كم كان المفكر والمؤرخ جلال كشك مصيباً حين قال عن سياسة السعودية إنها «ديبلوماسية دفتر الشيكات»، وهو تعبير يتفق تماماً مع ما نقله ويليام سيمبسون في كتابه «الأمير: القصة السرية للأمير الأكثر إثارة للاهتمام في العالم الأمير بندر بن سلطان» عن الأخير. من المعلوم أن السعودية، ومنذ عقود، اعتمدت في ترسيخ نفوذها السياسي والديبلوماسي عربياً وعالمياً في الأساس على مداخيل النفط.


هذا النهج التبادلي بين السياسة والاقتصاد الذي واظبت عليه السعودية لم يكن غائباً عن أجواء زيارة رئيس الحكومة الفرنسية، مانويل فالس قبل أيام إلى الرياض، وعن صفقة مع واشنطن لشراء 4 سفن بحرية حربية منتجة حديثاً تتجاوز قيمتها 11 مليار دولار.
ولعل هذا النهج كان السبب في اتهام باريس بتغييب قضايا حقوق الإنسان في سياستها وتحالفاتها الخارجية لحساب الجري وراء الصفقات، وفي نعت الصحافة الغربية للرئيس باراك أوباما بأنه «سمسار أسلحة».
اليوم، كثيرة هي الملفات التي تؤرق السعودية، من اليمن إلى إيران فلبنان وسوريا، فيما رهانات الرياض أكثر، بالاستناد دوماً إلى ما بات يعرف بـ«ديبلوماسية الشنطة». في أغلب الملفات أعلاه، مثّلت فرنسا «سند الظهر» للسعوديين على الصعيد الديبلوماسي مقابل «مكافآت» تذكّر روائحها غير الزكية بروائح صفقات مشبوهة سبق أن عقدتها الرياض مع غير حكومة غربية. بعض الدوائر المقربة من الرياض تتحدث عن ضرورة مكافأة فرنسا على مواقفها المساندة للسعودية في ملفات لبنان وسوريا والقضية الفلسطينية، وكذلك في اليمن حيث أسهمت الأيدي الفرنسية «البيضاء» (في المنظور السعودي) في تقديم الدعم الاستخباري، وفي قرار السنغال المثير للغرابة بالمشاركة في «عاصفة الحزم» إلى جانب ائتلاف ـ يتخطى ما يسميه البعض «مظلة الأمن الأميركي» ـ يريد السعوديون من خلاله إعادة التوازن إلى الشرق الأوسط، وهو ائتلاف عماده مصر ودول الخليج.
ليس خافياً أن الانفتاح السعودي على باريس يراد له أن يقرأ في الولايات المتحدة. فرنسا ترغب في وراثة جزء كبير من حصة واشنطن في سوق السلاح السعودي، دون أن تكون قادرة أو راغبة، بالقدر نفسه، على ملء الفراغ الاستراتيجي الذي خلفته واشنطن على أكثر من صعيد في سياسات المنطقة، وتبحث دول الخليج عمن يملأه.
الأكيد أن فرنسا لا تبدو بعيدة عن تطلعات الرياض في الاستحقاق الرئاسي اللبناني، وخصوصاً أن السعوديين قد أسندوا للفرنسيين في الآونة الأخيرة دور «الوكيل الحصري» لرفد «الدول الصديقة» لهم بالأسلحة كلبنان ومصر، حيث تكفلت السعودية للأول بدفع مستحقات صفقة أسلحة فرنسية بقيمة ثلاثة مليارات دولار، وكذلك فعلت مع مصر، التي كانت حاملتا طائرات فرنسيتان من طراز «ميسترال» آخر ما وصلها من «مكرمات الأشقاء». مع الإشارة إلى أن تلك الصفقات مثّلت أحد أوجه البحث عن «أفكار خلاقة» من جانب الرياض، لإبطال مفاعيل الرغبة الإيرانية في الدخول على خط تسليح الجيش اللبناني، بما يعنيه ذلك من مؤشرات قد لا تسرّ الرياض، التي لجأت إلى الأسلوب عينه من خلال ضخ السلاح الفرنسي في عروق الجيش المصري حين استشعرت حاجة لدور مصري ما أكبر مما تبديه القاهرة من استعدادات للانخراط في عملية «عاصفة الحزم» ضد اليمن، وخطراً من دور مصري مرتقب في الأزمة السورية قد «يأكل» على الأغلب من حصتها على «خارطة النفوذ المفترضة» هناك.


عين الرياض على
أماكن كثيرة ولكن قلبها
ما زال في واشنطن



وفي هذا السياق، ليس خفياً في أن السر الكامن وراء سخاء المملكة على الفرنسيين يرتبط بضبط إيقاع «استدارة باريس» في موقفها من دور الرئيس السوري بشار الأسد في «المرحلة الانتقالية» المقترحة على سكة الحل السياسي للأزمة السورية، ولا سيما حين استشعرت وعايشت عن قرب مدى تردد سياسات الإدارة الأميركية في عهد الرئيس باراك أوباما المتجه إلى انفتاح سياسي واقتصادي مع إيران، الخصم الإقليمي للسعودية.
الموقف الحاسم في أخذ جانب الرياض، سجلته الديبلوماسية الفرنسية في الملف النووي الإيراني. فقد كانت باريس «صقر المواقف» و«الرأس الحامي» على طاولة مفاوضات طهران مع «السداسية الدولية» لأسباب اقتصادية مغلفة بـ«أناقة سياسية» ليس أقلها الحضور الوازن لصناعة السلاح الفرنسية في السوق السعودية التي احتكرتها بريطانيا إلى حد كبير، إلى جانب الولايات المتحدة لعقود. فعدد العاطلين من العمل في فرنسا وصل إلى أكثر من ثلاثة ملايين شخص، كما تواجه فرنسا صعوبات في تسريع وتيرة خفض العجز في موازنتها حيث تعتبر فرنسا ملزمة بخفض العجز إلى الحد الذي وضعه الاتحاد الأوروبي والبالغ 3 في المئة من الناتج الوطني العام الحالي، وهو هدف يعتبره الخبراء بعيد المنال، ولا سيما أنه بلغ عام 2013 4،3 في المئة مقارنة بالهدف الذي كان يبلغ 4،1 في المئة، وفق تقارير اقتصادية. تتباين باريس وواشنطن حيال الكثر من القضايا، غير أنه من الواضح أنهما تتشابهان في الحاجة إلى تعزيز البنية الاقتصادية المتخلخلة داخلهما، وفي الطريق نحو سد تلك الحاجة، وهو صفقات الأسلحة مع «الحلفاء»، ولا سيما الأثرياء منهم كالسعودية.
قاربت قيمة الصفقات الموقعة إبان زيارة فالس للمملكة العشرة مليارات يورو، ومع ذلك لم تنج الحكومة الفرنسية من الانتقادات. فقد اعتبرت منظمة العفو الدولية أن باريس تستحضر حقوق الإنسان في دول وتتناساها في دول مثل السعودية. وبحسب وسائل الإعلام الفرنسية، فإن الرياض عبّرت في شهر أيار الماضي عن استعدادها للالتزام بتوقيع ما يعادل 50 مليار يورو من العقود والاتفاقيات مع فرنسا خلال السنوات المقبلة، مع العلم أن صفقات بقيمة 10،8 مليارات يورو جرى الإعلان عنها خلال حزيران الماضي، في أعقاب زيارة وزير الدفاع السعودي، محمد بن سلمان لباريس.
اللافت في زيارة ولي ولي العهد السعودي أنها تستبق زيارة مرتقبة للرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني إلى باريس في الشهر الجاري. أما عن صفقة السفن الأميركية، فهي تأتي لأسباب اقتصادية طاغية، بالنسبة للأميركيين، ولـ«أوهام» سياسية وعسكرية تراهن عليها الرياض.
ربما يكون صحيحاً القول بأن المنطقة تقف عند مشارف عملية إعادة تموضع شاملة لمختلف القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، ولا سيما أن نبرة تصعيد الأفرقاء المتواجهين في الشرق الأوسط قد شقت طريقها بالفعل إلى المداولات السياسية والديبلوماسية، وإلى ساحات المعارك. وربما يكون صحيحاً أيضاً أن السعودية ترغب بتوسيع تحالفاتها وتجديدها على أسس مختلفة «براغماتية» كما هي الحال مع فرنسا وغيرها من الدول الكبرى، إلا أن مرحلة الخروج الآمن عن طاعة «الولي العتيق» منذ لقاء ايزنهاور ـ عبد العزيز على متن المدمرة الأميركية «كوينسي» عام 1945، لم يحن أوانها بعد، وإن كان هناك مساحة ومجال دوماً لـ«الخناقات العائلية» على نحو يعزز القناعات بأن «العتب صابون القلوب» حتى بين «حلفاء السياسة». عين الرياض على أماكن كثيرة، ولكن قلبها ما زال في واشنطن التي زارها الملك سلمان في أيلول الماضي أملاً بحصد مكاسب المناورات السياسية و«ديبلوماسية الترحال» السعودي بين عواصم العالم خلال الأشهر الأخيرة، في العاصمة الأميركية لا في أي مكان آخر.
* كاتب لبناني