لذكرى رحيل هادي العلوي الرابعة عشرة


لا يمكن الحديثُ عن التيّارات التقدميّة والديموقراطيّة في العالم العربيّ، وخصوصاً التيّارين اليساريّ والقوميّ العروبيّ، خلال «الربيع العربيّ»، من دون الأخذ بعدد من المحاذير، التي قد تتّخذ شكلَ الضرورات اللازمة لأية عمليّة نقدٍ وتقويم. ومن ذلك:
- ضرورة معرفة درجة النسبيّة في ما يعتبره البعضُ فشلاً كاملاً لهذه التيّارات في الحضور والأداء. فالواضح أنّ من الأصوب، في بعض الحالات والساحات، الحديثَ عن نوع من «القصور الكبير»، لا عن الفشل الكامل. ففي مصر وتونس، على سبيل المثال، وفي سوريا إلى درجةٍ معيّنة، كان للتيّارات اليساريّة حضورٌ يمكن رصدُ حيويّته الفائقة وفعاليّاته المتنوّعة في الشارع المنتفض. ويمكن الإتيانُ بالعديد من المناسبات التي كان حضورُ التنظيمات اليساريّة فاعلاً فيها، رغم تواضعها التنظيميّ والجماهيريّ: كحزب العمال الشيوعيّ بقيادة حمة الهمامي والحزب الديموقراطيّ التقدميّ بقيادة نجيب الشابّي في تونس، وحركة 6 أبريل والحزب الاشتراكيّ الثوريّ في مصر، والحركات اليساريّة والديموقراطيّة السوريّة الرافضة للتدخّل الخارجيّ كهيئة التنسيق والمنبر الديموقراطيّ. ومع ذلك، فإنّ هذا الحضور لم يسفرْ عن نتائج مهمّة بعد الانتخابات في مصر وتونس خصوصاً. أما في اليمن، فصورةُ الحضور اليساريّ، وخصوصاً في شمال البلاد، تبدو شاحبة (ربما كان حضورُ التيّارات الناصريّة والبعثيّة أبرز)؛ أما في الجنوب، فحضورُ اليسار مشدودٌ إلى أجندة الحزب الاشتراكيّ ذات الأهداف الانفصاليّة.
- من الضروريّ إعادةُ النظر في العديد من الأسماء والمسمّيات بهدف التفريق بين اليسار التقليديّ الذي اندثر قبل «الربيع العربيّ» بزمن ليس بالقصير، وبين يسارٍ آخر غيرِ تقليديّ (ذكرنا أمثلة عنه) يحاول بشجاعةٍ ودأبٍ الخروجَ من عنق الزجاجة والانغراسَ في الواقع الجديد والحراك الثوريّ المستمرّ. ومن أبرز الأمثلة على «اليسار» المندثر، أو الذي في سبيله إلى الاندثار، الأحزابُ الشيوعيّة واليساريّة التقليديّة في تونس بقيادة محمد حرمل، وفي سوريا بقيادة آل بكداش، وفي مصر بقيادة رفعت السعيد. أما في العراق، فليتَ الحزبَ هناك، بقيادة الرفيق «الخالد في منصبه» حميد مجيد موسى، اندثر بصمتٍ واحترامٍ كأشقّائه، بدلاً من أنْ يبقى موجوداً ليسجّل سابقةً تاريخيّةً سوداء في سرديّات الحركة الشيوعيّة العالميّة حين اصطفّ مع محتلّي بلاده وشارك «بنشاط» في مجلس حكمٍ بائس شكّله الحاكمُ الأميركيُّ بول بريمر على أساس المحاصصة الطائفيّة، فكان للحزب مقعدُه المحسوبُ على «كوتا» الطائفة الشيعيّة!
أما التيّار القوميّ العروبيّ، وتحديداً الناصريّ، فليس ثمة الكثير ممّا يمكن أنْ يقال بصدده، إذْ انحصر وجودُه في مجموعات صغيرة وهامشيّة في تونس ومصر، وفي شخصيّة سياسيّة معروفة أحرزتْ نتائجَ طيّبةً في الانتخابات المصريّة، هي حمدين صبّاحي، مع أنّ الرجل لا يمكن اعتبارُه امتداداً صميمياً للتجربة الناصريّة الأصليّة إلّا بشكل رمزيّ. ومع ذلك، فلا تمْكن المبالغةُ في التقويم السلبيّ لمستويات أداء مكوّنات النوع الأول، الذي أطلقنا عليه «اليسار غير التقليديّ»، أو مساواتُها بعضها ببعض في جميع البلدان العربيّة التي شهدتْ أنماطاً مختلفةَ العمق والشدّة من الحراك الثوريّ. فعلى سبيل المثال، لم يكن مستوى أداء اليسار التونسيّ مختلفاً كثيراً عن مثيله في مصر أو سوريا. أما في ليبيا، فلا يمكننا الكلامُ أصلاً على وجود يسارٍ من أيّ نوع كان لأنّ جراد الديكتاتوريّة القذّافيّة التهم الأخضرَ واليابسَ طوال أربعة عقودٍ من حكمه، ولا عبرةَ هنا في ترويج أكذوبة الناتو عن انتصار التيّار الليبراليّ الليبيّ في مسرحيّة الانتخابات الأخيرة، فأيُّ ليبراليين أولئك الذين بدّدوا أكثرَ وقتهم في وسائل الإعلام لينفوا عن أنفسهم صفة «الليبراليّة»؟!
- ضرورة الانتباه إلى عدم ثبات الأوضاع التي تمخّضَ عنها الحراكُ الجماهيريُّ في البلدان العربيّة، وهو ما يصعّب إطلاقَ الأحكام الجازمة وتصوّرَ النتائج الثابتة التي أحرزتْها هذه القوةُ السياسيّةُ أو تلك. ويمكن ربطُ هذه السيولة والترجرج في النتائج بأمورٍ موضوعيّةٍ تتعلّق بطبيعة المجرى المتعرّج الذي سلكتْه عمليّةُ التطوّر التاريخيّ للمجتمعات العربيّة طوال القرن الماضي، وبأمورٍ ذاتيّةٍ تخصّ القوى الاجتماعيّة المشاركة.
وفي هذا الصدد، لا يمكن تحميلُ اليسار والقوميين العروبيين وحدهم مسؤوليّةَ الفشل الحاصل تاريخياً، بل تتحمّل المجتمعاتُ العربيّةُ ـــ ككلّ ـــ مسؤوليّةَ الإخفاق التاريخيّ الهائل في الانتقال من عصورِ ما قبل التاريخ المدنيّ الى ما بعده.
كذلك تنبغي الإشارةُ إلى أنّ ظاهرة عدم ثبات الأوضاع والنتائج تشمل قوى لا يمكن احتسابُها ضمن قوى النهضة والحداثة، كالتيّارات الإسلاميّة المحافظة. فلقد خسرتْ حركةُ الإخوان المسلمين المصريين مثلاً، خلال فترة قصيرة جداً هي الفترة الممتدّة بين الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة، أكثرَ من نصف كتلتها الناخبة، لأسبابٍ متعدّدة، منها أداؤها السياسيّ وانكشافُ برامجها ومخطّطاتها. وهذه الواقعة تفنّد أطروحاتِ العلمانيين المصابين بالرُّهاب الإسلاميّ، والذين يعتبرون وصولَ القوى الإسلاميّة المحافظة الى السلطة نهايةَ التاريخ وكارثةَ الكوارث والدليلَ المفحِمَ على سلبيّة «الربيع العربيّ» ككلّ... بل رجعيّته أيضاً.
- ضرورة الربط بين القصور الكبير في أداء التيّارات اليساريّة والقوميّة العروبيّة، وبين أزمةٍ كيانيّةٍ، قديمةٍ وعميقةٍ وشبه مستعصية، في أسس هذه التيّارات وطبيعتها. ثمة تشكيلة واسعة ومعقّدة من الأسباب والمسرِّعات وراء هذه الأزمة، يرجع بعضُها الى الانقطاع شبهِ التامّ بين القوى الحداثيّة وجمهورها العريض. كما لعب الانحرافُ الحزبويّ، والخلطُ البرنامجيّ في الأولويّات، لدى هذه القوى، دوراً سلبياً قوياً ساهم في عزلها عن بيئتها المجتمعيّة، وسهّل مهمّةَ ضربها وتحجيمها من قِبل القوى المحافظة في الحكم أو خارجه. ولتوضيح ما نقصده بـ«الانحراف الحزبويّ وخلط الأولويّات» تمْكن الإشارةُ إلى نزعةٍ راسخةٍ لدى أغلب هذه القوى، وخصوصاً الماركسيّة، إلى إعطاء الجانب الإيديولوجيّ الأولويّةَ، بحيث تتحوّل مهمّاتُها الطبقيّة والاجتماعيّة إلى هامشٍ يمكن الاهتمامُ به في المناسبات، كعيد العمّال العالميّ وذكرى تأسيس الحزب، وما إلى ذلك من نشاطاتٍ احتفاليّة لا تقدّم ولا تؤخّر.
هنا يمكن أنْ نستذكر ما كتبه المفكّرُ العراقيّ الراحل هادي العلوي في تقويمه لملفٍ فكريّ نشرته مجلّةُ الطريق، التي يصدرها الحزبُ الشيوعيّ اللبنانيّ، في تسعينيّات القرن الماضي، وطلبتْ هيئةُ تحريرها إلى الراحل كتابته، لكنّها رفضتْ نشرَه لاحقاً من دون إيضاح الأسباب، ربّما لأنّها أكثر من واضحة! كتب العلوي، آنذاك، وكأنه يعيش في أيّامنا هذه:
«إنّ الصراع الحقيقيّ في الساحات الحقيقيّة ليس صراعاً فكرياً، ومشكلتنا ليست مشكلة إيديولوجيّة، وما هو مستهدفٌ من قِبل العدوّ ليس الثقافة ولا المثقّفين، بل أرضنا وثرواتنا وكرامتنا الوطنيّة. فالصراع هو صراعٌ بين معتدٍ ومعتدى عليه، بين شعوبٍ وقوى احتلالٍ واستعمار. ويتلازم ذلك مع استهدافات أنظمة الفساد، وهي في الوقت نفسه أنظمةُ خيانةٍ وطنيّةٍ... إنّ الحزب الشيوعيّ منظّمة اجتماعيّة سياسيّة، ولا علاقة له بالثقافة ولا بالعلوم، بل هو أداة نضال وطنيّ وطبقيّ، وأفضلُ أعضائه ومناضليه هم الأمّيّون، وأسوأُهم العلماءُ والمثقّفون. ليس للشيوعيّة صلة بالثقافة ولا بالإيديولوجيا، بل هي موقفٌ طبقيّ خالص... إنّ الشحّاذ في مجتمعاتنا يعرف عن الشيوعيّة أكثرَ من قادة الأحزاب الشيوعيّة حين يمدّ يدَه فيقول «من مال الله» متحدّياً أهلَ المال بأن يعيدوا إليه حصّته في المال العامّ الذي يستولون عليه، بينما يتبارى الكثيرُ من شيوعيينا اليوم في التبشير باقتصاد السوق بوصفة الحل السحري لأزمة الإنسان الذي يسحقه اقتصاد السوق ويجرّده من جوهره الإنسانيّ... المرئيّ واللامرئيّ في الأدب والسياسة» (ص 42).
ترسم هذه الكلماتُ اللاذعة، التي قد لا تخلو من الطابع الرغبويّ واليوتوبيّ، حداً فاصلاً بين البرنامج الطبقيّ التقدّميّ المطموح إليه والمتناغم مع البيئة الاجتماعيّة والغائبِ عنها حتى الآن، وبين ما هو حاضر (أنطولوجياً؟) ولكنه يعيش حالةَ اغترابٍ حقيقيّةً عن بيئته وحاضنته الاجتماعيّة. هنا، نضع أيديَنا على أهمّ سبب من أسباب حالة العزلة وقصور الأداء التي عاشتها التيّاراتُ والقوى الحداثيّة، سواء كانت اشتراكيّة أو ديموقراطيّة أو قوميّة عروبيّة، وانتهت باندثار بعضها وتحوّل البعض الآخر إلى كيانات رمزيّة لا أثر لها في الواقع الراهن. أما الصنف الذي أفلت من هذه المصائر، فكان له حضورُه الذي تقدّم وصفُه، وله أسبابه المختلفة، ومنها ما جاءت بها رياحُ «الربيع العربيّ» ذاتِه، وتعاملتْ هذه القوى معه بذكاء وموضوعيّة؛ ومنها ما يعود إلى طبيعة المرحلة التاريخيّة الشديدة الخصوصيّة التي فهمتْها هذه القوى وبرمجتْ حضورَها وحركتَها بموجب حقائقها. غير أنّ تكرارَ هذه القوى لأخطاء القوى القديمة التي اندثرتْ أو كادت، وخصوصاً تغليبها لما هو هامشيّ على ما هو رئيسيّ، والتهاونَ في القضايا الطبقيّة والوطنيّة والقوميّة تحت شتّى الذرائع الليبراليّة الجديدة والقديمة، لن ينجياها من مآل العزلة والاغتراب، ومن ثم الاندثار المحتوم. ولعلّ من أهمّ المقاربات التي يجب على قوى اليسار والتيّارات القوميّة الديموقراطيّة، شباباً وقياداتٍ، صياغتُها وتقديمُها، هي الخاصّة بالتعامل مع القوى الإسلاميّة المهيمنة اليوم. فلعلّها أن تكون مقاربة ترفض العداءَ المجّانيّ، والبدائيّ، الذي لا يخلو أحياناً من العداء لكلّ ما له علاقة بالإسلام حضارةً وتراثاً عظيماً ومنجزاتٍ عالميّة؛ مقاربةً تفْصل فصلاً تاماً بين الحركات التكفيريّة الدمويّة المعادية للحياة والتقدّم، وهي حركات صغيرة وهامشيّة وممقوتة جماهيرياً، وبين حركات سياسيّة إسلاميّة مسالمة وأخرى تنويريّة مناضلة ضد الهيمنة الغربيّة والعدوان الصهيونيّ. أما الأمل في بزوغ حركات إسلاميّة ديموقراطيّة لا تخلو من المضامين والصبوات الطبقيّة الثوريّة، بما يذكّرنا بتجربة «لاهوت التحرير» في أميركا اللاتينيّة، والتي ناضل فيها، إلى جانب الثوّار اليساريين، رجالُ دين كاثوليك، كان في مقدمتهم رئيس أساقفة البرازيل هيلدر كاماراو، والراهب الكولومبيّ الشهيد كامليو توريز الذي حمل السلاح وقاتل إلى جانب الثوّار الماركسيين حتى قُتل في مواجهة قوات الديكتاتوريّة، ورئيسُ أساقفة السلفادور أوسكار روميرو الذي اغتاله عملاءُ الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة، أما هذا الأمل فيبقى معقوداً في رحم الغيب!
إنَّ مقاربة من هذا النوع، جديدةً ومنفتحةً على المستقبل، ليست ترفاً نظرياً وإيديولوجياً، بل هي أقربُ إلى شبكة من المهمّات العمليّة التي ينبغي على التيّارات اليساريّة الاجتماعيّة والقوميّة الديموقراطيّة البدءُ بالتخطيط لها مع اقتراب احتمال انطلاق الموجة الثانية من «الربيع العربيّ»، وهي الأهمّ والأخطر لأنّها ستستهدف ـــ على ما تؤكّد أغلبُ الاستشرافات التحليليّة والقراءات الاستراتيجيّة ـــ أنظمةَ التخلّف والتبعيّة للأجنبيّ في الجزيرة العربيّة والخليج، وستمتدّ إلى ما تبقّى من جمهوريّاتٍ وممالكَ في مغرب العالم العربيّ ومشرقه!
* كاتب عراقيّ (ينشر بالتزامن مع مجلة الآداب)