كانت «11 ايلول»، برمزيّتها وسياقها، مرآةً لمبدأين أساسيين في السياسة والثقافة. اوّلاً، هناك المعادلة التي تميّز بين أثمان البشر وتسعّر «قيمة حياتهم» حول العالم؛ ففي كوكبٍ تطحن فيه الحروب شعوباً بأكملها، ويأخذ سياسيون في العواصم «الكبرى»، بشكل روتيني، قرارات تدمّر حياة الملايين، على التاريخ أن يتوقّف ويعدّل سيره لأن غربيين بيضاً قد أُصيبوا بأذى. عليك أن تعرف أسماءهم ــــ كأفراد ــــ وتشعر بألَمهم، وأن تشاركهم فجيعتهم.


هذه السردية الاعلامية التي بنيت حول مأساة نيويورك وضحاياها، لا يُمكن أن تُفهم الّا مترافقةً مع خطاب جورج بوش الى الأمّة اثر الهجوم، الذي أعلن فيه الحرب. كان بوش يقول، بوضوح، لشعبه وللعالم: «ايّاكم أن تعتقدوا أننا من الشعوب التي يموت المئات منها في «حادثة مؤسفة» ويمرّ الأمر هكذا. سوف نمطر وبالاً يفوق عنف الهجوم آلاف المرات، ولو على الهدف الخطأ، فهناك ثمنٌ يجب أن يُدفع».
انت، اذاً، ستعرف بضحايا نيويورك وسيحكي الإعلام قصّتهم لأنهم ينتمون الى قلب الرأسمالية العالمية، ونخبها ومصالحها ومستهلكيها، وليس بالإمكان تجاهلهم (فيما من المحتمل أن تختفي قرية من 4 آلاف انسان في ليبيريا بلا أن يشعر العالم بذلك)، وستتكرّس هذه المعادلة ــــ بالمعنى المادي ــــ عبر العنف الفائق الذي يسلّطه جورج بوش، أو «الثمن» الذي يفرضه مقابل دماء الأميركيين (الاسرائيليون فهموا العالم، منذ مرحلة مبكرة، على هذا المنوال ايضاً، وكان الإصرار الدائم من قادة عسكريين كبار أن تكلّف كلّ غارة عربية، أو عملية عسكرية، ثمناً بالدّم يفوق أذاها بأضعاف، كيفما كان ولو من دون عائدٍ عسكري، في ارساء لمعادلة مشابهة).
المبدأ الثاني الذي تبلور على مسرح «11 ايلول» كان امكانية استخراج أي نتيجة سياسية من فعلٍ (الاستهداف المقصود للمدنيين في 11 ايلول) تتمّ أسطرته وتحويله الى «استثناء» ووضعه خارج السياق الطبيعي للتاريخ. في المبدأ، وحتى بالمقاييس الامبريالية، فإنّ أقصى ما كان يحقّ للرئيس الأميركي المكلوم المطالبة به هو الإقتصاص، تحديداً وحصراً، من الأفراد المسؤولين عن هذا الفعل، وخططوا له وأمروا به. ولكنّ جورج بوش استخدم «11 ايلول» لكي يفرض، على العالم أجمع، قوانين جديدة للمرحلة، لم تتوقف عند اعطائه «اذناً» باجتياح دولٍ لا علاقة لها بملف 11 ايلول أو «القاعدة»، بل أشعرت الجميع أنهم في دائرة الانتقام المحتملة («امّا معنا أو ضدّنا»).
مع تزايد الأدلّة والتصريحات التي ترجّح أن سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء لم يكن حادثاً عرضياً، بل عملاً مدبّراً تقف خلفه «داعش»، ستكون المواجهة مع روسيا قد ذهبت الى مجالٍ جديد، وصارت موسكو تحت ضغطٍ ــــ يشابه لحظة 11 ايلول ــــ لإثبات «قيمة» حياة مواطنيها وسلامتهم. منذ البداية، حامت الشكوك حول سقوط الطائرة الروسية، وقد قال بعض الخبراء إن صوراً أولية للحطام أظهرت اثار حرقٍ على الهيكل، وهو ما يحدثه انفجارٌ لا عطل. تراوحت النظريات بين احتمال الصاروخ (وهو ضعيف بالنظر الى ارتفاع الطائرة، الذي يحتاج الى أنظمةٍ معقدة ورادار لتغطيته؛ والصواريخ المحمولة على الكتف لا يمكن أن تطال الطائرات المدنية الا في مراحل اقلاعها أو هبوطها) واحتمال أن يكون قد زُرع على متن الطائرة عبوة أو انتحاري.
هناك صورٌ جديدة للحطام تُظهر خروقاً، تشبه آثار الشظايا، على الهيكل الداخلي للطائرة، ما يعزز نظرية التفجير. وهو ما ترافق مع سيلٍ من التسريبات في وكالات الأنباء والصحف العالمية تقول بأن الطائرة أسقطها عملٌ ارهابي. هذا يعزّز من التّحدّي بالنسبة الى روسيا. فأغلب المصادر التي تزود الصحف العالمية بهذه التسريبات، تقول «نيويورك تايمز»، هي من الاستخبارات الغربية، في ما يشبه التشفّي بالقتلى الروس المدنيين، واشارة الى روسيا بأن خسائرها في سوريا قد ابتدأت (أو، كما نقلت الصحيفة الأميركية، «أهلاً بكم في الشرق الأوسط»). يُفهم ايضاً من هذه «الرسالة» أنّ السكوت على هكذا عمل أو تركه يمرّ بيسر، وهنا بيت القصيد، قد يعني ان يتكرّر في المستقبل.
يبقى موضوع «صمت بوتين»، كأن الرئيس الروسي ينتظر التيقّن من سبب الكارثة قبل اتخاذ موقفٍ رسمي منها. لم تدلِ الحكومة الروسية بتصريحات وافية حول الحادثة، عدا اعلان الحداد؛ واكتفى الرئيس في أوّل ظهورٍ له، بعد أيام من الواقعة، بتصريحٍ مقتضب يعزّي بضحايا الطائرة ويطالب بتكوين «صورة موضوعية» عن ما جرى. هذا ما دعا صحيفة «موسكو تايمز» الى اختيار عنوانٍ يقول «الروس يسألون: اين بوتين؟». وفي تفسير هذا الصمت، يقول أحد الخبراء للصحيفة انّ الرئيس الروسي يفضّل التعامل مع الكوارث الطبيعية والحوادث بشكلٍ هادىء وعدم تحويلها الى قضايا سياسية. ولكنّ اشاعات ــــ من الصعب التأكد من صحّتها ــــ تقول بأن الصمت سيتلوه موقفٌ عاصف، وأن الرئيس الروسي سيلقي قريباً خطاباً حادّاً، يؤكد فيه أن الطائرة كانت ضحية عملٍ ارهابي، ويُعلن عن ردٍّ عنيف واجراءات تتجاوز «داعش» نفسها. فهل تكون طائرة سيناء «11 ايلول» روسيا؟