«يسقط يسقط مرسي مبارك». هكذا بات ينظر قطاع لا بأس به من المصريين إلى الرئيس المنتخب، محمد مرسي، الآتي من جماعة الاخوان المسلمين. الشعار لم يأت بمحض الصدفة أبداً، بل كان وليد حساسية «جمعية» تفاقمت في الآونة الأخيرة، وغدت رافعة فعلية لقوى تنحدر من مشارب ومنابت شتّى. نتحدث هنا عن ظاهرة مشروطة ومؤقّتة رغم أهميتها. ولأنّها كذلك لا تبدو قابلة للحياة كثيراً. فعندما يتقاطع اليمين واليسار ويصطفان معاً في مواجهة خصم ثالث، نصبح إزاء مشكلة جديّة اسمها العدمية الاجتماعية.


مشكلة يتعيّن على القوى التي دعت إلى محاسبة مرسي على المئة يوم الأولى من ولايته أن تحلّها. وتتفاقم المشكلة أكثر كلّما بدا أنّ هنالك انعداماً للوعي بها وبمأزقها الطبقي. مثلاً من بين كلّ الشعارات التي رفعت في الخميس الذي سبق «جمعة كشف الحساب»، كان شعار تعيين الحدّين الأقصى والأعلى للأجور هو الأقلّ حضوراً بالنسبة لغيره. وحدهم الاشتراكيون الثوريون وبعض الأحزاب اليسارية الأخرى، حاولوا التأكيد على مركزية هذا الشعار وعلى أسبقيته على باقي الشعارات الأخرى. لو تابعنا جيداً التغطية الصحافية التي واكبت الاحتجاجات المناهضة لمرسي في هذين اليومين، لوجدنا أنّها انشغلت بتسويق الشعارات التي تهمّ النخبة حصراً. وهذا ليس بغريب على صحافة يملكها رأس مال لا يعنى بشيء قدر اعتنائه بنحت المصطلحات وتحديد أيّ منها هو الأصلح للفصل بين الطبقة كمفهوم والسياسة كمزاولة لها (عبر ممثليها) داخل المجتمع. لنأخذ مثلاً «مطلب» (اقرأ: مصطلح) «حلّ الجمعية التأسيسية». لا يبدو هذا «المطلب» في صلب اهتمامات الطبقات الشعبية المعنيّة أكثر من غيرها بتثوير المجتمع. ورغم ذلك نجده يستحوذ على اهتمام غالبية النخب المصرية ويحتلّ الحيز الأكبر من نقاشاتهم المعلنة. هؤلاء كانوا على رأس الداعين لتظاهرات 11 و12 تشرين الأول، وما دعاهم إلى ذلك هو العداء لهيمنة الإخوان المسلمين حصراً. عداء لا يقوم إلّا على قاعدة فكّ الارتباط بين الإخوان كمزاولين للسياسة بمعناها المبتذل، والإخوان كتكوين طبقي كومبرادوري! بكلام آخر يتعفّف هؤلاء عن القول صراحة إنّهم ضد الأخوان لكونهم يحاولون إعادة إنتاج اليمين الذي «أوجدته» قطيعة السادات مع الحقبة الناصرية (رغم ما كان يشوبها هي الأخرى من تشوّه في مزاولة السياسة من موقع اليسار). لذلك تحديداً لا يجد المرء في خطاباتهم إلّا رطانة تعادي السلطة الطبقية لكنه موقع لا يتناقض كثيراً معها. وهذا ما يفسّر أيضاً التهميش الفظيع الذي طاول مطلب تصحيح الأجور المرفوع من جانب قوى تعتبر من صلب التحرّك ضد هيمنة الإخوان. ثمّة احتمالان ممكنان لهذا التشوّش في سلوك القوى التي يصنّفها الخطاب المهيمن في خانة «المدنية»: إمّا أنّها تجهل «تموضعها الحالي» في مواجهة يمين ديني معنيّ بتكريس امتيازات طبقية ورثها من عهد مبارك، أو أنّها تعي ذلك وبالتالي تسعى لدفن تواطؤها مع السلطة تحت طبقات من السجالات السياسية الرخوة. في الحالتين نحن أمام خطاب يزعم أنّه معارض للسلطة، ويبيع فوق ذلك للناس أوهاماً حول عدم التعارض بين أن تكون منحازاً ضدّ السلطة ومنحازاً لها في الآن ذاته. الارتباك هنا ناجم عن طمس فكرة الانحياز الاجتماعي كمحدّد للصراع السياسي في مصر اليوم. صراع بدأ يتبلور أكثر فأكثر ويفرض نفسه على المصريين بما هم طبقات اجتماعية في قيد التشكّل. وما يساعد حالياً على تشكّلها واقع الإضرابات العمالية التي لا يصلح التحدّث عن وجود طبقات إلا في ضوئها. والفكرة هنا لا تحتاج إلى كثير من الشّرح: التلازم بين فعل الإضراب وصيرورة الطبقات اجتماعياً هو شرط لوجود الصراع من عدمه. إذ لا صراع سياسياً ممكناً من دون انحيازات اجتماعية لأطرافه المختلفة. والموقف الذي يأخذه المرء من هذا الحزب أو ذاك يتحدّد في ضوء تلك الانحيازات لا العكس. والمشكلة اليوم أنّ العكس هو الذي يحصل طوال الوقت. فباستثناء حزبين يساريين أو ثلاثة في مصر (الشيوعيون الثوريون والحزب الشعبي الاشتراكي والحزب الاشتراكي) لا يكاد المرء يقع على أيّ طرح يواجه الإخوان من موقع المعترض على سياساتهم الاجتماعية المنحازة ضد الفقراء والمهمّشين. وبدلاً من ذلك ينحصر الاختلاف في انشغالات النّخبة فحسب. ويصدف أن تكون هذه الانشغالات هي ذاتها انشغالات رأس المال الذي يملك الميديا ويرسم لها حدود «سلطتها». طبعاً هنالك استثناءات صحافية تحاول بين الحين والآخر الإفلات من هذا التعريف الوظيفي لمفهوم المعارضة السياسية. والأمثلة على ذلك كثيرة، منها مثلاً «البديل» اليسارية التي ضاق ممولوها أخيراً ذرعاً «بشغب» رئيس تحريرها السابق خالد البلشي، فاضطرّ الرجل إلى مغادرة التجربة مرغماً. هنالك أمثلة أخرى ولكنّها لا تشبه كثيراً تجربة «البديل»، وتكاد تبدو في إخراجها الإعلامي أقرب إلى صيغة التحالفات التي تبنى اليوم في مواجهة الإخوان بين اليمين واليسار العلمانيين (وكأنّ الإخوان ليسوا يميناً بدورهم). وأكثر من يمثّل هذا الاتجاه السياسوي داخل الصحافة المصرية اليوم هي جريدة «الشروق». يكتب فيها مثلاً يمينيون ويساريون لا يجمعهم شيء إلا فكرة بناء اجماعات «سياسية». وغالباً لا يكون في هذه الأخيرة من السياسة الفعلية شيء يذكر. عندما أتصفّح «الشروق» كعادتي يومياً لا أجد فيها ما يقرأ إلّا القليل، رغم رواجها الكبير واستحواذها على قسم لا بأس به من السوق الإعلانية في مصر. هي ليست في موقع من يعارض السلطة اليوم، لكنّها ليست أيضاً في موقع الموالاة لها! ربّما كان غياب مفهوم الانحياز الاجتماعي عن الخط التحريري الرئيسي للصحيفة هو السبب في ذلك، وربما تكون الرغبة في تمرير التلفيق السياسي إلى أكبر عدد ممكن من القراء هي السبب أيضاً. فهؤلاء (أي القرّاء) هم الكتلة التي لم تحسم خياراتها بعد ولا تزال في موقع رمادي يشبه لون الصحيفة التي تحاول على ما يبدو توضيب رماديتها وتسويقها كبضاعة مربحة وغير مكلفة اجتماعياً. أحياناً تحصل استثناءات مشرّفة إلا أنّها تبقى غالباً كذلك، لأنّ الغاية من وجودها هي تأكيد القاعدة لا العكس. والقاعدة هنا هي النيوليبرالية المرنة التي تسمح لبعض اليساريين بأن يكونوا موجودين داخلها، ولكن من باب التلوين ليس إلا. مثلاً قرأت قبل فترة في «الشروق» نصّاً للناشط السياسي والباحث القريب من المرشّح الرئاسي السابق عبد المنعم أبو الفتوح، إبراهيم الهضيبي، يتحدّث فيه عن الإضرابات المتنقلة في مصر وكيفية تعامل السلطة الجديدة معها. عنوان النصّ يبدو لافتاً جداً: «وتبقى انحيازات مبارك». لكن قبل الدخول في تفاصيل ما كتب لا بدّ من الإشارة إلى ندرة هذا النّسق من الكتابات في حقبة هي أحوج ما تكون إليه. والحديث عن ندرتها لا يمتّ بصلة إلى السياق الذي أتت فيه، فهو ليس سياقاً ثورياً بالمرّة، وهذه مغالطة يجب العودة إليها بالتفصيل يوماً ما. سأكتفي الآن بالقول إنّ النّقاش عن الانحيازات الاجتماعية لم يبدأ جدّياً في مصر لسبب بسيط هو أنّ الثورة لم تقع أصلاً. ولو أنّها وقعت فعلاً لكان ابراهيم الهضيبي ورباب المهدي وأمثالهما يملؤون الصحف اليوم بكتاباتهم ويشغلون موقعاً داخلها أكثر بكثير من الهامش الذي يقبعون فيه حالياً.
على أيّ حال بدا الرجل في نصّه أقرب ما يكون إلى الاعتراض الذي يمثّله اليوم أشخاص مثل كمال خليل وعبد الغفار شكر (المناضلان اليساريان التاريخيان ومؤسسا حزبي «الاشتراكيون الثوريون» و«التحالف الشعبي الاشتراكي») منه إلى عبد المنعم أبو الفتوح، وهذا أيضاً جزء من التشوّش الذي يطال حتى من هم في موقع التطابق مع مصالح الطبقات الشعبية المسحوقة. يقول الهضيبي في نصّه ما يلي: «أمام صعوبة النيل من الاحتجاجات بتشويهها لجأت السلطة (بمفهومها الواسع) لحجة أخرى في عدم الاستجابة لمطالب المحتجين، تقوم على الاعتراف بعدالة مطالبهم مع المناداة بتأجيلها حرصاً على «الصالح العام» لأن الاقتصاد يمر بمأزق، ولا بد من تضافر لإعادة بنائه، بحيث تتوافر الموارد ثم ينصرف الجهد بعد ذلك لتوزيعها بشكل عادل». الفكرة هنا واضحة، لكن شرحها يحتاج إلى تفصيلها أكثر، وهو ما سأعود إليه لاحقاً. المهمّ أن الانحياز يعبّر عن نفسه هنا بشكل واضح عندما يتحدّث النص عن السلطة بمفهومها الواسع، وعن لجوئها بحكم كونها كذلك (أي تعبيراً عن «قلة واسعة» تحتكر الثروة والنفوذ) إلى أساليب مختلفة لاحتواء الاحتجاجات تمهيداً لسحقها لاحقاً، بحجّة أنها تطرح أولويات مختلفة عن أولويات السلطة التي تدير الاقتصاد حالياً. وأولويات السلطة اليوم هي «توفير» الموارد لا توزيعها. بكلام آخر لا أولويّة اليوم إلا للاستمرار في احتكار الثروة وتوزيعها على المحاسيب والقلّة النافذة الجديدة. وحين ينتهي العمل «بالتوفير» يمكن الالتفات إلى الشرائح الباقية من الشعب ليصار إلى توزيع «ما تم توفيره» عليها. ولكن هذه المرّة على نحو «أكثر عدلاً» (اقرأ: المزيد من الفتات). ما بدا غير واضح في النص لجهة الموقف الراديكالي من التموضع الطبقي للسلطة سيتوضّح أكثر في الجزء الثاني والأخير منه (وقد اخترت من النص ما أعتقد أنّه الأكثر تجريداً وتعبيراً عن فكرة الانحياز الاجتماعي). يتابع الهضيبي في هذا الجزء ما كان قد بدأه آنفاً ليقول: «... وهذه الحجة تقوم على فرضية حياد الدولة في الصراع بين مصالح الفئات الاجتماعية المتعارضة، وهي فرضية مستحيلة الوجود في المجتمعات الحديثة التي توجد بها طبقات متباينة المصالح، فلا تمتلك أي سلطة إلا الانحياز لبعضها، وان بدرجات متفاوتة». ما سبق ذكره ليس إلا تمهيداً لما أعتقد انّه الكلام الأكثر وضوحاً في تفكيك بنية السلطة الجديدة وتبيان مدى تماهيها مع الطغمة التي نهبت المصريين أيام مبارك وما تزال تفعل ذلك إلى يومنا هذا. وأفضل ما يمكن قوله بخصوص هذه الفقرة من النص هو عدم قول أي شيء. لنكتف بالقراءة فحسب: «والدولة عندنا منحازة تماماً لمصالح رجال الأعمال وكبار البيروقراطيين على حساب الطبقات العاملة، وهو انحياز يظهر جلياً في المشروع الانتخابي للرئيس مرسي (والذي وعد قبل جولة الإعادة بمراجعته)، وفي السياسة المتبعة إزاء هذه الاحتجاجات، ففي الوقت الذي يطلب فيه من العاملين الصبر بحجة قلة الموارد، لا تزال الدولة تنفق بسخاء على رجال الأعمال، بدعم الطاقة في المصانع التي تستهلك طاقة كثيفة (جلّ أصحاب هذه المصانع من محاسيب مبارك الذين حصلوا على تراخيصهم بسبب قربهم من دوائر الحكم)، وفي المنشآت السياحية، ودعم الوقود عالي الجودة، وغيرها من أشكال توجيه الدعم لغير مستحقيه».
التنظير هنا للانحياز إلى جانب الفقراء لم يعد جليّاً فحسب بل بات أيضاً مسنوداً بأمثلة ملموسة عن كيفية إدارة السلطة الطبقية التي يمثّلها الأخوان المسلمون لعملية النّهب. وهي ليست بالعملية المعقّدة على أي حال. كلّ ما في الأمر أنّ الأخوان وجدوا أنّ انحيازهم إلى جانب الأغنياء هو الأنسب لهم في هذه المرحلة، والأقرب أيضاً إلى فلسفتهم الاقتصادية غير البعيدة عن الرأسمالية الكومبرادورية. لذلك اختاروا أن يتدخّلوا كسلطة في الاقتصاد من أجل إعادة توزيع الثروة عكسياً، أي من الأسفل إلى الأعلى. والمؤسف أنّ هذا النّسق من النهب لم يجد صحفاً تتحدّث عنه (بالقدر الكافي)، أو أحزاباً تضمّن مقاومته في برامجها المعترضة على نهج السلطة. ما لم يحدث ذلك وما لم نقرأ يومياً عشرات المقالات في الصحف لإبراهيم الهضيبي وآخرين يشاركونه الانحياز ذاته، سيبقى الكلام عن الاعتراض على سياسات الإخوان في إطار تسجيل الموقف
فحسب.
وهذه ليست سياسة. السياسة اليوم هي أن يكون موقفك المعترض على ممارسات السلطة الاخوانية غير منفصل عن انحيازك الاجتماعي. فأن تكون ضدّ الأخوان يعني أن تكون إلى جانب الطبقات الشعبية التي يعدونها بالفتات. وهذه الأخيرة لا يشغلها الدستور ولا الجمعية التأسيسية ولا نقاشات النخب وترّهاتها. جلّ ما تريده اليوم هو حقّها المكتسب في الطبابة والتعليم والصحّة وتصحيح الأجور والضمان الاجتماعي و...الخ. من لا يستطيع أن يحمل هذه المطالب ويرفعها في وجه السلطة الطبقية عليه أن يتنحّى جانباً وأن يكفّ عن الادعاء بأنه معارض للإخوان. أمّا من يريد أن يعارض حقّاً، أو أن يتمرّن على فعل الاعتراض فما عليه الّا قراءة ما كتبه إبراهيم الهضيبي أعلاه عن معنى الانحياز الاجتماعي.
* كاتب سوري