إن مراقبة تصرفات الحركات الإسلامية، ممثلة بجناحها الأكثر قبولاً واعتدالاً، أي الإخوان المسلمين، الذين وصلوا إلى الحكم في العالم العربي بعد انطلاق ثورات الربيع العربي، ستكشف أن الحركة الإسلامية العربية تسير، وعلى نحو سريع نحو مصير المشاريع التي سبقتها إلى الإفلاس عربياً: المشروع القومي والماركسي والليبرالي، إذ هي تسير على الطريق نفسه الذي سلكه أصحاب المشاريع الأخرى (سواء التي تسلمت الحكم منها أو لا)، على الصعيدين الفكري/ الإيديولوجي والمسار السياسي، جامعةً بذلك أخطاء الطرفين في تجربة واحدة.

أول ما يلفت الانتباه في مسيرة الحركة الإسلامية العربية، وخاصة بعد اندلاع الربيع العربي، هو سعيها إلى الاندراج في المنظومة السياسية والإقليمية لحزب العدالة والتنمية التركي (رغم أنّها الأسبق زمنياً من حيث النشوء) الذي باتت تعدّه مرجعاً ونموذجاً لها، بعد النجاح الذي حققته تركيا منذ 2002 على صعيدي الاقتصاد داخلياً والدور الإقليمي خارجياً. ولعل تفحص الحضور العربي/ الإسلامي في المؤتمر الرابع لحزب العدالة والتنمية التركي يشي بشيء من هذا. ليست المشكلة في تبني الحركات الإسلامية لنموذج يعد ناجحاً فعلاً في بعض جوانبه، لكن المشكلة في التقليد الأعمى لهذا النموذج، بعيداً عن الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات التاريخية لكل مجتمع من المجتمعات التي توجد فيه هذه الحركات، إضافة إلى الاندراج في المحور الدولي الإقليمي التي يندرج به النموذج/ المركز الإسلامي (أنقرة)، أي المحور الأميركي/ الغربي الذي لطالما نازعه التيار الإسلامي العداء، في الوقت الذي تبقى فيه بناه الفكرية قائمة على هذا العداء! أي إن التحول السياسي في بنية التيار الإسلامي باتجاه الغرب لم يأتِ استجابة لتحولات فكرية ومراجعات عصفت ببنيانه التحتي، بل جاء تحولاً من فوق فقط، وفي تناقض مع البنية التحتية، التي بقيت معادية للغرب، وهذا ما تعكسه بوضوح احتجاجات القاعدة الشعبية للإسلاميين ضد الغرب على خلفية الفيلم المسيء إلى الرسول، في الوقت الذي مثّلت فيه قيادتهم السياسية عامل كبح ضد قاعدتها نزولاً عند أوامر «العم سام».
التقليد الأعمى للمركز التركي، ومحاولة استنساخ التجربة التركية، يدلان على قصور فكري قليل النظر عند الإسلاميين، الذين لم يراجعوا تجاربهم على ضوء الفشل الذي منيت به المشاريع القومية والليبرالية والماركسية، التي استنسخت تجارب الغير لتبقى مشدودة إلى عواصم البلدان التي أنتجت الإيديولوجيا والفكر، اللذين تبنتهما هذه الحركات. التجربة الماركسية/ اللينينة/ الستالينية العربية تعد أكثر الأمثلة تعبيراً ضمن هذا السياق، لأنّ مراجعة تجربة الأحزاب الشيوعية في العالم العربي ستجعلنا نجد انشداد هذه الأحزاب منذ تأسيسها نحو المركز السوفياتي، بحيث كان حضور لينين وستالين وموسكو أكثر حضوراً من قضايا داخلية كان يجب أن تحضر في برامج هذه الأحزاب، مع استثناءات قليلة، تمثلت في بعض الانشقاقات الشيوعية، منها في سوريا الحزب الشيوعي ــ المكتب السياسي (حزب الشعب الآن) بقيادة رياض الترك، الذي حاول جزئياً الانفكاك عن منظومة المركز الشيوعي الستاليني البكداشي لمصلحة قضايا وطنية داخلية، دون أن ينعكس هذا الأمر في خطه السياسي، الذي بقي مشدوداً إلى الخارج لمواجهة ديكتاتورية الداخل. وهو ما تجلى في تلقي الحزب مبالغ نقدية من الرئيس العراقي السابق صدام حسين بدءاً من 1978 حتى نهاية أزمة الثمانينيات، كما ذكر الباحث محمد سيد رصاص، وفي التعويل على الخارج في إحداث تغيير في الداخل منذ احتلال بغداد 2003 حتى اللحظة، لكن يفترق التيار الإسلامي عن التيارات الأخرى بكونه ابناً شرعياً للمحيط الذي ولد فيه، إلا أنه تخلى عن أن يكون مركزاً لمصلحة النموذج التركي، الذي أثبت نجاحه، أي ثمة تحوّل من الأصيل لحساب الدخيل، على عكس تجارب التيارات الأخرى، التي بقيت طرفاً ثانوياً مشدوداً إلى المركز في الولادة والالتحاق.
الأحزاب الإسلامية تكرر حالياً الخطأ نفسه، إذ تعمل على استنساخ التجربة التركية. إنّ تأمل أسماء الأحزاب الإسلامية العربية بعد الربيع العربي سيضعنا أمام استنساخ تقليدي غير مبدع، إذ لم يستطع الإسلاميون الارتقاء بمستوى أسماء أحزابهم، فهل سيستطيعون الارتقاء بتجاربهم؟
في مصر، التي تعدّ مسقط رأس الإخوان المسلمين، أسس الإخوان حزبهم السياسي الذي حمل اسم «الحرية والعدالة»، وفي ليبيا أسسوا حزب «العدالة والبناء»، وفي المغرب «العدالة والتنمية». إنّ مقارنة أسماء الأحزاب المذكورة باسم الحزب التركي «العدالة والتنمية» ستجعلنا نكتشف مدى الاستنساخ الحاصل في التجربة. وإذا كانت الأسماء بحد ذاتها ليست دليلاً على أن تكون الممارسة استنساخية، فإنّها تعدّ مؤشراً إلى طريقة التفكير التي عجزت عن اختيار أسماء تمثلها ولا تتطابق مع النموذج المتبنى، فما بالك إن كانت التجارب تدل على ذلك أيضاً، أي عجزت حتى الآن عن أن تخرج من ثنائية «المطبّقُ مطبّقاً» لمصلحة «المطبّقُ مبدعاً» بلغة الطيب تيزيني.
وفي استنساخ آخر، يبدو أنّ الأحزاب الإسلامية بدأت تسير على درب الاندراج اقتصادياً في المنظومة الليبرالية بشقها الأميركي، أي الانصياع لبرامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاعتماد على المساعدات الاقتصادية التي تتطلب تنازلاً سياسياً، وهو ما يعني أنّها تسير على النهج نفسه الذي سارت عليه الأنظمة التي ثارت عليها سابقاً. سياسة الرئيس المصري محمد مرسي حتى اللحظة تعدّ المثال الأوفر على هذا الأمر، فالحكومة الجديدة تسعى إلى أخذ قروض من صندوق النقد الدولي برعاية أميركية، ووافقت قطر وتركيا والسعودية على منحها قروضاً لقاء الاندراج ضمن محور الدول الفاعلة لإسقاط النظام السوري. وهنا ثمة فرق بين الوقوف إلى جانب الشعب السوري في قضيته العادلة، وتجيير تلك القضية لمصلحة الدول التي تريد إسقاط نظام دمشق، لأجندتها الخاصة المعادية حتماً لمصالح السوريين كشعب.
إلا أنّ المعيار الأهم الذي يمكن من خلاله معرفة مدى سير الإسلاميين في طريق الفشل هو الموقف من إسرائيل، وخاصة أنّ الأحزاب الإسلامية بكافة إيديولوجياتها تتوحد على فكرة العداء لإسرائيل، ولطالما كانت القضية الفلسطينية شعاراً وستاراً لها للتظاهر ضد النظم المستبدة التي ثارت عليها، حين ما كان بإمكانها التظاهر ضد الاستبداد بشكل مباشر. إنّ مقارنة الأحزاب التي كانت في السلطة بتجربة الإخوان المسلمين، ستجعلنا نجد تقارباً واضحاً بين التجربتين، إذ كانت الأحزاب الحاكمة ترفع فلسطين شعاراً أساسياً لها قبل وصولها إلى الحكم، لتصبح فلسطين مجرد شعار بعد وصولها إليه. تجربة الإسلاميين القصيرة في الحكم تدل على ما سبق وبأسرع مما توقعنا، إذ أكد الرئيس المصري محمد مرسي أنّه سيحافظ على اتفاق كامب ديفيد ظاهراً، وعلى أمن إسرائيل باطناً، ليحظى بالرعاية الأميركية التي تعمل على رفع الدور الإقليمي المصري ليحصد الفراغ الناتج عن انهيار الدور الإقليمي السوري، وليواجه الدور العراقي الذي تسعى إيران إلى تسويقه في المنطقة بديلاً عن دور حليفها السوري، الذي يتضعضع. وكذلك أقدم مرسي على منح الرئيس الراحل أنور السادات، الذي اغتاله الإخوان أنفسهم، قلادة النيل العظمى ووسام نجمة الشرف بمناسبة الاحتفال بذكرى حرب 1973، وذلك رغم خلافهم التاريخي معه، على خلفية اتفاقية كامب ديفيد، وهو ما يعني تحديد الوجهة التي ستسير فيها مصر، لما يعني الأمر أيضاً من إرسال رسائل واضحة إلى الراعي الأميركي، بأننا «قدّ المهمة وقدود». ذلك عدا التطبيع مع إسرائيل، الذي بدأه الإخوان فعلياً، إذ كشف الدكتور سعد الدين إبراهيم في تصريحات لوكالة أنباء «أونا ONA»، عن مشاركة وفد من جماعة الإخوان المسلمين في مؤتمر عن الأمن والتعاون الإقليمي في الشرق الأوسط في العاصمة التشيكية «براغ»، بتاريخ 31 أغسطس/ آب الماضي، مع باحثين وأكاديميين من أوروبا وأميركا وإسرائيل ومصر ودول عربية أخرى.
في تونس، كانت النهضة حتى وقت قريب هي من يرفع شعارات رفض التطبيع مع إسرائيل، وانسحب نوابها العام الماضي من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة احتجاجاً على وجود يساريين تتهمهم بالتطبيع مع إسرائيل، لتسارع منذ توليها الحكم إلى التنصل من الأمر، على الرغم من أنّ مؤتمرها التاسع أقر بضرورة «تحريم التطبيع مع الكيان الصهيوني»، مشيراً إلى أنّ القضية الفلسطينية «تبقى قضية مركزية للأمة»، لكنها ترفض الآن إدراج نص في الدستور الجديد يجرم التطبيع والمطبعين، إذ قال عضو النهضة ورئيس لجنة صياغة الدستور «الحبيب خذر»: «لا داعي إلى النصّ على تجريم التطبيع؛ لأن دستور تونس سيكون أطول عمراً من دولة إسرائيل». وسبق لوزير الخارجية رفيق عبد السلام، الذي يعدّ من قادة الحركة أنّ قال إنّه لا يؤيد فكرة تخصيص بند في الدستور التونسي الجديد يُجرّم التطبيع مع إسرائيل. هنا نلحظ البراغماتية والفصام الإسلامي، إذ ثمة خطاب للاستهلاك الشعبي يتضمنه «رفض التطبيع»، الذي أقره مؤتمر النهضة، وخطاب آخر للخارج يرفض وضع نص في الدستور، لتصاب الإيديولوجيا الإسلامية قبل غيرها بالفصام نفسه، الذي كانت تعانيه إيديولوجيات الأحزاب الحاكمة، إذ في سوريا كانت الحرية ثاني شعار في ترتيب شعارات البعث، لكنّها انعكست استبداداً وفاشية في التطبيق. هنا يعتقد الكثيرون أنّ الإسلاميين وقّعوا اتفاقاً غير معلن مع واشنطن، يقضي بقبولهم سياسياً وعالمياً مقابل قبول التطبيع الذي يمهد لقبول إسرائيل دولة طبيعية في المنطقة. وهنا يبدو أنّ الإسلاميين لم يتعلموا بعد من تجارب الاستبداد السابق لهم، أنّ فلسطين قضية أخلاقية قبل أن تكون قضية شعب هجر قسم منه من أرضه، ومن بقي لا يزال يواجه أبشع استيطان عرفته البشرية.
* شاعر وكاتب سوري