بعد طول جهد وعناء، تفتّقت قريحة ميشال سليمان عن «استراتيجيا دفاعيّة» للبنان. ويستحق رئيس جمهوريّة ما تبقّى من لبنان الثناء لأنه أخذ من وقته المُكرّس لجولات عالميّة يقوم فيها بلم شمل الـ500 مليون لبناني في المهاجر. كان يمكن أن نتوقّع مضامين ورقة سليمان عندما أشار حضرته قبل أشهر إلى أن خطتة ستعتمد على حادثة العديسة _ أي على إطلاق نار ضد العدوّ الإسرائيلي. وميشال سليمان تبوّأ أعلى منصب في الجيش اللبناني، كما وصل غسّان الجدّ (العميل الإسرائيلي المطلوب) إلى ثالث أعلى منصب في الجيش اللبناني. والورقة يُفترض أن تكون ذات مستوى عسكري رفيع تبعاً للمرتبة العسكريّة التي احتلّها ميشال سليمان في وظيفته السابقة.

وتبدأ الورقة _ وهي ورقة لأنّ إطلاق كلمة خطة عليها يهين الخطط العسكريّة في المطلق، حتى لا نتحدّث عن استراتيجيّات بحالها _ بتمييع الخطر الإسرائيلي ضد لبنان بالقول إنّ الخطر الإسرائيلي هو أبرز خطر من جملة تهدّد لبنان. ما أراد سليمان قوله إنّ خطر التصحّر وخطر التدخين وخطر الإفراط في تناول حلاوة الجبن هي من جملة الأخطار التي تهدّد لبنان، بما فيها خطر العدوّ الإسرائيلي. ويعلم سليمان، الذي يتناغم مع فيلتمان كثيراً هذه الأيّام، والذي تقرّب من فيلتمان بعدما _ لا قبلما _ نَبَذه الأخير في زيارته إلى أميركا انّ الخطة الدفاعيّة يجب أن تعتمد على جملة من المقوّمات بما فيها «قرارات الشرعيّة الدوليّة». لا نعي ما تعنيه هذه العبارة التي استند إليها سليمان. نحن نعلم انه يعلم أننا نعلم ان الشرعيّة الدوليّة اصطلاح غير مبهم للتستّر على الخطط الدوليّة لأميركا وإسرائيل. بعد كل ما فعلته أميركا في لبنان (وبالنيابة عن إسرائيل) باسم الشرعيّة الدوليّة، هل سليمان جادّ في كلامه عن تصالح بين خطة الدفاع عن لبنان وشرعيّة دوليّة ثارت ثائرتها لأن ضابطاً لبنانياً أمر بإطلاق رصاص على قوّة إسرائيليّة عدوّة؟ وقرارات الشرعيّة الدوليّة تشتمل في ما تشتمل مثلاً على القرار 1559، الذي _ بناءً على طلب العدوّ الإسرائيلي _ طالب بنزع سلاح المقاومة من لبنان، وأبدى تدخّلاً غير مسبوق في شؤون بلد امتهن ساسته الارتباط الذيلي بخطط خارجيّة تكون غالباً إسرائيليّة المنشأ (كان ينقصنا ان نقرأ في كتاب آلان مينارغ الجديد أن أرييل شارون روى كيف أن وليد جنبلاط استجدى لقاءً معه وكيف رفض طلبه بعد اجتياح 1982). كيف يُحكّم ميشال سليمان القرارات الدوليّة وهي لا تصدر إلا بأمر العدوّ الإسرائيلي ومشيئته؟ جيفري فيلتمان _ حارس الهيكل الصهيوني _ بات لصيقاً بالأمين العام للأمم المتحدة، لكن ميشال سليمان يريده مرجعاً في مقاومة العدوان. ولو أراد لبنان ان تعتمد خطط مقاومته لإسرائيل على الشرعيّة الدوليّة، فهذا لا يعني إلا وأد خطط مقاومة العدوان الإسرائيلي في المهد: هذا يعني أن سليمان غير جادّ في خطته هذه. هي دليل ليس فقط على عدم جديّة سليمان في طرح خطته، بل تنمّ أيضاً عن عقليّة تسترشد برضى الحكم السعودي والإدارة الأميركيّة. اما ما يتحدّث به اللبنانيّون هذه الأيّام عن مظاهر نعمة بارزة ومُفاجئة في عائلة ميشال سليمان، فهذا يدخل في باب الصدف البريئة، ثم إن أوراق اليانصيب ترفع في حالات من المرتبة الاجتماعيّة للفرد والعائلات.
ويضيف سليمان بنداً عن أخطار العدوّ الإسرائيلي، ويذكر عَرَضاً تكرار الاعتداءات الإسرائيليّة على السيادة اللبنانيّة، لكن كيف يمكن قائداً سابقاً للجيش وقائداً حالياً أعلى للقوّات المسلّحة اللبنانيّة _ وبسلاحها الجوّي الذي أثراه إلياس المرّ بصفقة طائرات روسيّة خياليّة _ ان يتحدّث هكذا وببساطة عن تكرار الاعتداءات؟ ألا يشعر بأن الاعتراف بتكرار الاعتداءات يضعه موضع المسؤوليّة، لا بل المحاسبة؟ كيف يمكن رئيس الجمهوريّة ان يذكر عرضاً تكرار الاعتداءات على السيادة من دون إعلان موقف قوي، ومن دون إصدار بيانات احتجاجيّة وتصريحات، على طريقة التصريحات الذي أطلقها أخيراً بناءً على أوامر سعوديّة _ أميركيّة؟ ألا يعلم سليمان أن تكرار الاعتداءات يدينه هو ويضعه في موضع المسؤوليّة التاريخيّة عن تقصير فاضح على أقلّ تقدير؟ كيف يفسّر للشعب اللبناني تكرار الاعتداءات؟ ألا يشير هذا إلى فشله هو؟
وبعد أن يعبّر ميشال سليمان عن قلقه على أثر تهديدات العدوّ للاقتصاد والأمن القومي _ الذي يبقى دون تعريف _ ينتقل إلى بند مُستقلّ عن الإرهاب. وكعادته، يعتنق التعريف الأميركي _ الإسرائيلي لمفهوم الإرهاب (وكان هذا جليّاً في أحاديث سليمان في وثائق «ويكيليكس»). وسليمان كان دوماً يتحدّث عن خطر إسرائيلي وعن خطر الإرهاب _ كخطريْن مختلفيْن، مُزيلاً بذلك صفة الإرهاب عن العدوّ الإسرائيلي وعن جرائمه، ومُلصقاً الصفة حصراً بالشعب الفلسطيني في المخيّمات. لا يجرؤ سليمان على إطلاق صفة الإرهاب على إسرائيل، وفي هذا مؤشّر واضح إلى مراميه في السياسة الخارجيّة، وفي تملّق الحكومة الأميركيّة. وعندما نتذكّر ان سليمان كان جزءاً من فريق ثنائي ضمّه مع إلياس المرّ _ الذي ظهر من وثائق «ويكيليكس» كأقبح سياسي لبناني معاصر، وكأكبر عون للعدوّ الإسرائيلي، وكأصرح كاره طائفي بغيض في السياسة اللبنانيّة _ يزداد قلقنا من مفاعيل خطط سليمان، ومن حقيقة دوره في التصدّي لوجود المقاومة، فيما يطلق العدوّ الإسرائيلي تهديدات يوميّة ضد لبنان _ وهذه التهديدات لا تلقى ردّاً أبداً من قيادة الجيش اللبناني، ولا من رئيس الجمهوريّة، الذي يبحث عن آثار لعناصر من الحرس الثوري الإيراني في لبنان.
كما أنّ بند الأخطار الإسرائيلية يخلو من أي إشارة إلى شبكات التجسّس الإسرائيليّة في مختلف قطاعات الدولة والمجتمع في لبنان. لم يرد ميشال سليمان ان يذكر هذا الأمر، هل لخوفه من غضب أميركي _ سعودي؟ أم لأن في الأمر غسان الجدّ _ العميل الإسرائيلي الهارب _ الذي خدم تحت قيادته هو، ولم تحظ القضيّة ولو بتحقيق شكلي لرفع العتب؟
وينتقل الجنرال سليمان الذي كان صدره يزخر بالنياشين والميداليّات المجهولة السبب إلى موضوع السلاح في أيدي اللبنانيّين. ويقول حضرته إن انتشار السلاح يصرف قوى الجيش عن «واجبها الوطني في الدفاع عن الأرض ومحاربة الإرهاب». لكن متى قام هذا الجيش منذ إنشاء الجمهوريّة غير الممتازة بأقل من الواجب في الدفاع عن الوطن؟ ثم لماذا بدأ سليمان يرى في مهمّة الجيش محاربة الإرهاب بالتعريف الإسرائيلي؟ هل يرى سليمان في قوى الجيش نموذجاً جديداً عن ميليشيا لحد، التي ارتكبت أفظع الجرائم تحت عنوان محاربة الإرهاب، كما قام الجيش اللبناني بارتكاب مجزرة نهر البارد تحت عنوان محاربة الإرهاب؟
لكن سليمان يلجأ إلى أسلوب الخداع والرياء في حديثه عن تعزيز الطاقات العسكريّة من أجل مقاومة أي اعتداء على الوطن (مُستشهداً هنا بالمادة الأولى من قانون الدفاع الوطني). يعلم سليمان قبل غيره ان عدم تعزيز القدرات العكسريّة للجيش اللبناني لا يعود لأسباب تقنيّة أو حتى لشحّ الموارد _ على شحّها _ بل يعود لقرار أميركي _ إسرائيلي بعدم تحويل الجيش اللبناني إلى جيش يحمي الحدود، وتحويل مهمته إلى قوى حفظ الأمن التي تتخصّص في قمع المخيّمات والمحتجّين على الظلم في لبنان. لماذا لم يقل سليمان الحقيقة: أن أميركا تمنع وستمنع لبنان من تقوية جيشه، لأن ذلك يزعج إسرائيل؟ ولا ننسى أن قيادة الجيش والدولة اللبنانيّة برمّتها أرسلت وفود اعتذار إلى واشنطن من أجل نسيان حادثة إطلاق النار في العديسة و«مسحها في دقنهم». يهم قيادة الجيش أن يستمرّ العون الأميركي للجيش، الذي يأتي ليس من أجل مدّ الجيش بما يحتاج إليه لصدّ عدوان إسرائيل، بل لضمان عدم صدّ الجيش لأي عدوان إسرائيلي. يعلم ميشال سليمان أن الشعب في لبنان يعلم أن المساعدات الأميركيّة للجيش تهدف إلى إبطال مهمته الأساسيّة في الدفاع عن الوطن ضد أي اعتداء إسرائيلي.
لكن سليمان يريد أن يضفي جديّة وأهميّة على ورقته هذه، فيجد ضرورة للحديث عن «المرتكزات الاستراتيجية». والبند الأوّل من مرتكزات هذا الرئيس (الذي يذكّر بتجربة إلياس سركيس، الذي كان يبدو في الظاهر مسالماً، فيما كان في السرّ طائفيّاً يعمل مع أميركا لتدبير تنصيب بشير الجميّل رئيساً للمصلحة الإسرائيليّة في لبنان) يكمن في «التمسّك» باتفاق الهدنة مع العدوّ. ماذا دهاك يا ميشال سليمان؟ تبدأ الورقة الهزيلة بالحديث عن تكرار التهديدات الإسرائيليّة وعن خروقها لسيادة لبنان، ثم تُختم بالتمسّك باتفاق الهدنة؟ ألا تجد أنك بهذا تدعو العدوّ إلى مزيد من الخروق لسيادة لبنان؟ سليمان يعترف بالخروق الإسرائيليّة للهدنة، لكنه يعود بذلّ مشين ليتمسّك باتفاق الهدنة. لم يلتزم العدوّ بالهدنة (التي يجب أن نطالب بخرقها من جانبنا نحو إلغائها كليّاً والاستعاضة عنها بإعلان عداء شامل للعدو، والتملّص من مبادرة آل سعود للسلام مع إسرائيل) منذ وقّعها، وحتى عندما بنى العدو جداراً على الحدود مع لبنان قبل أشهر في خرق للاتفاق وقف الجيش اللبناني مُتفرّجاً يحمي العدوّ من أي إزعاج لبناني)، لكن لبنان مصرّ على التمسّك به. هذه ليست استراتيجيا دفاع، يا ميشال سليمان. هذه أقرب إلى ورقة تقرّب من العدوّ الإسرائيلي بعناوين مخادعة.
وينتقل سليمان إلى القرار 1701، فيطلع بنظريّة مبتكرة خلاصتها ان القرار جسّد وثيقة الوفاق اللبناني. ينسى سليمان ان هناك من يستطيع ان يقرأ في لبنان، وأن يلاحظ ان وثيقة الوفاق الوطني تعطي اللبناني حق المقاومة ضد إسرائيل، فيما يجرّمها القرار الذي صدر عن إرادة ليكوديّة وعن إدارة بوشيّة. لا، يا ميشال سليمان. إن القرار 1701 هو نتاج إصرار العدوّ على حماية حدوده واحتلاله وعدوانه، بمشاركة قوات دوليّة يعاونها في عملها الشائن الجيش اللبناني، لكن سليمان يتجاوز وقاحة القرار 1701 ليضيف من عنده رغبة في نقل مهمات اليونيفيل إلى الجيش اللبناني. هنا يستقي سليمان أفكاره من بنود اتفاق آخر، أعني اتفاق 17 أيّار، الذي قبّح التاريخ اللبناني. يريد سليمان ان يتحوّل الجيش اللبناني في الجنوب اللبناني لا إلى قوّة مقاومة بديلة _ على افتراض أن المقاومة ستنتقل إلى عهدة أكلة الأفاعي _ بل إلى قوّة لحماية إسرائيل من أي عمل مقاوم. وهذا البند خطير، وقد يؤشّر إلى خطة أميركيّة خبيثة يحاول سليمان أن يسرّبها إلى الحوار اللبناني السياسي.
ويحاول سليمان التعمية على خبث البند المذكور، عبر إضافة شكليّة عن «تزويد الجيش اللبناني بمعدّات وأسلحة حديثة». نسي أن يشرح قائد الجيش السابق مقاصده: من أين ستأتي بالأسلحة الحديثة؟ من أميركا؟ أم من روسيا، التي زوّدت شريكك السابق، إلياس المرّ، بطائرات خياليّة؟ (عتب سليمان على إلياس المرّ لإهانته إيّاه في أحاديث «ويكيليكس»، لكنه لم يعتب عليه لكلامه الطائفي، ولتقديمه العون والمشورة إلى إسرائيل في عدوان تمّوز). وما هي الأسلحة الحديثة التي تنوي تزويد الجيش بها، ولماذا لم تزوده إلى الآن أثناء سنوات حكمك الحافلة بـ... الرحلات الرئاسيّة السياحيّة، رغم حملك القضيّة اللبنانيّة إلى البرازيل ورومانيا.
ويريد ميشال سليمان أن ينشئ مركز تدريب «لرفع جاهزيّة الجيش». هل المشكلة نقص في التدريب؟ لا تتحرّر الأوطان بالتدريب يا رئيس جمهوريّة لبنان. ويريد سليمان أيضاً ان «يفعّل» الحضور الديبلوماسي اللبناني حول العالم. وهذا البند هو خلاصة ورقة سليمان. إن قوة لبنان ومقاومته تكمن في ضعفه. ليست خطة سليمان إلّا عودة إلى الستينيات، وإلى عقيدة فؤاد شهاب المتخاذلة في عهد شارل حلو.
لكن سليمان يلحظ وجود المقاومة، فيقول إنه يريد التوصّل إلى توافق على أطر وآليّات «مُناسبة» لاستعمال سلاح المقاومة ولتحديد إمرته، وكأن المقاومة تُختزل بسلاحها. لا يعلم سليمان ان قوى وتنظيمات لبنانيّة وفلسطينيّة تملّكت اسلحة متنوّعة ومتعدّدة عبر السنوات، ولم تكن فعّالة في مقاومة العدوّ، كما حدث في حرب تمّوز، لكن سليمان يضيف جملة اعتراضيّة يقول فيها «إن عمل المقاومة لا يبدأ إلا بعد الاحتلال». تكاد تقفز من المقعد عندما تقرأ الجملة الاعتراضيّة. بكلام آخر يقول: إن العدوّ يستطيع أن يقصف وأن يدمّر وأن يعتدي وأن يغير على لبنان دون أن تقوم المقاومة بأي عمل مقاوم قبل حصول الاحتلال لأرضه. هذه المعادلة الغريبة ما كان يمكن ان تصدر إلا عن إرادة مناقضة للرغبة في الدفاع عن الوطن. ثم، ألم يلاحظ سليمان ان لبنان واقع تحت الاحتلال؟
ليست الأوراق المقدّمة إلى لجان الحوار السقيم إلا محاولات لتضييع الوقت، ولتكبيل المقاومة والمشاركة في خلق ثقافة مهادنة للاحتلال الإسرائيلي. يمكن وضع استراتيجيا ميشال سليمان في ملف واحد من خطة مهملة كان قد وضعها قائد لواء تنّورين، الذي تعرّض لمؤامرة في مصعد لم يكن فيه.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)