في الحديث عن التجربة الفلسطينية مع المحيط العربي والإقليمي، تتكرر النتائج السلبية في النهايات التي آلت إليها التحالفات المتبدّلة، برغم أن صناع القرار الفلسطيني، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، كانوا يتوقعون مسبقاً نتيجة اختياراتهم الإرادية، أو حتى اضطرارهم إلى خيارات معينة في مراحل فُرضت عليهم فيها المعادلات الدولية والخيانات العربية.


لكن كل التجارب (من «منظمة التحرير» إلى حركة «حماس») كانت نتائجها واحدة برغم اختلاف الظروف، وأثبتت أن هذه التحالفات الاختيارية أو الجبرية، دفّعت الفلسطيني أثماناً مكلفة أكثر مما يكون قد دفعه أمام السطوة الإسرائيلية، ومن آثار ذلك اتساع قواعد الكره الشعبي للفلسطينيين، وجبروت الأنظمة عليهم. اسألوا الفلسطينيين عن التأشيرات والإقامات والمطارات والمعابر، ثم اكتبوا ما تشاؤون من روايات، بل إن الفلسطيني الذي يعيش في أراضي 48، برغم كل ما يواجهه من عنصرية إسرائيلية، يحظى بحقوق مواطنة قد لا يراها نظيره في دول عربية أخرى.
ومع أن حظنا السيئ مليء بتجارب كثيرة في هذا الجانب، فإن القيادات الفلسطينية لا تزال تصرّ على تكرار الخطأ مرة تلو أخرى، فما السر وراء هذا الإصرار؟ يزخر التراث الفلسطيني بأمثال شعبية شهيرة يفترض أنها ناتجة من التجربة العميقة والإدراك لمتطلبات العيش في عالم صعب كمنطقتنا، من هذه الأمثال «الي بجرب المجرب، عقله مخرَّب». وإلى ما قبل أيام قليلة، يبدو أن جزءاً ليس صغيراً من مكوّن القرار السياسي الفلسطيني، قرّر عن سبق إدراك إعادة التجربة نفسها، بغض النظر عن نتيجتها التي لم تظهر بعد، وذلك بمجرد خروج نتيجة الانتخابات التركية المبكرة التي أجريت وانتهت في اليوم نفسه.
من حقك أن تصطف سياسياً مع من تشاء، ولكن عليك أن تتذكر جيداً نتائج بعض التحالفات السابقة التي عقدها من سبقوك من شعبك، وأيضاً نتائج ما انقلبوا عليه، وأنت تعيش واقعاً غير مختلف كثيراً. وبما أن الحديث موجه من فلسطيني إلى فلسطيني، فإنه لا جدوى من الشكوى من ظلم العرب، إنما الواجب التنبيه إلى ما ارتكبناه من أخطاء ساهمت، على الأقل، في إنجاح المؤامرات على وجود ومستقبل شعبنا. كما إن المقارنة بين تجربة «منظمة التحرير» وحركة إسلامية كـ«حماس» مع الانتباه إلى الاختلاف الكبير في الظروف، فإنها تحمل قواسم مشتركة، أهمها أن القيادة الفلسطينية لم تغيّر طريقة تفكيرها منذ الستينيات حتى اليوم، لجهة «العنتريات» أو القرارات السريعة ومحاولة استثمار العواطف والانتماءات (كالعروبة وكوننا من أهل السنة) لتبرير قراراتنا قبل حسابات العقل والمنطق؛ بل يريدون إقناعنا أنهم كلهم لم تؤثر الأموال الخليجية في قراراتهم، ولا أن «الشرعية الدولية» التي لا تعطى لأحد إلا من البوابة الأميركية، لم تكن تشغل بالهم.

بداية الخروج من دول الطوق

مثلاً، يمكن الجزم بأن إخراج الفلسطينيين من الأردن كان أول طعنة بخاصرة المشروع الوطني الفلسطيني، وأول سبب لفقدان الأمل في تحرير فلسطين، انطلاقاً من موقع جغرافي يتصل بأطول حدود مع فلسطين التاريخية والضفة المحتلة، وكان يمكن أن يشكل منطلقاً لعشرات بل لمئات العمليات التي سترهق الاحتلال الإسرائيلي وتجبره على الانسحاب إلى خطوط معينة كما جرى في جنوب لبنان. أيضاً، فقدنا في الأردن التواصل مع أكبر حاضنة شعبية فلسطينية في الوطن والشتات (تصل الآن إلى قرابة 4.5 مليون فلسطيني)، كانت ستمثل خزاناً شعبياً يمدّ مشروع التحرر بطاقة بشرية غير منتهية. وبغض النظر عمن يتحمل المسؤولية عن هذا الخروج المذلّ (يقال إنّ قوى اليسار هي التي دفعت إلى هذا الصدام)، فإنني لن أكذّب ما نقل عن أن ممارسات بعض قيادات «المنظمة» في الأردن كان يشوبها «الزعرنات» والاستقواء بالسلاح (رأينا ذلك مع عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة والضفة)، لكنني سأصدق كذلك أن المنظومة الأردنية التي ترى في الوجود الفلسطيني خطراً أكبر من إسرائيل وعملت على تفكيك «المنظمة» منذ عام 1966، هي من أكثر المعنيين بمنع القتال المسلح من الضفة الشرقية لنهر الأردن.


كان الدخول في معارك
جانبية كفيلاً بضياع مظلوميتنا في صبرا وشاتيلا


وفي ظل الخلاف الفلسطيني ــ السوري على المستوى السياسي أيضاً، وصلت «منظمة التحرير» إلى لبنان، حيث البلد الذي استقلّ مرتين الأولى عن فرنسا والثانية عن نفسه (سوريا)، وحيث قمة التشابك الطائفي والمذهبي والسياسي في كل الأقطار العربية تقريباً. مجرد دخول/ إدخال المنظمة إلى بلد مثل لبنان كان حكماً بانتهاء مشروع التحرر الفلسطيني. لا يمكن لعاقل التصور أن الوجود الفلسطيني في لبنان سيرفع السلاح في وجه الاحتلال فقط، وسينأى بنفسه عن بلد فرضت الاختلافات الكبيرة فيه حرباً طائفية مدمرة، بل لا شك في أن القيادة الفلسطينية كانت ستجد نفسها بطريقة أو بأخرى، أحد «مجرميها» وضحاياها في آن. وليس صحيحاً أن هذا الوجود هو السبب الوحيد والأساسي لانطلاق شرارة الحرب الأهلية في لبنان، فالعوامل الموضوعية لهذه الحرب كانت مهيأة، كما الآن، لوقوع الاشتباك، ولم يلزم سوى إدخال الفلسطينيين وسطها، لنصير نصرخ بعدها «يا وحدنا» ويكتب محمود درويش «كم كنت وحدك يا ابن أمي».
في بلد مثل لبنان، حيث تتشابك المصالح الدولية والإقليمية، لا شك أن العين واليد الإسرائيلية لم تكن بعيدة عن صناعة هذا الصراع الذي سيقلل التكلفة عليها، وهو فعلاً ما نجحت فيه، باحتلال سريع للجنوب اللبناني، وإخراج «منظمة التحرير» بعيداً عن دول الطوق الأربع، حيث يصعب عليها العمل للتحرر من أواسط القارة الأفريقية مثلاً. برغم ذلك، وحتى لا تُلقى الملامة كلها على إسرائيل، فإن أكثرنا يتذكر جيداً مشاهد خروج المنظمة من لبنان (1982)، ولكنهم لا يعرفون أن ياسر عرفات عاد إلى هذا البلد من بوابة طرابلس (1983)، ولم تكن عودته فرصة لمحاربة إسرائيل مجدداً، بل تحولت، بقصد أو بغير قصد، إلى حرب المخيمات (1985 ــ 1987)، لم يحارب فيها الإسرائيلي أو يرفع فيها شعار التحرير، ويمكن البحث عن الأيدي الخليجية وراء ذلك.
حتى إن مظلوميتنا في مجازر صبرا وشاتيلا كان كفيلاً بضياعها الدخول في معارك جانبية لحسابات خارجية قاتلنا فيها نيابة عن أنظمة عربية رجعية، مقابل ما نراه للإسرائيليين من استغلال وقح لقضية المحرقة النازية حتى يومنا هذا، بل إلى درجة صرنا نحن ــ الفلسطينيين ــ المتهمين بتحريض أدولف هلتر على فعل المحرقة كما يحاول بنيامين نتنياهو أن يكذب في القرن الحادي والعشرين جهاراً نهاراً!
خلال هذه السنوات أيضاً (1980 ــ 1988)، لم تكن تجربة القيادة الفلسطينية في التوسع إقليمياً وخارج القطر العربي نحو إيران أكثر نجاحاً. أقل من عام أو اثنين وكان أبو عمار نفسه قد هدم ما بناه في طهران من تحالف جديد ــ أثبت لاحقاً أنه الداعم الأقوى للمقاومة اللبنانية والفلسطينية بغض النظر عما آل إليه الآن ــ باصطفافه بجانب العراق، الذي أقر رئيسه صدام حسين بأنها كانت حرباً ظالمة لتدمير «قدرات إيران الخيّرة» ودفعه إليها من تآمروا عليه حينما احتل الكويت.
تكرر الخطأ حتى مع الكويت نفسها، التي كانت تحضن قرابة نصف مليون فلسطيني، خرجوا بطريقة مذلة بعدما خسروا ما بنوْه من تحصيل أكاديمي ومهني ومالي هناك، وأكسبتهم «المنظمة» بذلك عداوة تاريخية قلّما نجد بسببها تعاطفاً شعبياً كويتياً مع فلسطين، بل إن التعبير الأكثر فجاجة عن كره الفلسطينيين كان من الكويت التي لم نشارك فيها بإطلاق رصاصة، ولا نزال إلى اليوم نتحدث عن التعويضات المستحقة لبعض تلك العائلات، فكيف لو نظرنا إلى لبنان وسوريا التي ولدت فيها قيادة عاقلة تحالفت معنا لاحقاً وحاربت ما استطاعت نتائج العنصرية ضد الفلسطينيين؟
انتهت حقبة «منظمة التحرير» وكفاحها المسلح الذي حوى عمليات نوعية لم تنفذ مثلها حركة «حماس» إلا مؤخراً، وذلك بتوقيع اتفاق تسوية نقلها إلى نوع آخر من التعاطي الخارجي، فباتت الدبلوماسية هي الشعار الذي ترفعه السلطة الفلسطينية، وصار مقاتلو الجيل القديم يلبسون «البدل وربطات العنق» ويتعلمون «الاتيكيت» ويعملون على تقوية أنفسهم باللغة الإنكليزية، بل صار المتداول شعبياً أن أبو عمار قال إنه مستعد لتقبيل أيدي الزعماء العرب في حال كان ذلك لمصلحة شعبه بعبارة يتذكرها أبناء تلك المرحلة (1994 ــ 2002).

المفترق الأول في سوريا

عندما اشتعلت الانتفاضة الثانية، سطع نجم «حماس» ومعها «الجهاد الإسلامي»، وعادت فيها «فتح» إلى الكفاح المسلح لكن بوتيرة أقل. كانت الحركتان تتخذان من دمشق مقراً ومن بيروت مقراً ثانياً وممراً ومن طهران سنداً. عاشت هاتان الحركتان، كما أقرّتا، في «نعيم» سوريا. وقالت الرواية الحمساوية إنها عاشت في ضيافة الشعب السوري لا النظام، وهو ما لا يخفي كيداً سياسياً عظيماً، لأنه لا يعقل أن تعيش في بلد كسوريا دون دعم نظامه لك بل تحالفه معك، ولكنك في الوقت نفسه لا يمكنك أن تنكر للشعب دوره ورضاه.
خلال سنوات «العز» كما يسميها من زار الشام من غزة، أي قبل 2011، لم يكن يعرف طبيعة هذا «العز» سوى الذين ينعمون فيه، بل إن من كان يحرّض علانية وسراً على حزب الله، من باب أوْلى، لن يشرح لعناصره وجمهوره ماهية الدور السوري في دعم المقاومة، بل تركهم بداية «الثورة» يروجون لجدلية أن النظام «النصيري» لم يطلق رصاصة على الجولان منذ أربعين سنة، كأن القادمين من شتات العالم آتون لبدء حرب التحرير من الجولان.
خرجت «حماس» لأسبابها المختلفة عن «الجهاد الإسلامي»، ولكن الأولى أطلقت مواقف «جريئة» معلنة انقلابها على التحالف السابق مع الرئيس بشار الأسد، الذي كان خالد مشعل، يمدحه أمام الجمهور علانية وبصوت عالٍ ، وهي الحالة نفسها التي تتكرر مع كل حليف نعلي في مدحه صوتنا، وكذلك عند هجرانه نعود لننقلب على مواقفنا بفجاجة.
ثبت لاحقاً أن هذا الخروج لم يكن في سياقه العادي (حدوث احتجاج شعبي أو مسلح في البلاد) أو لأسباب أمنية فقط، بل في سياق تسجيل اصطفاف جديد. هذا الاصطفاف لم تصرح به «حماس» بإعلانها «الوقوف إلى جانب الشعب السوري» ولا بالقول إنها لا تقف في «الباطل» بجانب من وقف معها في «الحق»، بل كان باختيارها الذهاب إلى قطر تحديداً.
قد يكون مفهوماً أن مصر لم تكن لتستقبل المكتب السياسي للحركة في زمن حسني مبارك، ولم تكن قادرة على ذلك في «سنة» محمد مرسي، ولم يكن أيضاً ليختلف شيء في حال قررت «حماس» أن تختار تركيا مكاناً بديلاً بما أن الأخيرة وقفت في الصف القطري ــ الإماراتي ــ السعودي ــ الأردني نفسه ضد سوريا. وإن كان ثمة من تفهم لإخراج الخرطوم أو صنعاء أو طهران (لاعتبارات جغرافية ودولية) أو عمّان (لاعتبارات سياسية وأمنية) من الخيارات، كان غريباً ألا تطلب الحركة الذهاب إلى بيروت (لضرورة وجود المكتب الأول في دول الطوق)، برغم أن ثمة إقراراً حمساوياً غير معلن، بأن حزب الله عرض على الحركة ذلك مع تحمله كامل المسؤوليات والتبعات عن هذه الاستضافة، ثم دافعت الحركة عن اختيار الدوحة بناء على أن العلاقة معها أقدم حتى من العلاقة بدمشق. كيف لا وهناك امتيازات المال وحرية الحركة على غير بيروت المأزومة مالياً؟
حتى إنه في إحدى الجلسات القيادية التي جمعت بعض الفصائل قفز أحد قياديي «حماس» ليذكر لقيادي في «الجبهة الشعبية» بأننا نصحنا ياسر عرفات بألّا يقف مع العراق في حربه على الكويت وأن يأخذ موقفاً حيادياً، ليردّ عليه القيادي الجبهاوي بتذكيره أنه شخصياً كتب قبل أيام من الاجتماع منشوراً على «فايسبوك» عن «مجزرة دوما» وطالب تلميحاً بتدخل دولي شبيه بالحلف المشكل ضد «داعش»، ليشن حرباً على دمشق!


البراميل المتفجرة أو القنابل الأميركية؟

وبرغم أن الاعتبارات الإنسانية هي ما كان يقدم في الدعاية الإعلامية الفلسطينية، خاصة الحمساوية، لتبرير انقلاب الموقف من سوريا (قتل الأطفال، واغتصاب النساء، والبراميل المتفجرة، والأسلحة الكيماوية)، فإن ذلك لم يتكرر في الرواية عن الحرب السعودية ــ الدولية على اليمن التي استخدمت فيها صواريخ وقنابل أميركية ذاق ويلاتها الفلسطينيون ويعرفونها جيداً. لكن، كما لم يعرف الفلسطينيون في غزة والضفة من هي دمشق إلا بعدما مضى عام على الحرب الجارية وصار من الممكن كشف ما كان سرّاً وسبباً للإدانة الدولية بالأمس (تصنيع الصواريخ للمقاومة)، لا يعرف الفلسطينيون من هم الحوثيون حقاً، لا مذهبهم ولا مظلوميتهم ولا تاريخ حروبهم ولا حتى تضامنهم الحقيقي مع فلسطين وغزة خصوصاً.
هنا وقف الفلسطينيون على مفترق ثانٍ، خضعوا فيه لتأثير القرار السياسي المشترك للفصائل الحاكمة والمقاومة، إما بالتذلل للسعودية (للحصول على المال أو شرعية دول الاعتدال) وإما بالصمت تحت شعار «الحياد» الكاذب، مع أنه كان يجب عليهم أن يصدحوا بحقيقة مظلومية اليمنيين أمام آلاف الأطنان من المتفجرات الساقطة يومياً على رؤوسهم من أجل رئيس انتهت صلاحية وجوده على الكرسي! وأصلاً، لم تقل أي من الفصائل التي انقلب موقفها من سوريا إن سبب ذلك هو «التمدد الإيراني»، بل رفعت الشعارات الإنسانية، لذلك فإنه لا يحق لها أن تتحدث عن «تمدد إيراني» تعيش هي على خيره، في مجابهة السائلين عن صمتهم بشأن اليمن، ومباركة الحرب السعودية باسم محاربة ذلك التمدد.
بالعودة إلى سوريا، فإن مصير المعركة سيحدد مصير فلسطين. حقاً إنها ليست كذبة ككذبة الحياد التي ترفعها بعض الفصائل، ولا تزال تؤكد وتشدد كل يوم على «أننا لا نتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية (وغيرها)، وخاصة مصر». مجانين من لا يتخيلون كيف ستكون المنطقة بلا سلاح قوي يقاتل إسرائيل، في ظل أنظمة كمصر والأردن وتركيا وقطر والسعودية! فعلاً لم يكن أسوأ ما في الانقلاب على الموقف من سوريا الانقلاب بحد ذاته، بل أنه كان انقلاباً على الذات... أو كأن أحداً كان ينتظر أن يتعلم تصنيع سلاحه بيده (الصواريخ على الأقل)، حتى يعلن الطلاق من داعميه الذين تحمّلهم من أجل المصلحة بميكافيلية فاضحة، ثم تخيل أن بإمكانه محاربة إسرائيل وحده، وفي اللحظة التي شعر فيها أنه صار وحيداً عاد ليشكر داعميه علناً!

الفوز التركي «نصر للأقصى»

على الأقل، يمكن لنا أن نحمد الله على أن التدخل الفلسطيني (سواء الحمساوي أو الفتحاوي) في مصر كان تدخلاً سياسياً وإعلامياً وليس عسكرياً أو أمنياً، وكان ذلك نتيجة تجربة انتخابية، أدت أخرى شبيهة بها إلى معركة دامية بين «فتح» و«حماس» قبل سنوات «الربيع العربي».
هذه المرة، انطلقت التصريحات الفلسطينية ــ الإسلامية فرحة بفوز حزب «العدالة والتنمية» في الانتخابات البرلمانية التركية بعدما كان قد خسرها قبل أشهر. ومن مضمون ما قيل إن هذا الفوز هو «انتصار لفلسطين والقدس والمسجد الأقصى»، مع أنه بالأمس كان هناك من يسخر من قول أحدهم عن أن طريق القدس تمر بالانتصار في المعركة في سوريا ضد «داعش» و«جبهة النصرة» وشبيهاتهما... أو كأنما كان «العدالة والتنمية» يتنافس مع «الليكود» أو «إسرائيل بيتنا»، بل إن غالبية من صفقوا لهذا الفوز لا يعرفون شيئاً عن الأحزاب المنافسة (تماماً كما في الحالة اليمنية).
كذلك هناك من الاتجاه السياسي نفسه الذي «بارك الفوز» الانتخابي، من قال إن هذا الفوز «هدية من الشعب التركي العظيم لفلسطين ولكل القضايا العادلة في العالم»، وإن «صدى فوز العدالة والتنمية يتردد في فلسطين والقدس وغزة»، وأيضا من دعا إلى أن تخرج غزة كما فعلت أيام فوز محمد مرسي للفرح في الشوارع. وأضاف ثالث أن هذا «النصر أغاظ الصهاينة ورد كيدهم في نحوره، ولم يشمت الحاسدين والحاقدين برجال تركيا أصحاب ثورة التطور التركي، وأعطى أملاً جديداً في مستقبل المنطقة، في الحرية والديموقراطية والتطور».
وإذا كان بإمكاننا ألا نرى في هذه الأقوال سوى نتيجة طبيعية لفرحة كبيرة تغمر تيارات سياسية متشاركة في الأفكار، فإنه لا يمكننا فهم ما قيل عن أن فوز «العدالة والتنمية» كان «خيبة أمل لكل من راهن على عدم الاستقرار في تركيا، وأن تشكيل حكومة جديدة (معروف أنها حكومة حزب واحد) سيحفظ استقرارها (تركيا) ويحميها من المكائد التي تعصف بالمنطقة»، سوى في إطار الدخول المباشر في الاصطفافات الحالية والواضحة، ثم ادعاء الحياد مجدداً؛ وبالمناسبة فإن التصريح الأخير لم يكن صادراً عن «حماس»!
في المقابل، فإن محاولة استحضار صور سابقة للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مع عدد من القادة الإسرائيليين، الأموات والأحياء، المسؤولين عن مجازر بحق الفلسطينيين، كانت عزفاً على وتر مقطوع. فهل مثلاً نرى أنفسنا في حاجة إلى توضيح طبيعة العلاقات التركية ــ الإسرائيلية وعمقها، في ظل أننا أعلنا منذ أشهر أن قطر التي لها ما لها مع إسرائيل جزء من «مشروع المقاومة»، الذي كان يسمى «محور المقاومة» قبل سنوات؟ أو هل نحن بحاجة لنتجادل في كون الإسرائيليين فرحين بالنتيجة أو مستائين منها، ونحن الذين يصرّ نصف شعبنا على أن ما جرى في غزة عام 2006 كان يوماً «مجيداً» برغم أنه أفرح الإسرائيليين كثيراً؟
من الحق القول إن على من عجز عن حل أزمة معبر رفح كلياً بأي طريقة كانت ــ برغم تعاقب أربعة «أنظمة سياسية» على مصر وعقد أكثر من اتفاق مصالحة خلال ثماني سنوات ــ إدراك أن تقديم الحلول السياسية أو التصورات لمستقبل الدول ليس مهنة سهلة، إلا إن كان بعض قادة الفصائل قد قرروا التحول إلى محللين سياسيين وعسكريين من هؤلاء الذين يظهرون كثيراً على شاشات التلفزة.
لن نقول، في الوقت نفسه، إنه ليس علينا التدخل في أي شأن عربي ونحن الذين نطالب العرب بالتدخل في شأننا بل تحريرنا من الاحتلال. لكن علينا أن نراعي المصالح الحقيقية للقضية الفلسطينية لا المصالح الحزبية التي تزيد ضيقاً، خاصة إن كنا نرفع شعار المقاومة المسلحة المعروفة أبوابها في المنطقة. ونحن ــ الفلسطينيين ــ أكثر الشعوب العربية التي عانت الاضطهاد والموت ونعرف جيداً معنى خسارة أحد أولاده أو بيته، والواجب الشرعي والإنساني يحتّم علينا أن نعترض صراحة على القتل أينما كان، لكن يجب أن نفقه أولاً من هو الحليف الحقيقي من العدو، ومن العميل، حتى ندرك ما يجب أن نقوله تحديداً، لا أن تعطي قياداتنا شعبها مبررات كاذبة كي تكسب تعاطفهم مع جهة ما وكرههم لجهة أخرى، مطمئنة إلى أن لا أحد سيخرج ليحاسبها على ما فعلته بمصيرنا، كأن مشروع التحرر عمل تطوعي وليس واجباً يساءل عنه المخفق ويمدح فيه المنتصر.
وفي الجهة المقابلة، من يحاول القول إن الاحتلال الإسرائيلي مشكلة فلسطينية وليس مشكلة العرب هو أحد الشركاء الأساسيين في بقاء واستمرار هذا الاحتلال. فمن يقاتل إسرائيل في لبنان وسوريا هو يدافع عن دمشق وبيروت قبل القدس، لأنه لا يخفى عليه الطمع الإسرائيلي، الذي تقلص من مقولة «من النيل إلى الفرات» في السنوات القليلة الأخيرة، بفضل ما فرضته المقاومة في لبنان وغزة والضفة والقدس من ردع، أقل آثاره تجلت في بناء الجدار الفاصل.
أخيراً، من المطمئن أن العقلية القيادية الفلسطينية الحالية للمقاومة، وغالبيتها من خلفيات إسلامية، أعادت إنتاج تجربة «منظمة التحرير» مرتين على الأقل، وهذا ما يجعلنا نرتاح فعلاً إلى أنه قد تعاد التجربة مرة أخرى مع قطر وتركيا، مثلاً، ويصبح «أصدقاء» هذا اليوم أعداء الغد... إلا إن انتهى تأثير هذه الدول في الواقع الفلسطيني وانكفأت عن ذلك لسبب داخلي أو غير ذلك (كتحولها إلى دول فقيرة أو مأزمة اقتصادياً)، إلا في حال كان هناك من قرر الانبطاح والدخول في مشروع تسوية، ولا يلعب بورقة الحرب إلا للتحريك بعيداً عن التحرير.
* من أسرة «الأخبار»