هل سيظهر المشير طنطاوي في احتفالات «أكتوبر»؟ لم يعد مفهوماً من السؤال شيء غير المشير، إذ إن «أكتوبر» لم يعد شهر الانتصار على اسرائيل فقط في 1973، لكنه أيضاً الشهر الذي داست فيه دبابات الجيش المصري مواطنين مصريين. بين سيناء وماسبيرو يبدو المشير لغزاً كبيراً... أين ذهب؟ وما هذا المصير التعس لآخر قائد من جيل «أكتوبر»؟ ومن سيحاسبه على جرائمه، قبل ماسبيرو وحتى العباسية؟ طنطاوي هو العجوز البيروقراطي، الذي عاش في موقعه دون مهارات، غير الطاعة والولاء والقدرة على امتصاص الأزمات. عقل بيروقراطي محض، بلا علامات تفوّق عسكري أو سياسي، وبشيخوخته لم يكن لديه ما يدافع عنه سوى المكانة التقليدية لمؤسسة السلاح في دولة «مماليك» معاصرة. المكانة تآكلت، ولم يبق منها غير مؤسسة بيروقراطية تدير ماكينة كبيرة من المصالح السياسية والاقتصادية، وكما هو الحال في البيروقراطيات العجوز، فإنّها تبدو حيواناً خرافياً يحتل المساحة الكبيرة، لكنّه ليس فعالاً بما يناسب الموقع او الصورة الخرافية، التي ترسخت في أذهان مجتمع عاش سنوات لا يرى فيها من هذه المؤسسة الغامضة الا الرجل الاحدب، الذي كان يجلس بجوار مبارك، ولا يبدو منه الا أنّه مثل الأيقونات الصامتة، التي لا تعبر عن شيء شخصي أبداً.

عندما ظهر المشير بدت تلك الأيقونات ركيكة الى حد لا يمكن تخيله. خطاباته كانت نموذجاً لبلادة السلطة وعقلها الفارغ الا من حيل البقاء. غادر المشير مكتبه في ظروف غامضة تليق بحروب الكواليس. لم يعرف احد هل هو غاضب من ازاحته على يد رئيس اخواني تحالف مع تلميذه وابنه الروحي، الذي كان يجهزه لخلافته في الملاعب؟ ام هناك صفقة اكثر غموضاً يخرج فيها آمناً مقابل عدم محاكمته، ليفسح المجال امام شركة حكم جديدة؟ التخلص من المشير يكاد ان يكون هو الانجاز الوحيد في الـ100 يوم الاولى، وبعيداً عن الجدل حول اذا كان انتصاراً فعلاً، او تغطية على صفقة الخروج الآمن للعسكر، الذين ارتكبوا جرائم كبرى في المرحلة الانتقالية، ولم يحاسبهم احد، او تتحرك ضدهم دعوى قضائية واحدة. في حملة التسويق للمرسي بدت احالة المشير على التقاعد كإنهاء حكم العسكر، وهي مبالغة تشبه مبالغات السادات الشهيرة حين سمى التخلص من فريق الموظفين في دولة عبد الناصر «ثورة تصحيح»، وهي لم تصحح شيئاً. إبعاد المشير والفريق خطوة مهمة فعلاً، ونقلة نوعية في تركيبة الحكم، لكنّها ناقصة، لأنّها توقفت عند إبعاد الديناصورات العجائز، بما يوحي بأنّ الامر مجرد تغيير في الشركاء لا في عقد شركة الحكم. وهو تغيير غامض لأنّ بنود الاتفاق بين المرسي والسيسي لم تخرج إلى العلن، وكذلك حدود حركة قائد الجيوش في ظل عدم تغيير قواعد الوجود العسكري في الدولة المدنية، بداية من آلاف الضباط الذين يديرون مؤسسات مدنية، حتى شركات الجيش التي تملك 40٪ من اقتصاد الدولة، وتدار بسلطة مطلقة للجنرالات. أين ذهبت «جمهورية الضباط»، كما سماها تقرير «كارينغي»، هل ذابت مع ازاحة ديناصوراتها؟ ام قبلت الاستمرار بعيداً عن الاضواء، مقابل تعزيز شركة الحكم الجديد، وهي الشركة التي يتشارك فيها المرسي (المدني) مع جيل ضباط ما بعد «أكتوبر» (العسكري)، وفي وجود الراعي الدولي (أميركا). شروط الشركة غير معروفة، وهل بنيت على قواعد جديدة أم أنّها استمرار للهزيمة التي أعقبت انتصار «اكتوبر» (1973) والجريمة التي أنهت اسطورة النواة الصلبة في «اكتوبر» (2011). إنجاز حرب اكتوبر الأساسي هو شحن حيوية الدولة المهزومة. خرجت الدولة قوية بشكلها العسكري، فالرئيس عاد بطلاً عسكرياً، وصاحب معجزات، وأنقذه الاصدقاء في اميركا، الذىن أوقفوا الثغرة حسب نصيحة كيسنجر حتى لا ينكسر النظام إلى النهاية (الحكاية مشهورة وراويها هو هيكل بمستنداته المشهورة). الدولة القوية خرجت من الحرب باقتراب من العدو وتكسير لروح الانتصار. أعلن السادات أنّ 99٪ من أوراق اللعبة فى يد أميركا.
وعُدّت هذه الجملة الحجر الاساس في واقعية سياسية جديدة، تنهي زمن الشعارات الرنانة، لكن الحقيقة أنّ واقعية السادات لم تتحرك خطوات ابعد من عاطفية عبد الناصر. دولة الاستبداد استمرت. الفارق الوحيد أنّه بعدما كان المستبد عادلاً تخلى عن العدل، وترك المجتمع غابة، الانتصار فيها للأقوى. جمهورىة الخوف استمرت، وهذه كانت أساس الهزيمة. منع الخوف الناس من محاسبة المسؤول عما حدث في 5 يونيو/ حزيران 1967، ومنعهم من مواجهة قائد الانتصار وهو يقتله قبل أن يتحول إلى روح جديدة تغيّر الدولة، وتصلح شرخ الهزيمة. جمهورىة الخوف كانت وراء الهزيمة العسكرية في «يونيو»، إذ حولت أجهزة الاستبداد الحياة الى رعب دائم، وتحالفت مع وحوش الفساد. لتعود الدولة كلها إلى الوراء. الدولة التي ارتبطت بحلم مغامرين (من محمد علي الى جمال عبد الناصر)، ظلت أسيرة المغامرة ولم تتحول إلى حقيقة تعبر عنها مؤسسات فوق الجميع. وهذا ما كان وراء «جريمة ماسبيرو»، حين داست دبابة مصرية مواطناً مصرياً أراد المطالبة بحقوقه. مؤسسة الجيش السلطوية رأت ان هذا الخروج خيانة لجمهورية هي نواتها الصلبة. والتلفزيون يومها حرض المواطنين على «الخونة»، الذين يقتلون الجيش. والمذبحة لم تكن سوى تمثيل عن صدام بين مجتمع يطالب مواطنوه بالكرامة، أي المواطنة، ومؤسسة سلاح تربّت على قهر الفرد وتحويله الى شيء في خدمة ماكينة تدور مرة على جبهة النار، او في محطات البنزين والسوبر ماركت.
الجيش لم يحاسب عند الهزيمة، ولا عند المذبحة، وهذا ما سيكشف تفاصيل شركة الحكم التي تبنى قواعدها الآن في مصر.




صناعة الوحش السنّي

لم يقرأ المرسي تقرير منظمة العفو الدولية بالتأكيد... لم يرَ الشهداء والقتلى، ولم يسمع حكايات الذين أُقيمت لهم حفلات تعذيب على يد ضباط وجنود من الجيش، وإلا فلماذا أعاد في زيارته لأميركا الخرافة السخيفة بأن الجيش حمى الثورة. تقرير منظمة العفو الدولية انتهى الى أنّ القوات المسلحة ارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان إبان الاشهر الستة عشر من حكم «المجلس الاعلى للقوات المسلحة»، واقترف المجلس كل هذه الانتهاكات دونما عقاب لأحد، «وتقاعست الهيئات القضائية، العادية منها والعسكرية، عن ضمان أي إنصاف فعال للضحايا، لذا لا يزالون، الرجال منهم والنساء، يعانون، بينما لا يزال منتسبو القوات المسلحة واثقين بأنَهم فوق القانون...».
فوق القانون هذه هي جاذبية السلطة، او سرها لمن لا يملك سوى شهوة السلطة (له او لجماعته) مقابل عدم كفاءة مدهشة لا تؤهل للاستمرار في الحكم اكثر من اسبوع، لكن عبر السيطرة والهيمنة استمر الجنرالات السابقون لمبارك. وبحث مبارك عن الهيمنة فلم يجد غير خطاب ركيك عن الحكمة التي لا تقلق المتوافق مع نظام اللصوصية، بينما المرسي لا يجد من خطابات الهيمنة المتناثرة حوله سوى صناعة وحش سني يصلح للاستخدام المحلي والدولي. داخل مصر ستضعه القطعان الباحثة عن بطل على رؤوسها، بينما في العالم سيكون مكمل مثلث مواجهة الوحش الشيعي على الضفة الاخرى. لا مانع هنا من غرق المنطقة في حرب هويات قاتلة، المهم ان يبقى من هو فوق القانون فوقه، سواء كان رئيساً مثل المرسي، او دولة مثل اميركا، المستمتعة بالسيطرة على بحيرة البترول التي تعوم المنطقة عليها. وهذا ما يجعل شركة الحكم الجديدة قابلة للدخول في «النظام» على نحو مختلف سيظهر قريباً.



حرب المظاليم



قادمون من بعيد، من مساحة «ما قبل الدولة». تناسبهم تماماً مؤسسات النظام القديم بعد تآكل الطبقة الحنونة الناعمة. هكذا يطمئن كهنة هذه المؤسسات الى من يكتبون الدستور. الكنيسة مثلاً ستضمن مزيداً من السلطة على «شعبها»، والدولة الامنية تدرك انّها ستشغل موقعها القديم، والأزهر يقنعونه بأنّ يكون «فوق الدولة» كلها. كلهم سيحصلون هذه المرة على رخصة اقوى من دستور دولة الاستبداد... انها رخصة «شرع الله». اي انّ النصوص التي ألزمت المسيحيين بالوقوع في اسر الكنيسة، وتمنح الشرطة والجيش حصانة في مواجهة المواطن، ستكون برعاية إلهية. وحدهم الذين يدركون انّه لا دولة جديدة بدون اعتراف بالفرد ووعي بالفردانية هم الغاضبون من دستور يحوّل المصريين الى قطعان لا افراد. هكذا فإنّ هناك مواد ستسلم القطعان المسيحية للبابا وسيبحثون عن بابوية للمسلمين.
أما مؤسسات القهر فستظل في موقعها مصةنة إلا من غضب المدافعين عن مواطنية لا تزال تسحق بعدما عادت الشرطة الى سيرتها القديمة. عادت والمؤسسة اضعف، لكن عقل الضباط لا يزال ينظر من موقع السلطة التي تحتقر الشعب وتراهم مجرد رعايا ينبغي تربيتهم لكي يحافظوا على مكانة «اسيادهم». حفلات التعذيب والقتل لا تزال مستمرة. هي الطريقة التي تعلمها كل ضابط ولم يتعلم غيرها، ولم يعتذر جهاز الأمن عن جرائمه في حق الشعب المصري. عاد كأنّه كان في محنة وها هي تمر. عاد ليشكو ويطالب باجراءات استثنائية لكي يستطيع تأدية مهامه. الضباط القتلة لا يزالون موجودين في كلّ مكان، ووزيرهم يطالب باجراءت استثنائية لضبط البلطجية والسلاح والارهابيين. لم يفكر في إعادة تربية ضباطه او محاربة فرق التعذيب والقتل في الاقسام، لكنّه فكر في الحصول على الاستثناء.
الجهاز الذي كان يحكم مصر عاد جريحاً واراد بعض اشاوسه الانتقام ليعرف الشعب انّهم لا يزالون الاسياد. هذه هي الحقيقة التي من اجلها تهان كرامة المواطن في الاقسام وتقام له حفلات تعذيب. الضباط عقلهم لا يزال مثبتاً على انّهم اسياد كانوا في محنة انتهت وسيعودون بعدها يمارسون السيادة. وهم هنا غائبون عن الوعي لأنّ الدنيا تغيّرت بفعل ثورة لم تفعل سوى منح الامل في تحول الرعايا الى مواطنين. الضابط لا يتدرب في حياته على مهارات مهنته، ولكن على كيفية ممارسة السلطة. كيف يروض الوحوش خارج القسم؟ كيف يسمعهم صيحته، لترتعد اجسادهم لو سمعوا اسمه؟ هذه هي العقلية التي هزمت في ٢٨ يناير/ كانون الثاني ٢٠١١ وتريد اليوم العودة الى الامر الواقع: لن نحميكم الا اذا كنتم عبيداً ورعايا ونحن اسيادكم. ولأنّ الثورة لم تسقط الا جهاز امن الدولة، فإنّ المواجهات القادمة ستكون ضد محاولات اعادة بناء الدولة الامنية واجهزتها التي تحكم.
محاولة شبه مستحيلة لكنّها تجد تشجيعاً ودعماً عبر تغييب ارادة اعادة بناء الشرطة على عقيدة جديدة تدرك تحرر المواطن من موقع العبودية. هي العقلية نفسها التي دعمت تهجير العائلات المسيحية من بيوتهم في رفح، خوفاً من تهديدات الارهابيين. الدولة لم تهتز لأنّ عائلات بكاملها تجبر (خوفاً او سياسة) على البحث عن «بيوت بديلة». وهذا ما تكرر في دهشور وقبلها في العامرية، وكانت التصريحات الرسمية دائما تنكر فكرة «التهجير»، ولا فرق بين عسكر ورئيس اخواني منتخب. الانكار يدل على قبول جزئي بأنّ رحيل المسيحيين من مناطق التوتر هو الحل. وهنا لا بد من فرض امر واقع بالضغط على اكثر من جهة، اهمها ترهيب المسيحيين او نشر مشاعر الخوف التي تجعلهم لا يشعرون بأنهم مواطنون بل ضيوف. يجب ان يقبلوا بحقوق منقوصة في اطار «بلطجية الاغلبية». انّها حرب المظاليم. الدولة المستبدة ظلمت الجميع ولم تعترف بمواطنة الا الدائرة الصغيرة المحيطة
بالسلطة.
الملايين خارج هذه الدائرة هم مظاليم وضحايا. ولأنّ تفكير الضحية والمظلوم مغلق لا تجد طريقاً للتخلص من الظلم الا بظلم الاطراف الاضعف. هذا هو الوعي الذي كرس الافكار الطائفية والعنصرية الساذجة وجعلها عصب تفكير طائفي/عنصري مغروس في تربة ليس لها تاريخ في الطائفية او العنصرية. هكذا تحولت الثورة الى حرب مظاليم. حرب تقودها تنظيمات خارجة من ثقافة ترى الحل في تحويل البلد كلها من شعب الى قبيلة. الشعب متعدد والقبيلة نسخ متشابهة. يريد المظلوم المسلم ان يقتل المظلوم المسيحي ليشعر بانتصاره على الظلم. ويريد الرجل ان يعيد المرأة خطوات ليشعر بذكورته المنقوصة. هذه هي العقلية التي ترفض ان نتساوى جميعاً في المواطنة.
تصور انّ المواطنة يمكن ان تخضع لكتالوغ يقص كل من هو خارجها. هذه العقلية المنحطة تريد فرض سلطتها الآن بعد ان غابت السلطة التي كانت تقهر الجميع. هذه العقلية التي رضيت بالقهر تريد فرض قهرها من جديد. تريد ان تحول العلاقة بين الرجل والمرأة الى هوس ذكوري باخفاء المرأة وتجعل الهوية الدينية بوابة الحصول على الحقوق او الشعور بالامان. هذه العقلية تعادي ما لا يشبهها. ولهذا يلمع المتطرف الان، إذ ماذا ستفعل مع المختلف معك؟ هل تقتله؟ هل سيقتل الاسلاميون المختلفين معهم ام سيجبرونهم على الرحيل من مصر؟ هل سيفرضون مصر المتخيلة في عقل مشايخهم؟ ساعتها انتظروا حروباً اهلية يومية، وخروج مصر كلها من التاريخ واعلانها تحت احتلال وطني جديد.
الثورة خلصتنا من احتلال الجنرالات، والآن المشايخ يريدون اعلان وقوع مصر في اسر الغزاة.