تدخَّل الروس في سوريا، فتسارعت التساؤلات عن الأهداف، وإن كان الهجوم تكتيكياً لن يتعدى تعديل موازين القوى تحضيراً لمفاوضات مفترضة حول الملف السوري، أو استراتيجياً يحسم المعركة بالاتجاه الذي ترغبه روسيا وحلفاؤها، أراد الخصم الغربي أو لم يرد.

والتساؤل عن الحسم صعب الإجابة في عصر تطغى عليه البراغماتيات التي تتعارض مصالحها حيناً، وتتقاطع حيناً آخر، وليس للموقف الأيديولوجي مكان في خيارات الأنظمة والدول التي تتبناه.

ففي مرحلة الحرب الباردة، اتخذت الأيديولوجيا الشيوعية منحى الحسم في معارك المواجهة مع النقيض الرأسمالي ــ الإمبريالي، فكانت حروب التحرر الوطنية في الصين، وفييتنام، وكمبوديا، وكوبا التي رفعت شعارات صلبة غير مهادنة، ولم يظهر في حينها كلام شبيه بما نسمعه اليوم عن الشراكة بين المتناقضات. رفض الفييتناميون التفاوض مع الأميركيين وهم تحت ظلال أعتى موجات القصف بالطيران، وفي ظل استخدام أكثر الأسلحة أذية وضرراً، خصوصاً «النابالم» الذي أحرق فييتنام عن بكرة أبيها. ولم تساوم كوبا «غيفارا» و«كاسترو» الأميركان، ولم تقبل بالتفاوض معهم حتى الأمس القريب يوم تغيّر العالم، وغاب مفهوم النقيض.
تتداخل المصالح اليوم بين الدول المتنازعة، ولم تصل الخلافات لأن تكون خلافات تناقض لا مجال فيها للحلول الوسط، ولا للتسويات. لكن تداخل المصالح قد يصل أحياناً إلى التصادم حيث تتعقد الأمور، وتنتفي معها إمكانات الحلول. وفي هذه المعادلة يأتي التدخل الروسي في سوريا، ومعه مساندة فعالة إيرانية، وحضور رمزي صيني، تطرح كلها علامات استفهام عن معنى التدخل، وإن كان في منحى الحسم، أو تعديل موازين القوى بهدف تحسين شروط التفاوض.
لو عدنا قليلاً إلى الوراء القريب، يوم كان الروس لا يزالون في فجر السبات الذي سببه تفكك الاتحاد السوفياتي، يومها اندلعت الأحداث العربية المنطلقة من تونس مع «البوعزيزي»، وانبهر عشاق الثورات بالحراكات الشعبية، فانجرفوا وراءها مهللين مكبرين للفجر الآتي، ونهاية مراحل الظلام. لم توقظ أصوات الجماهير العربية الهادرة «الشعب يريد إسقاط النظام» الروس الغارقين في سباتهم. تنتقل الحراكات إلى ساحات عربية مختلفة، وتتحرك أجفان الروس بعد أن علا الصراخ، وبات يصم الآذان، لكنهم لم يأبهوا كثيراً للضجيج الذي يتردد في آذانهم غير واضح النبرات، فهم بين الغيبوبة والصحو. يتصاعد ضجيج سقوط تونس، ومصر، واليمن، وتدخل الأصوات إلى آذانه، فيتحرك في سكونه، وبينما هو يتمطمط، ويتثاءب باتجاه اليقظة، تنفجر قنبلة ليبيا الهادرة، فيجفل ليفتح عينيه متسائلاً عما يجري حوله، ويا لويل ما يرى. لقد وصلت السكين إلى الرقبة.
أسرع يستطلع ما جرى، ويستشرف ما سيجري، وقد وصلت الغمامة إلى مقربة من مجاله الحيوي التاريخي، سوريا. أسرع لمنع امتداد النيران التي ستطاوله بالعمق، كما ستطاول حليفتيه إيران والصين. فكان لا بد له، ولحليفتيه، من التصدي لما يحاك للعالم من مخططات جديدة لم ينفك الغرب يستخدمها لإعادة رسم الخرائط، وحدود الدول، والسيطرة.
ظن كثيرون أن الحراكات الشعبية في العالم العربي ثورات تغيير، فهللوا لها، ولم تستشرف غالبية المهللين آفاق المرحلة التي دخلتها البشرية بالخطة الجديدة التي يريدها الغرب بقيادة الولايات المتحدة للعالم.


لم توقظ
أصوات الجماهير العربية، الروس الغارقين في سباتهم



في خضم الصراعات الجارية في المنطقة، وجع الأميركيين هو الصين. هي البعبع الإنتاجي الأول للمواد الاستهلاكية في العالم، وهي الخزان لداتا المعلومات الوحيد المنافس للولايات المتحدة التي تعتبر أن امتلاك المعلومات هو العنصر الأول والأساس للحفاظ على السيطرة. من خلال الداتا التي يحصّلونها عبر أشكال استخدام الإنترنت، يلمّ الأميركيون بكل نقطة وفاصلة تجري. والصين تسعى إلى امتلاك مركز تجميع المعلومات على غرار الولايات المتحدة، وهذا ما يقض مضاجع الأميركيين. لا النووي الإيراني، ولا النووي الروسي، يعني شيئاً لهم. لن يستخدم أحد السلاح النووي لأنه سيف ذو حدين.
لذلك، تتوجه الولايات المتحدة، وتجرّ معها حلفاءها لمواجهة الصين. ليس من قرقعة للسلاح، ولا إمكانية لذلك. المواجهة اقتصادية. إنها منتدى تعاون دول «أبيك» - آسيا والمحيط الهاديء. في آخر قمة لها صيف ٢٠١٥ في هاواي، قال الرئيس الأميركي باراك أوباما: «للمنتدى أولوية مطلقة لاننا لن نتوصل الى اعادة مواطنينا الى العمل والى تطوير اقتصادنا، وزيادة منافذنا اذا لم تزدهر اسيا ــــ المحيط الهادىء ايضا»ً، في حين ان «النمو الاقتصادي لدى الشريك الاوروبي معدوم»، يقول. أوباما اعلن في القمة اتفاقاً على الخطوط العريضة لمشروع التبادل الحر بين عشر دول في اسيا ــــ المحيط الهادىء اطلق عليه اسم «الشراكة عبر المحيط الهادىء»، ويضم خصوصاً الولايات المتحدة واليابان، ولكنه يستبعد الصين لأن شروط المشروع تتعارض مع حاجات الدول النامية، وهو خضوع المشروع لشروط البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، بما يعني اعتماد قوانين الليبرالية الاقتصادية المتنافية مع البنية الاقتصادية للصين.
لا يخفى على الدول نوايا خصومها، وتعرف الصين السبل المستهدفة لها، وهي ليست حصراً إمكانية تحريك مسلمي الصين (الإيغور)، إنما الحصار الاقتصادي الذي تسعى إليه الولايات المتحدة، مع حلفائها، للصين.
قد ينجح المشروع بتحقيق بعض أهدافه، لكن المؤكد أن الصين لن تقف مكتوفة الأيدي تتفرج على ما يجري. تتحرك في بحرها عسكريا، وتفرض سيطرة خفية عليه، وترسل مقاتليها إلى سوريا، بحراً وبراً، ولو بحضور تمثيلي، وتبني خطوط سكك الحديد على طريق الحرير التاريخي.
وإذا كان بعض من بداية الرد الصيني يجري في بحر الصين، وبناء طريق الحرير يستغرق وقتاً، لكن الساحة السورية ملتهبة، ولا بد للصين من أخذ دور، وهي ربما امتلكت أكبر جيش بري في العالم. تتدخل الصين في سوريا لأن الإيغوريين فيها، حجة، إنما الأساس الانضمام إلى المواجهة العالمية التي تجري على الساحة السورية بالانضمام إلى قوات حلفائها الروس والإيرانيين، والأهم أن تنقل المعركة من حدودها إلى ما هو أبعد.
وإيران حققت حاجتها التاريخية بتحقيق الاتفاق النووي، وفكت الحصار الاقتصادي المفروض عليها، وهي كدولة صاعدة على المستويات الاقتصادية والعسكرية، لا يمكنها البقاء منحصرة في حدودها الدولية، إذ لها مصالح استراتيجية مع المنطقة، والعالم، ولها امتداد نفوذ في حدودها مع العراق، ولها مصلحة عليا في التقدم نحو المتوسط، ولطالما هدد الغرب أمنها. هي في موقع المتقدم غرباً، ولا يسعها إلا الانخراط في رسم معالم الخريطة حولها، واحتلال موقع في التكوُن الجديد للعالم.
أما روسيا، فهي رأس حربة المرحلة. من ناحية الدفاع عن النفس، لم يعد باستطاعتها الوقوف مكتوفة الأيدي أزاء ما جرى ويجري في مجالها الحيوي في الشرق الأوسط، وتصاعد القوى الدينية السلفية التي لم يكن تاريخها الحديث مع الروس إيجابيا، ولا ما يحركه الغرب من اضطراب على حدودها في أوكرانيا، ولا على الصعيد الاقتصادي بتدني سعر النفط. كما لا يمكن لروسيا إلا التمسك بمنفذها الهام على المتوسط. وفي ظل انكفاء الولايات المتحدة عن دور فاعل ومؤثر في المنطقة، ليس هناك من يملأ ذلك الفراغ إلا دولة عظمى كروسيا. ومن هنا، تتقدم وتلعب دوراً ريادياً في تحديد مسار الأمور انطلاقاً من سوريا، ولم تعد الأمور تحتمل الاقتصار على المناورة، فروسيا، مدعومة بحلفائها، تثبت واقعاً عالمياً جديداً وهو أن المارد الآسيوي ناهض، وقادم اقتصادياً وسياسياً، ورأس حربة مشروعه هي المعركة العسكرية في الشرق الأوسط، خصوصاً في سوريا.
إن دولاً مثل روسيا والصين وإيران ليست دولا عربية في القرن العشرين، فاقدة القدرة على المبادرة، ومقتصرة على المقاومة السلبية إذا توافرت. هي دول طاعنة في ثقافة الهجوم، ولا تتردد في خوض مواجهات كبيرة. تاريخها البعيد والقريب ينطق بذلك. هي اليوم في حالة هجوم معاكس، ليس للرد على هجوم يقوم به الغرب منذ سنين. إنها في حالة هجوم إيجابي، تسعى من خلاله لتأكيد دورها في رسم معالم العصر الجديد، على أن تكون هي الرائدة في هذا المجال.
أما على صعيد التعاون الاقتصادي والسياسي بين روسيا والصين، فهو تعاون كبير، وضخم، وكل منهما بحاجة استراتيجية إلى الآخر. ولم يسبق أن كانت الدولتان في هذا الجو من التعاون سابقاً، بل كانتا على نفور رغم أن كلتاهما حملتا عنواناً واحداً هو «الشيوعية». وما فرقته الشيوعية في القرن العشرين، تجمعه البراغماتية الحديثة في القرن الواحد والعشرين.
فمن جهة، جمعت المصيبة القوتين الصاعدتين روسيا والصين بعد أن فرقتهما الأيديولوجيا. وفي زمن الشيوعية، تبادلت الدولتان الجارتان الكبيرتان التهم: روسيا رفضت طريقة الزعيم الصيني ماو تسي تونغ في الاعتماد في ثورته الشيوعية على الفلاحين، واتهمته بارتكاب الخطأ النظري في ما يسعى إليه، بينما اتهمت الصين الاتحاد السوفياتي بالانحرافية، ووصلت حد وصفه بـ«الامبريالية الاشتراكية». كان ذلك في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. وكانت الصين في أوجّ عزها السياسي كثورة منتصرة بعد ثلاثين سنة من النضال الطويل، وكان الاتحاد السوفياتي قوياً، ولاعباً أساسياً على الصعيد الدولي. لم تتقاربا، وظل التنافر سيد الموقف بينهما، حتى سقوط الماوية في الصين، وتفكك الاتحاد السوفياتي، وانكفاء شعارات الشيوعية منهما.
سقطت الماوية باستيلاء التيار الاقتصادي بقيادة تينغ هسياو بينغ على السلطة في الصين، وهو التيار الذي حذّر ماو تسي تونغ منه، وقامت الثورة الثقافية الصينية بالإطاحة به. لكنه تمكن بعد وفاة ماو من الانقلاب والسيطرة على السلطة التي ورثت ماو بقيادة زوجته.
بهذا الانقلاب، تحولت الصين إلى التركيز على الاقتصاد الانتاجي للبضائع الاستهلاكية، واتبعت طريق التراكم الرأسمالي المقيد ببعض ضوابط السلطة، بينما تأسست في روسيا عقب سقوط الاتحاد السوفياتي، سلطات براغماتية لا تختلف شعاراتها، ولا بنيتها، ولا توجهاتها، عن شعارات الدول الرأسمالية. أصبح نظام الحكم في كلتا الدولتين متشابها، تحدد المصالح الاقتصادية والاستراتيجية مساراته واتجاهاته، وليس للإيديولوجيا من مكان فيهما.
تطورت اوضاع الدولتين الكبيرتين، ومعهما إيران وحلفاء آخرون، ولم يعد بإمكانهما الاكتفاء بما يجري داخل حدودهما الدولية. عليهما الخروج من هذه الحدود لبناء العش الذي سيولد فيه مستقبلهما الجديد، والعالم الجديد.
في هذا الإطار، يمكن أن نقرأ ما وصلت إليه الأوضاع في سوريا، ومغزى التدخل الروسي. إنه تدخل حاسم ولا شك، لا يهدف إلى تسوية مرحلية، ولا إنقاذ نظام، ولا الحماية من سلفيات بلا أفق، بل يتعداه لتأسيس حالة عالمية تاريخية جديدة قوامها آسيا الناهضة. بهذا المعنى، لا يمكن للتدخل إلا أن يكون حاسماً بلا تردد.

* كاتب لبناني