل منطقة الجزيرة العربية، تصبح فيها عدة أقاليم، وخاصة بعدما تعززت مخاوفها أخيراً من جديد بتصريحات أوباما المبررة لأي «تحركات شعبية داخل المملكة والخليج، بأنها تمثل الأخطار الحقيقية التي تواجهها الدول النفطية بسبب النقمة الشعبية على ممارسات الحكومات النفطية لا بسبب إيران والنفوذ الفارسي».
لن تغامر أميركا في دخول

مباشر في حرائق المنطقة

إن الفوضى الخلاقة التي تفترض رسم «حدود الدم والنار» في المنطقة ما زالت - على ما صنعته من تدمير وخراب وتقتيل وتهجير - بحاجة لرسم خطوط «التقاطع والمشاركة» أو «التنافر والتباعد» بين دول المنطقة النافذة المؤثرة، الأمر الذي لم يحدث حتى الآن ولم تتضح معالمه الجديدة وصوره النهائية. إن مساحات التعارك وتقاطع النفوذ بين الدول الإقليمية، وبالأخص تركيا وإيران، بما تتضمنه علاقاتهما من حفلات تكاذب كبرى تتكرر كل فترة، قد تحتاج في المستقبل المنظور لصراحة الحقيقة التي تفرضها الظروف القاهرة في ساحات حروب مباشرة وجهاً لوجه (!) سواءٌ في سوريا أو في العراق أو في أماكن أخرى. ستزداد نسب احتمال حدوث ذلك مع تقلص حاجة إيران لتركيا كنافذة وحيدة لصادراتها بعد رفع العقوبات عنها، وبسبب الاصطدام العاري للمشروعين على الأرض الواحدة مع الغياب الأزلي والغيبوبة الطويلة للمشروع العربي الواعد. الشيء الواضح أن أميركا ستقف متفرجةً على تغيرات المنطقة المتسارعة، تمارس المراقبة والقيادة عن بعد، ولن تغامر في دخول مباشر ذي أهمية في حرائق المنطقة، وستترك تدافع كتل المنطقة الكبرى لتنشئ جدران وحدود النفوذ في ما بينها، طالما قررت أطراف الحروب العبثية الدائرة الابتعاد عن الإضرار المباشر بالكيان الصهيوني، وطالما أراد الجميع الدخول معها (أي أميركا) في تفاهمات - بعضها ظرفية تكتية وبعضها تاريخية إستراتيجية -. هي ستبقى متفرجةً على مشاهد الحروب، وإن كانت أكلافها ملايين الضحايا من العرب والمسلمين، وإن أدى ذلك لتخريب وتدمير غير مسبوقين في المنطقة. إن الانكفاء الإيراني والتواري في الخلف، وتقدم روسيا إلى الواجهة في المشهد السوري ظهر أخيراً. المفاجئ في الأمر التفهم الكبير وقدر العقلانية العالي الذي أبداه كثير من السوريين لهذا التراجع الإيراني بعد ما كان بعضهم سابقاً يطالبون إيران بدفع فواتير الدم مع السوريين في معركة المحاور المتصارعة، وتحديد خطوط النفوذ في العالم الجديد، وبغض النظر عن وجهة نظرنا بالموقف الإيراني المصلحي ودوافعه فإننا هنا نثبت: ــ أن معظم السوريين أدركوا بفطرتهم أن مصلحة سورية تكمن في نزع الفتيل المذهبي والطائفي للصراع المحتدم على أرضها. - أن إيران تثبت من جديد تفوقها في سياسات المنطقة، فتسحب الذريعة الكبرى للحرب على سوريا، وتبدأ بضرب الأساس المذهبي والطائفي للصراعات الدائرة في المنطقة، وتباشر بتفخيخ سيناريو الحرب السنية الشيعية ونسفه، وجعله دون مفاعيل مهمة على أرض الواقع. - أن دولة استطاعت أن تجلس العالم أمامها على طاولة الموافقة على شروطها النووية، لن يكون بمقدور «البعض» إسقاطها في الثقب الطائفي والمذهبي الأسود الذي يعد مقتلها المؤكد، وإن استطاعوا أن يسقطوا فيه كل الحمقى والجهلة والطائفيين في المنطقة، من كل المذاهب والنحل الذين سيكونون حطباً لمحرقة بلا ثمن. يبقى علاج «الداء الإيراني» و«النفوذ الفارسي» المستفحل أبسط كثيراً من عاصفة الحزم في اليمن أو من حرب تدمير سوريا أو حرب تفتيت العراق، ويكمن ببساطة عبر اقتناص وسرقة خطابها المقاوم، وتبنيه والعمل على نزع شعارات تحرير فلسطين والمقاومة ومعاداة الغطرسة الغربية والاستكبار الأميركي في المنطقة منها وتربية الأجيال المقبلة عليه أو التشارك معها في المشروع المقاوم ذاته. إن المدة الزمنية التي يصبح فيها الكومبارس الأميركي باراك أوباما (راجع مقالنا الكومبارس الأميركي والثورة السورية) بطة عرجاء ويبدأ بإحالة ملفات إدارته الشائكة إلى الرئيس/ة المقبل وهي بحدود أكثر من سنة ونصف سنة. هذه الفترة الزمنية المعقولة نسبياً هي «فترة سماح» لممارسة نفوذ روسي أقصى، أدركها الرئيس بوتين ويمكن خلالها بسط سيطرته على كل الأطراف المشتبكة حول سوريا والعراق ومصر واليمن ويصبح فيها الحكم ذا الكلمة المسموعة والفعل المهيب؛ هي فرصة تاريخية لعودة سوفياتية جديدة للمنطقة، فهل بوتين مستعد لأن يدفع في سبيل ذلك ما يلزم من أكلاف وتضحيات؟! وهل يستكمل الوجود الروسي في المنطقة بثقله الوازن الكبير أهدافه في خلق توازن واستقرار في منطقة مركز الزلزال في سوريا؟ وهل سيتبع ذلك استكمال الجزء المتمم للفوضى الخلاقة في أماكن عواقب الزلزال وتشققاته في الدول المجاورة وخاصة في تركيا والسعودية، التي ما زالت تتخذ مواقف معاندة ومغامرة في مواجهة الحضور الروسي الكبير مع علمها المسبق بتجذر الحالة الانقسامية الاجتماعية والعرقية والاثنية في مجتمعاتها، بسبب عزفها الطويل على التناقضات والانقسامات ذاتها في مجتمعات أخرى منذ أكثر من عقد كامل؟ يبدو واضحاً أن تركيا والسعودية تعتمل فيهما كل عوامل التفجير الاجتماعي، وتعدان أكثرَ المناطق المرشحة لمرور خطوط حدود التغيرات الفوضوية القادمة. طبيعي أن حالة الاستغباء وحفلة التكاذب الجماعي للقوى التي تحارب الإرهاب في سوريا لن تدوم في الواقع وعلى الأرض المشتعلة، وسيكون أولَها سقوط وفشل. إستراتيجية بوتين في حشد كل العالم لمكافحة الإرهاب في «تحالف الإعجاز»، وهو ما حدث مع إسقاط الطائرة الروسية أخيراً، علماً أن أغبى الأغبياء صار يعرف أين يقطن الإرهاب وأين الداعمون له؟ ومن هم؟ وأين يصطفون؟ وبما يزودونه؟ فالأرض والوقت كفيلان بإسقاطهم واحداً واحدا. إن تقدم تركيا لقصف الطائرة الروسية يأتي بعد تضررها الشديد من قصف ناقلات النفط وخرق كبريائها في سوريا، بخلاصة مفيدة: إنه حشد الجبهات ووضوحها وصراع المصالح في وليمة سوريا الشهية، ولم يعد هناك مجال للتذرع والحجج أو التذاكي أو التغابي. إذا كان الدور الروسي قد ظهر في بداية موجات اهتزاز الربيع العربي بعد استيعابه السريع لخديعة ثورة الناتو في ليبيا فسرعان ما كرس لنفسه دور حماية الأنظمة الدستورية الشرعية بالدساتير الوطنية والمواثيق الدولية، بينما أدت أميركا لعبة الثورات الملونة وتجييش الشعوب وحشدت مجاميع وطوابير إعلامية لرفع شعارات نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان (كذبة القرن الجديد وشعارات أفّاقيه الجدد). وهو نفسه ما اضطر أنظمة نفطية خليجية قروسطية مهددة بالانقراض والزوال في العالم الجديد للجوء في خطوات فريدة لنسج علاقات مستحدثة مع روسيا بغيةَ ضمان حماية ذات ثقة إذا ما اجتاحتها رياح الثورات وهزت عروشها، فعلت ذلك مضطرة بسبب تناقض الدورين الأميركي والروسي بين حماية الأنظمة وتثوير الشعوب. يبقى أن نطرح أسئلتنا الأخيرة ونترك إجابتها للمستقبل؛ إذا كان الانسحاب الأميركي وأفوله عن المنطقة قد أطلقا مقدمات الفوضى في مركز العالم العربي (سوريا والعراق)، فهل سيؤدي الوجود الروسي في ذات المركز إلى استقراره واستتباع الفوالق وتوابع ومتممات الفوضى الخلاقة في بقية البلدان الأخرى؟! وهل في ما يحدث الآن استدراك العالم متأخراً في هذا القرن، عدم الانخراط العربي والإسلامي السابق في حربيه العالميتين في القرن المنصرم؟ فجاء الوقت المناسب لاستحصال الحساب السابق. مئات ألوف الضحايا من العرب الذين بقوا خلال القرون الأخيرة بعيدين عن الحروب الكبرى، وباتوا بأعدادهم وتطرفهم وأنماط حياتهم الاستهلاكية - وفق النظرة الإستشراقية الكلاسيكية - يمثّلون كمّاً مزعجاً في عالم العولمة الجديد، فأصبح العالم بحاجة لعلاجات استئصالية أكثر جرأة في حروب بينية وأهلية للتخلص من كمِّ مهملٍ كبير؟! * كاتب سوري