تتصاعدُ شيئاً فشيئاً ملامحُ ظاهرةٍ «دينيّةٍ» بالمعنى التقنيّ للمفردة، لا يبدو أنّ قادة المعرفة الدينيّة المعاصرة _من مختلف الأديان_ يعُونَ أبعادها، أو يولونها القلق الدعويّ الذي تستحق.

يُطلَقُ على هذا المذهب الفكريّ اسم «الربوبيّة» أو «الألوهيّة»؛ وهو قائمٌ على رؤيةٍ جوهرها فصل فكرة الإله عن الوحي؛ وما ينجمُ عن ذلك.
يقطع الربوبيّون بوجود جهةٍ مقتدرةٍ أبدعت هذا الوجود، تحمل مادّة الإدراك والتفكير الأولى المهيمنة على الموجودات كلّها، غير أنّها لم تكن في وارد إرسال تنظيماتٍ وتشريعاتٍ وما يُسمّى ظاهرة «الوحي»؛ وإنّما اكتفت بتطوير ملكة التفكير المتقدّم (العقل) ليكون وحياً مستديماً ينظّم الحياة.

تَطوَّرَ هذا المفهومُ عبر التاريخ مرّاتٍ عديدة، وانقسمَ إلى فروعٍ متمايزة؛ ولعلّ أقدم ما وصلَنا عن «الربوبيّة الكلاسيكيّة» كان في أواسط القرن السادس عشر الميلادي، ولا شكّ _طبعاً_ أنّه كان ثمّة ظواهر أو تيارات تمثّل أسلاف هذا المذهب العقلي، تطوّرت بدورها لتجتمع حول فكرةٍ موحَّدة هي أنّ «الإله أعطانا عقلاً لا ديناً».
الأديانُ _في جوهرها_ قائمةٌ على ذاك الحبل الممدود من السماء إلى الأرض، الذي يُصرّح بوجود الإله وينقل قوانينه الناظمة لحياة الكائن البشري، ولم تصل البشرية يوماً إلى بناءٍ متكاملٍ لفكرةٍ دينيّةٍ بمعزلٍ عن السماء وعالم الغيب؛ بل لعلّ التفكير بذلك وحده كان قلقاً معرفيّاً مستحكماً؛ وهو تحديداً ما سعت «الربوبيّةُ» إلى تحقيقه.

الربوبيّةُ اليوم

التحدّي المعرفي الذي يفرضهُ مذهب الفكر الربوبيّ كان دائماً أبعد من قدرة معتنقيه على التنظير له، ولعلّ مَرَدَّ جُزءٍ من ذلك إلى أنّهم لم يدرسوا مساحةَ المشترك ما بينهم _كتيارٍ دينيٍّ غير سماوي_، وَالأديانَ السماويّةَ المرتكزة على عمليّة «الوحي».
ما استجدّ اليوم، من ثورةٍ معرفيّةٍ وانفتاح الأديان على بعضها بعضا بطريقةٍ غير مسبوقة، إلى جانب انفتاحها على اللادينيّة بألوانها المتنوّعة أيضاً؛ مثّل خليطاً معرفيّاً يصعبُ حصر تداعياته في وعي كلتا البيئتين (ولعلّهُ في البيئة الدينيّة أكثر).
الربوبيّة كفكرة؛ لم يصل بها التنظير إلى شكل متكاملٍ بعد، ولا الترويجُ لها كبديلٍ أو رديفٍ للأديان؛ غير أنّها تعيش في واقع الكثيرين ممن لا يلتزمون بالأطر الدينيّة اعتقاداً أو عبادةً، وفي الوقت ذاته لا ينعتون أنفسهم بنكران الدين أو الجحود بالإله.
فعَقِبَ تقدّم العلوم الإنسانيّة المتراكم والمتسارع، إلى جانب رواج بعض النظريات التي تناقض مسلمّاتٍ ومرويّاتٍ دينيّة؛ اندفع جانبٌ من البيئة المثقفة إلى اعتقادٍ غير واضح المعالم، هو في جوهره يُقارب فكرة الربوبيّين حول الوجود والإله؛ وربما ينتظم هذا التوجه ليُصبح تيّاراً في مرحلةٍ ما، بغضّ النظر عن حجمه العدديّ.
وللموضوعيّة تجدرُ الإشارة إلى أنّ ثمّة الكثير من التقاطعات في القيم الأخلاقيّة والنُّظم الاجتماعيّة بين الدينيّين والربوبيّين، وتكاد لا تختلف إلا في المصدر الذي تُعزى إليه؛ غير أنّ عدم لحظها من قبل التيار الأخير يحرمهُ فهم الظاهرة الدينيّة السماويّة، كما يُقيّد حركته «الدعويّة» في مجتمعاتٍ عريضةٍ تنتمي إلى الدين وتُقدّس أفكاره.

نظريّة من دون مشروع

الفجوة الأولى التي يعيشها هذا «التيّار العقلاني» هي أنّه راوحَ سنواتٍ طويلةً عند حدود الفكرة؛ ولم يتمكّن من تقديم مشروعٍ (أو مشاريع) تفصيليّة وتطبيقيّة لنَظم واقعِ حياة الإنسان.
لم يُقدّم نظاماً أخلاقيّاً كاملَ الأركان، ولا نظريّاتٍ اجتماعيّةٍ أو سياسيّةٍ أو اقتصاديّة، أمّا الأديان، فقد فعلت.
وبطبيعة الحال؛ فإنّ الفكرة المجرّدة لن يكون لها نصيبٌ من الواقع يوماً، ولا محيصَ لها في سبيل الرواج من طرح مشروعٍ واقعيٍّ متكامل، مهما بلغت درجة صوابه أو خطئه.


الربوبيّة كفكرة، لم
يصل بها التنظير إلى شكل متكاملٍ بعد

على صعيدٍ آخر غلبت الحماسة للابتعاد عن أديان الوحي على لغة وخطاب الربوبيّين، بحيث تشابه وَأسلوبَ الإلحادِ في رجمِ الدّين بالخرافةِ والتخلّف، وهذه قسوةٌ كفيلةٌ بنفور الجمهور الملتزم منهم حتى قبل قراءة أفكارهم.
في المحصّلة؛ يؤمن دعاة هذا المذهب الفكري بأنّ العقل الجمعي الناظم للوجود هو الإله، لكنهم لم يستطيعوا بناء نظامٍ بشريٍّ متكاملٍ على هذه الفكرة؛ وبالتالي لم يمتلكوا مقوّمات استقطاب القواعد الشعبيّة المستهدفة.

القيادة والترويج

لم تحظَ التيارات الربوبيّة يوماً بقياداتٍ مُلهمةٍ قادرة على تأسيس قواعد شعبيّة، ولعلّها إحدى السمات الطبيعيّة لنمط الأشخاص الذين تجتذبهم فكرةٌ كتلك؛ مثقّفون بعيدون عن هموم الدّعوة أو الترويج، وميّالون بطبعهم إلى اكتساب سلامٍ داخليٍّ حول فكرة الوجود لا أكثر.
دينُ العقل هذا لم يحظ بـ«أنبياء» يحملون هَمَّ رسالته، ولم يخُض يوماً غِمار الصّراع الحضاريّ الذي خاضته الأديان واغتنمتْ منهُ تاريخاً مجيداً وقواعد شعبيّة واسعة؛ وبالتالي كان محدود الأثر والانتشار في القرون الخمسة الماضية.
طوال التاريخ كانت ثمّة سننٌ صارمةٌ تحكم عمليّة التمازج الديني، وتبعاً لها حركة الانتقالات بين الأديان والمذاهب، أو حتى خارجها؛ وهو ما كان يحفظ للأديان استقراراً جماهيريّاً مُعيّناً؛ أمّا اليوم فإنّ سهولةَ وكمَّ التعرّض الهائل للأفكار والنظريات، والتقدّم العلمي قد خدشَا هذه الحصانة، وأضرّا بآلية «وراثة الدين» أُسريّاً من جيلٍ لآخر؛ التي تمثّل إلى حدٍّ ما عماد التزام مجتمعات اليوم؛ وهو ما فتح نافذةَ أملٍ للداعين إلى الفكر الربوبيّ بالتواصل مع الشرائح الصاعدة من المجتمعات المتديّنة، وتقديم خطابٍ شيّقٍ لهم.
قد يكون من المقلق لكاتبٍ ملتزمٍ أو قارئٍ ملتزمٍ تناول هذه الفكرة، والتعمّق في تحليل «تهديدها» الآنيّ أو البعيد لمنظومة الأديان، والمنافسة لخطاب مؤسساتها الذي لا يتسّم _آنيّاً_ بالحيوية والمرونة الكافيتين؛ غير أنّ ضرورة النماء المعرفي تفرض الموضوعيّةَ في رؤية ومعالجة أيّ تيّارٍ فكريٍّ يقومُ على منطق عقلانيّ، ويستحقّ ثنائيّة الفكرة والدليل.
* باحث وأستاذ حوزوي