ينتقد كثير من الكتاب الليبراليين العرب، رفض قوى الثورة السورية والمعارضات المكرسة لمسألة التحالفات، مؤكدين ضرورة تحالف الثورة والمعارضة السورية مع الدول العظمى. ويستندون في ذلك إلى تحالف أوروبا وأميركا والاتحاد السوفياتي ضد الفاشية، رغم الاختلاف الايديولوجي والاقتصادي والسياسي بينها، لكن هؤلاء لا يميّزون بين تحالفات دول متصارعة، وجميعها مشتركة في الحرب كما في الحرب العالمية الثانية، وأنّ الخلاف الأيديولوجي بينها لا قيمة له (إذ كان ستالين ممثل دولة أولاً وأخيراً) وبين ثورة شعبية، تواجه نظاماً ديكتاتورياً وحدها، ولم تنطلق في صراعها من تحالفات سياسية مع أيّة دول عظمى أو إقليمية.


وتستند للأخيرة فقط معارضة هزيلة تستجديها بشكل أو بآخر، وترفض الدول العظمى تلك الفكرة من أصلها بحجج قميئة! وبالتالي منطق الليبراليين في ضرورة عقد التحالفات يشوبه الكثير من الانفعال على التعقل، بمعنى هناك منطق الرغبات في تحقق ذلك على الممكنات الواقعية التي تسمح به؛ مع ضرروة الإشارة إلى أنّ هناك كثيراً من البراغماتية لدى قوى الثورة في سوريا، وذلك بتلقي أشكال من المساعدات الخارجية، لكنّها بالمعنى العميق، ليست سوى مساعدات بائسة لا تحتمل فكرة تحالفات حقيقية من أصلها.
ويستند هؤلاء في دعوتهم إلى التحالفات كذلك، إلى تحالفات عقدتها الثورة الفلسطينية وقواها، ويزعمون فائدتها لتلك الثورة! لو تأملنا أين أصبحت الثورة والقضية الفلسطينية، فإننا نقول لهؤلاء: إنّ الأمور بخواتيمها، وخواتيم ما حصل للثورة تلك، دمار كامل لإمكان إيجاد دويلة فلسطينية على حدود الـ67، وليس حل الكيان الصهيوني وإنشاء دولة واحدة تضم العرب واليهود من غير الصهاينة، أو اليهود من أصحاب التوجه الصهيوني. بمعنى أنّ تلك التحالفات والأموال التي أتت عن طريقها، كان لها دور تدميري لا دور تفعيلي وثوري على الثورة الفلسطينية.
الثورة السورية، أبدعت في البراغماتية، وانفتحت على كلّ دول العالم، بل وأعلنت بوضوح وبجرأة عالية ومدهشة، حاجتها إلى الدعم الدولي والعربي، وهو ما رُصد من خلال أسماء الجمع، ومن خلال مكوكية رحلات المجلس الوطني، وهيئة التنسيق وغيرهما... بل وتندر الحركات السياسية التي رفضت بوضوح شديد التدخل الدولي على اختلاف أشكاله، ربما باستثناء حركات سياسية يسارية وليدة في خضم الثورة. وكان الرفض محدداً لمسألة التدخل العسكري إن حصل، ولم يكن لأشكال التدخلات الأخرى، وليس بالتأكيد لأشكال الدعم الإغاثي، بعد محاربة السلطة لهذا الشكل من الدعم عبر التضييق والاعتقال وأحياناً القتل للناشطين فيه، وتنصلها هي من واجباتها تجاه المواطنين؛ مواطني الدولة السورية! إذن ذلك الدعم لم يأت على نحو حقيقي! وتلك التحالفات لم توجد ولم تثمر! نعم.. لم تثمر، ولن تثمر!
من عادة الليبراليين العرب واللبنانيين منهم خاصة، ألا يسمعوا لاءات الناتو عن عدم التدخل العسكري في سوريا، فلا حماية ولا حظر دولياً ولا عمل عسكرياً، وهذه سياسات لديه ولا علاقة لها بالكلام الممجوج عن وحدة المعارضة السورية أو انقساماتها كسبب لعدم حدوث ذلك التدخل! وهم ــ أي الليبراليون ــ يكررون ضرورة ذلك أكثر من مرة للخلاص من نظام دموي عبره، وإذ كان صحيحاً توصيفهم ذاك، أنّ النظام استبدادي، وقد وصفناه بذلك من قبل، فإنّ المشكلة ليست في الثورة، بل في الدول الإقليمية والعظمى، فهي ليست جمعيات خيرية ولا باحثة عن السلام في العالم، ولا يعنيها بالأصل موت السوريين. هي دول ساعية إلى تحقيق مصالحها أولاً وأخيراً، ومن مصالحها العظمى، ولا سيما بعد أكثر من عام ونصف عام من الثورة، تدمير إمكانيات سوريا، وهي المهمة التاريخية التي يقوم بها النظام على أكمل وجه! لا تدمير النظام. هذا استنتاج لا يجوز الامتناع عن رؤيته بعد كل هذه الأشهر. الصراع الإقليمي والدولي على سوريا، إذا كان يمثل مانعاً للتدخل، فإنّ من غير المبرر عدم اتخاذ موقف سياسي بشأن النظام، علماً أنّ قراءتنا تقول: إنّ عدم التدخل في سوريا، مرتبط بالصراع الدولي والاقليمي عليها، إضافةً إلى الدور الروسي النافذ فيها، وعدم وجود أطماع حقيقية للدول الإمبريالية فيها، والأزمة الاقتصادية الكبيرة في أميركا وأوروبا، عدا الاستفادة المطلقة من تدميرها وتراجع دورها الإقليمي، كما يجري.
النقد الجاد في رأيي، يجب أن يتركز على ضعف المعارضة في التصدي لقضايا الثورة، وبالتأكيد ليس عبر التحالفات الخارجية التي انحصرت في التنسيق والتشبيك البسيطين؛ إنّ ضعف المعارضة الفكري وسياساتها الرديئة هما مشكلة الثورة. هذه الثورة يتيمة بالفعل، وليس فقط من الدعم الإقليمي والدولي، بل وأيضاً تغيب عنها معارضة ثورية، إذ إنّ أكثر ما لدينا معارضة انتهازية تريد الوصول إلى السلطة بطرق لا يمكن أن توصف سوى بالانتهازية السياسية، المستندة إلى إخصاء تاريخي لديها عن الثقة بالشعب وقدرته على الانتصار، وغياب أي برنامج راهن للثورة، وقد أجرت «صلات دولية وإقليمية» في غاية الدونية، وهي تفتعل خلافات «مبدأية» تمنع تشكّل وحدة سياسية لتلك المعارضة؛ وذلك الافتعال يتبدى في دعم هامشي روسي وصيني لبعضها، ودعم فرنسي وأوروبي وتركي وأميركي لبعضها الآخر...
وكي لا يظهر أنّنا نتحدث دون تحديد عن السياسات الضرورية لها، نقول؛ تفتقر المعارضة، إلى تحديد دقيق لطبيعة النظام، فتميّع ذلك بين نظام استبدادي ــ تسلطي ــ دكتاتوري، وتلحق به صفة الطائفية، وإذا كان الاستبداد صفته المجمع عليها، فالطائفية صفة أيديولوجية تلحق به، وهي من أكثر القضايا إشكالية في فهم طبيعة النظام وطبيعة الثورة، وكلّ الكلام عن حمايته للأقليات وثورية الطائفة السنية، يتأتى من هذا الموضوع، وهو موضوع جدل سياسي قديم وجديد، لكنّه في الصراع الحالي كارثي بكل المقاييس. المعارضة لم تقدم شيئاً بهذا الخصوص، مع أنّها كانت معنية بالرد ــ والإعلام أعطاها وقتاً كافياً لذلك، والشعب السوري استمع إليها جيداً ولا يزال ــ على خطاب السلطة القائل بأن الثورة عصابات وإمارات سلفية، يعني أنّها ثورة طائفية ضد تلك الأقليات. سذاجة المعارضة ومحدودية تفكيرها وانغلاقها على فهم متقادم وتحالفاتها مع الإخوان المسلمين الطائفيين ــ الذين هم جزء من المعارضة السياسية التاريخية ــ وصلات عربية ودولية أخرى، دفعها نحو فهم للسياسة أقل ما يقال عنه إنّه فهم قاصر؛ فلا استطاعت تقديم رؤية عن الثورة ولا عن النظام، ولا فككت خطاب السلطة، وبالتالي تكرس خطاب السلطة بوعي الموالين وقسم كبير من الأقليات، ومعكوسه عند الأكثرية. ولهذا نرى أنّ المعارضة مارست إعاقة في تطور الثورة، ولم تكن عامل تفعيل لها وتطوير لأدواتها؛ وبالنتيجة كان يجب القول إنّ سوريا ستحكم بنظام سياسي ديموقراطي، ولمصلحة كافة السوريين، ولن يكون هناك أية أشكال من الاحتكارية الجديدة والأسلمة للنظام القادم، وستحترم الخصوصيات الدينية للمواطنين، وسيكون الدستور والقوانين قائمَين على مبدأ المواطنة. لو جرى هذا الأمر ونوقشت المسائل الطائفية والدينية من هذه الزاوية لنسفت كل أيديولوجية النظام عن الثورة والتشكيك فيها، ولاستفادت الثورة ذاتها وميّزت نفسها شعبياً ووطنياً، ولتمددت على نحو كبير إلى كافة مناطق سوريا.
المعارضة، ولا سيما المجلس الوطني، سخرت طويلاً من موضوع الجولان والمقاومة، وبدلاً من اتخاذ موقف وطني واضح، يرد على أيديولوجيا النظام التي في أجزاء كثيرة منها تقوم على ذلك، استمر الوضع على حاله، حتى اللحظة الراهنة، رغم أنّ قوى الثورة الميدانية طرحت الموضوع بطرق بسيطة عن أنّ مكان الجيش على الحدود، وعن ضرورة استرجاع الجولان، وحتى موضوع فلسطين كقضية قومية طُرح مراراً عبر شعاراتها، وكرد فعل على ممارسات السلطة. المعارضة لم تفعل شيئاً يذكر، وكلامنا يشمل كافة أشكال المعارضة، وربما باستثناء قوى يسارية محدودة التأثير، وبالتالي زرع النظام فكرة أنّ الثورة ضد المقاومة وليس لديها قضية وطنية، وهي عميلة، أما هو، فوطني ومقاوم وممانع وقومي و و... هذه قضايا، كان يمكن الجزم بها، مرة واحدة وإلى الأبد، كان يمكن طرحها دون أية ركاكة، فالصلات المعقودة على نحو ركيك، هي أحد أسباب عدم الوضوح في هذه القضية، وقد كلفت الثورة كثيراً، فحصائل تلك الصلات هامشية، وقد خسرتِ المعارضة سمعتها في ما يخص القضية الوطنية. هذا الكلام لا يخص موقف النظام من المعارضة، بل هناك خسارة كبيرة على المستوى الشعبي المحلي والعربي والدولي. وهنا نسأل ماذا فعلت المعارضة على الصعيد الدولي الشعبي مثلاً!؟
الأمر نفسه يشوب موضوع شكل الاقتصاد المستقبلي وعلاقة القطاع العام بالخاص، وواقع العاملين في الدولة، وكيف سيجري التعامل معهم، وبدلاً من ذلك، ساد تعميم فاسد، عن أنّ أغلبية الموظفين من الطائفة العلوية وغير ذلك. هذا تفكير في غاية السطحية، كان يجب التقدم برؤية واضحة لوضع العاملين في مؤسسات الدولة كافة وعن وضعها، ولو تم ذلك لكان هناك تعميق كبير للثورة ولخلق الموضوع تفاعلاً كبيراً وواسعاً معها.
هناك قضايا كثيرة لا نريد تثقيل المقال بها، وكلها تشير إلى انتهازية دور المعارضة، وتثبت أنّ المشكلة ليست في التحالفات بقدر ما هي في الابتعاد عن مشكلات الثورة، وآراء الليبراليين العرب في الثورة السورية تأتي في هذا الإطار، رغم أنّ نصوصهم تظهر اهتماماً كبيراً بها، وتحاول جاهدة التصدي لمعالجة المشكلات المعيقة لتقدمها.
نقد مشكلات الثورة ضروري على نحو حاسم، لكن هناك ضرورة للثقة بقدرتها على الانتصار، ولا سيما بعد كل هذا التوسع، وبعد تعدد مكوناتها؛ الثورة تتطلب نقداً وبرنامجاً وسياسات ثورية، ولا تتطلب بحثاً عن تحالفات ليس من إمكان لوجودها سوى صلات تمنعها من رؤية المشكلات! وليس من مؤشرات على أيّ دور فعلي لها بعد مرور سنة وستة أشهر على انطلاقة الثورة.
* كاتب سوري