لم يكن زياد الرحباني قد عاد للظهور الإعلامي يوم كنت أتابع شؤون الثورات في العالم لمقارنتها بالحراكات التي جرى التعارف على تسميتها بالربيع العربي. وفاجأتني كتابات عثرت عليها للينين، كانت قد طوتها الذاكرة تحت وطأة التحولات في العالم. كتب لينين منتقداً ادعاءات الغرب الامبريالي بتصدير الحرية والديموقراطية لشعوب العالم، متهماً إياها باستخدام هذه الشعارات لتغطية حقيقة أطماعها الامبريالية. مئة عام مرت على كلام لينين، كأنّها اليوم، تصلح لأفضل مقارعة ثقافية ـ إيديولوجية مع الغرب الطامع، واستعدت بعضاً من عبقرية الرجل كقائد عالمي يفترض عدم إهمال كتاباته، والابتعاد عن فكره وثقافته وتجربته السياسية الكبيرة، لكن غالبية الناس التي ترعرعت عليه في زمن ما غابت عنه، ونأت عن فكره وثقافته عندما تجاوزته التطورات العالمية متمثلة أساساً بسقوط التجربة السوفييتية.

وزادت قناعتي بأهمية قراءة لينين يوم عاد زياد للكتابة في جريدة «الأخبار» معنوناً عموده بعنوان لينيني «ما العمل»، وتأكدت مجدداً من صدق إحساسه، وعمق التزامه الفكري. بالطبع، لم يعرف موقفي منه، ولم ينتظره، لكنّه أراد ـ و هكذا بدا ـ أن يرد على شعوري تجاهه، أو كأنّه قال في نفسه، لماذا آتي الأمور من الوسط، ولا أعود إلى جذور الجذور، فغيّر عنوان عموده إلى «مانيفستو» (البيان الشيوعي)، أي لمزيد من الإيغال اليساري الملتزم.
كان زياد متمايزاً، صلباً في مواقفه، نقياً، مباشراً، لا يحب التردد، ولا اللف والدروان. فكان هو، مع بحثي عن أشياء عن الثورات، ثقافة ثورية مضافة، وكانت صدفتان جميلتان تتمم واحدتهما الأخرى.
في السياق الصحيح كان زياد ثابتاً: «للمقاومة عدو واحد هو اسرائيل». قد تتغير العناوين، وتنتقل لأطراف أخرى، وتتناوب عدة حركات وتيارات في سبيلها، وخاصةً إذا كانت قضية مركزية (فلسطين) بغض النظر عن الانتماء، دينياً كان أو قومياً أو يسارياً الخ. هنا لم يتغيّر، استمر في ملاحقة من بقي يقاتل اسرائيل والتحق به، ترك منطقته باحثاً عن رفاق بعيداً من الطائفية والكانتون المزعوم والانعزالية، متخطياً الحواجز وخطوط التماس ليكون قريباً من الذين يعرفون تراب فلسطين أكثر. وهكذا زار الضاحية ليس كموقع ديني، فهو تجاوز هذه المسألة. ويوم غادر مسيحيته السياسية، إنما ليكون قريباً من الركام ويشم غبار النصر.
وتأتي مقابلته التلفزيونية الشهرية مع الإعلامي غسان بن جدو لتكشف جواب من ذاكرته التي وضعته في مصاف الالتزام بنقاوة الموقف، وصفائه. غادر تاريخه اليميني، يوم لمس ان مختلف القوى السياسية تتآمر في ما بينها على شعوبها في حادثة التخطيط لاغتيال المخيم الفلسطيني تل الزعتر.
فهمنا من موقف زياد ما الذي كان يعنيه في الكثير من حلقاته «بعدنا طيبين»، ندرك اليوم انّ العديد من الحلقات كانت طبخة طازجة، ناجمة عن تجربة عاينها بنفسه مع القادة اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين الذين بدلاً من أن يجتمعوا لايجاد حلول لازمات شعوبهم، كانوا يتآمرون على قضاياه في صفقات فيما بينهم، لذلك خاطب فؤاد، زميله المختبئ في المنطقة الشرقية، قائلاً له إنّ الشعارات المعتمدة في الحرب جوفاء، لا غاية للقوى المتقاتلة إلا فؤاد نفسه، أي اغتيال الشعب.
وكانت غريبة حلقة «طاولة الداما» التي تبادل المتباريان فيها قضم الأحياء والبلدات والقرى: «كش كرنتينا.. كول كرنتينا.. أكلنا تل الزعتر.. كش تلعباس.. أعطينا حي الغوارنة..». لو كنا نعرف أن زياد عايش لقاءات التآمر على تل الزعتر لما استغربنا كيف استطاعت مخيلته خلق أفكار كهذه أن تعبر عن حقيقة الواقع وحقيقة الموقف.
من أخبرنا في «قولوا الله بعدنا طيبين» عن الشاحنة السورية كيف كانت تنقل المناضلين المفجمين بجانب الدرسوار والجارور، سينتقد اليوم من راح يقلد السوري، لكن من الآخر، بينما في ذلك الوقت، كانت فرقة الطبالة تمجد المهانة للحصول على مقعد نيابي أو وزاري. فمّدعو الحرية والمصفقون للربيع العربي والثورات غير مقتنعين كما كان يقول المثل: «كل شيء في موسمه رخيص».
وإن كان إدراكه المبكر للأمور، وتلمسه المسبق لحقائق الحياة يشيان بأمر ما، فإنما يشيان بذكاء فذ وخاص، لكنهما في الوقت عينه سبب في تكوين شخصية ساخرة في مختلف الابعاد والمستويات. فمسرحياته كانت قبل تحوّله السياسي، وبعده، ساخرة، وحلقاته الإذاعية ساخرة بانتقاد، وكذلك أغانيه. حتى في موسيقاه الخاصة، ساخر حتى العظم في الخلطات الفولكورية مع الجاز والروك، وفي إخراج خليط عجيب من الألحان، ويمكن تلمس سخريته بتلاعبه بالأنواع الموسيقية في المقطوعة الواحدة.
وتحضرني في هذا الإطار قصة صغيرة، إذ سئل الموسيقار الكبير محمد الموجي ذات يوم عما يفعله السنباطي، وكيف يحق له البدء في الكوبليه من مقام والدخول إلى آخر، فالمتعارف عليه أن تبدأ الأغنية على مقام واحد. رد الموجي: «ما نقدر نسأله، أستاذ كبير». وهكذا زياد، رفض أن يكون مقلداً حتى لوالده وعمه. فالمتجدد هو دائماً مثير للجدل، والنقد، وهو كموسيقاه يدخل الحجاز مع النهوند... لا يأبه بقواعد ثابتة، ولا بقانون جامد. ومن هنا نزعته الدائمة نحو الابتكار.
لذلك يظل زياد شخصية مثيرة للجدل، مشاغباً في كل إطلالة تلفزيونية، أو صحافية، أو مسرحية، أغنياته، ألحانه، موسيقاه، لا تشبه سواه. مهضوم في نقده، صريح في كلامه، جريء في أحاديثه، لم يتغير، كما كان، في «نزل السرور»، في «الأخبار»، في «الميادين»، البلد، الأشخاص، الأوطان، القوى، الرموز تغيرت، وبقي زياد هو هو.
قد تكون الإشكالية في تركيبة البلد، فالتناقضات واحدة من أهم سماته. ربما يكون الكيان لوحة سريالية، أو أكثر، ربما لو رأى سلفادور دالي المشهد اللبناني لكان قد بحث عن اسم آخر لمدرسته اللاواقعية، فالسريالية لا تشبه لوحاته، بقدر ما تشبه الواقع اللبناني، فعند المقارنة بين زياد والبلد، يتضح أن زياد هو الواقعي، والبلد هو المتقلب المتناقض المتغير.
في «نزل السرور»، أو «سهرية»، «شي فاشل»، «قولوا الله بعدنا طيبين»، «فيلم اميركي طويل»، ولقاء الأمس في الميادين، زياد هو هو لم يتغير. في تلك المسرحيات، والسهريات كنا نضحك. كنا مسرورين بزياد فقط لأنه ابن فيروز، دون تفكير ولو لبرهة عن مدلول وعمق ما يقدم من قراءة للبلد، وحاله، ومصيره، وما سيؤول إليه، هذا البلد المجتمع. هذا التجميع (شعوب) اكتشف زياد باكراً أنه ليس شعباً واحداً، بل تحكمه الغرائز الطائفية والمذهبية، بلد يمكن أن يتعطل أشهراً من أجل حقيبة وزارية.
البلد لم يكن كوبليه واحدة. كزياد لا تعرف أين يبدأ، أو كيف ينتهي، كـ«عودك رنان»، طبلة، بيانو، وصوت رصاص، زياد يشبه: «سألوني الناس» و«ع هدير البوسطة»، هذا البلد كلاسيكي وطقطوقة.
* كاتب لبناني