ما إن يحطّ الرئيس ميشال سليمان في قصر بعبدا حتى تبدأ دوائره بالإعداد للرحلة المقبلة، وهو بذلك يتشبّه بالبابا يوحنا بولس الثاني الملقّب بـ«البابا الطائر»، والحجّة أنّ فخامته يحمل لبنان في الحل والترحال ويثبته على الخريطة الكونية. أما وجه الشبه بين الرجلين فهو أنّ الأول دكّ جدار برلين، فيما جدران لبنان مثقوبة ومنتهكة وتحتاج إلى سد فجواتها.


لبنان ليس زجلاً وكلمات مسجوعة وترداداً مرضياً لِلازِمات تقارب هشاشة البلد الذي كان «أخضر حلو»، فما بين «غادرَ وحطّ» فخامته، يراوغ رئيس الوزراء قاموساً خلّبياً من النأي بالنفس، الذي بات أعلوكة، وهي بالفطرة أمّارة بالسوء السياسي، ويذهب البلد من فراغ إلى آخر، ومن ركاكة أمنية إلى صحوة تطبيق قوانين السير واقتناص الدراجات والخلاف على منع تدخين السيجارة والسماح للنارجيلة، ربما لأنّها عثمانية الأصل.
كل هذا، وحمّى الداخل السوري تسري في جسد لبنان، المشقوف ما بين مؤيد للدولة السورية، بما هي عليه حالياً مع مطالبتها بالإصلاح، وما بين معارض لها يزج أنفه وذراعه وسلاحه في شؤونها، ويمارس معكوس السياسة المعلنة رسمياً.
سلاح يمر، ورجال يعبرون الحدود وزعيق وشتائم وفحيح مذهبي وبيئة حاضنة لمعارضة سورية مسلحة باتت تشارك في النزاع الداخلي المطيّف، من دون سؤال عن مؤدى ومردود وغلّة ذلك في قادمات الأيام، ما يطرح سؤالاً مفصلياً هو الآتي: ماذا سيحصل عند انقشاع غبار المعارك في سوريا سلباً أو إيجاباً؟ وماذا سيكون موقف من زجوا أنفسهم طرفاً حتى النخاع؟ وما هو وضع البلد وقتها؟
الجواب، أن بعض الغارقين في أحقادهم لا يزالون يمنّون النفس أسبوعاً تلو آخر بسقوط الدولة السورية، وأنّ «جماعتهم» هناك قادمون لمساعدتهم على قلب الطاولة في لبنان، وإعادة الغائبين إلى سدة الحكم، وشطب مفاعيل 7 أيار أولاً و11 شباط ثانياً.
والحال أنّ هذه السياسة تغضّن نعامة، لأنّه كيفما كان المآل في الشأن السوري لن ينفد لبنان بجلده، فلو ربح المعارضون المعركة، وهذا مستبعد، فإنّ قوى داخلية لن تقبل بالانقلاب على الستاتيكو الحالي، لا بل ستعزز مواقعها، وبخاصة أنّ هذه المعارضة تناصب هذه القوى العداء مذهبياً وسياسياً وثقافياً، وعندما يحسمُ الجيش السوري المعركة ويبدأ الحديث السياسي الداخلي فإنّ من أوغل في دماء السوريين من عتاة المشروع المستعرب المحشو بالحقد سيدفعون ثمناً غالياً. إذ إن زمن العفو بات أبعد من مهوى رأس النعامة، وفي الحالتين سيكون لبنان يتقلّى في نأيه عن الواقع، لا بل خارجه، فيما لن يكون لدى الرئيس من يكاتبه، ويتابع حياته مع شارع عريض باسمه، مع العلم بأنّ التاريخ لا يكترث كثيراً لأسماء الشوارع، وبدأ الناس يعتادون على الأرقام. أما رئيس الوزراء فسيكون نائياً يعدّ أرباح أعماله، وهو أصلاً لا يكترث للتاريخ. أما لبنان فسيبقى محكوماً بمنظومات زجلية لأنّه لم يفكر يوماً بتغيير نفسه، مستعيضاً عن ذلك بمحاولته إسداء النصح للآخرين بتغيير ذواتهم.
* كاتب لبناني