«من طلب الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه». لعل هذه الحكمة الذائعة هي اكثر ما ينطبق على ما حصل يوم الأحد الماضي، وخصوصاً في ساحة الشهداء (ومنها الى ساحة رياض الصلح) لجهة «إسقاط الحكومة اليوم»، كما ألحّ الرئيس فؤاد السنيورة.

والاستعجال او التسرع هو غير الحق الطبيعي في وضع عملية اغتيال اللواء وسام الحسن في سياقها الامني ـ السياسي، ومن ثمّ في مواجهة ما ولّدته من شعور باستهداف الفريق الذي ينتمي اليه الضابط المغدور، وصولاً الى بناء واقع هجومي مضاد: للحفاظ على المعنويات من جهة، وللنيل من هذه الاساليب ومن أصحابها من جهة ثانية. ولا ضير في إدراج او اندراج كل ذلك في عملية الصراع على السلطة، وبالتالي في تسجيل نقاط، قد تصبح حاسمة في تغيير الموازين والمعادلات، اذا كان الظرف الإقليمي والخارجي ملائماً. هذا شيء، وما حصل في المضمون والشكل شيء آخر الى حد بعيد. ولتتبع جذور هذا الامر يجب العودة الى مطالع التسعينيات. يومها بدا احتواء سوريا امراً ممكناً. وبدا ممكناً في سياق ذلك، ومن اجل ذلك، إحداث ثغرة كبيرة داخل النظام السوري نفسه.

وقد اضطلع الرئيس الشهيد رفيق الحريري بدور مميز في هذه العملية: كان ينبغي ان يترافق ويتعزز التغيير في لبنان مع تغيير في سوريا، ارتباطاً بنتائج «تحرير» الكويت من الغزو العراقي، ومن ثمَّ، ارتباطاً بانهيار الاتحاد السوفياتي وتيتُّم النظام السوري وسواه، وارتباطاً بتربع الولايات المتحدة قطباً وحيداً على عرش العالم!
ناور النظام السوري في حينه الى اقصى الحدود. تفلّت من المصيدة بأقل الخسائر. لا بل هو راكم تكتيكياً عدة مكاسب، كان اهمها تكريس وتعزيز حضوره شبه المستأثر بلبنان وبإدارة شؤونه، بما يتعدى اتفاق الطائف في 1989.
بعد غياب الرئيس حافظ الاسد، القائد والمناور المُجلِّي، وخصوصاً بعد غزو العراق في 2003، تقدمت فكرة تغيير النظام السوري من الخارج. حصل ذلك رغم «إخفاقات» الغزو الاميركي في العراق، وبسبب ضعف المعارضة السورية الداخلية: المعارضة من داخل النظام نفسه، والمعارضة الشعبية التي دغدغت احلامها نسمات ربيع لم يأتِ.
دينامية التحركات الشعبية في نطاق «الربيع العربي»، ومبادرة واشنطن الى احتوائها، ومن ثم الى ركوب موجتها، اغرت مجدداً بإمكانية التغيير في سوريا. تصدت موسكو ومعها بكين مبكراً لمحاولة تكرار النموذج الليبي. المعالجات الامنية من قبل النظام السوري تركت في المقابل الازمة مفتوحة على التدخل الخارجي.
واكب تحالف 14 آذار هذه المتغيّرات اللاهثة بأمل كبير وباستعجال اكبر. لم يترك خطوطاً حمراء الا تجاوزها في التعامل مع الازمة السورية. في مقدمة ذلك المجازفة باستقرار لبنان الهش، وبوحدته الوطنية المثلومة، وبسلامه الاهلي المتصدع.
اغتيال اللواء وسام الحسن اغرى بتكرار نتائج اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 2005: عودة تحالف 14 آذار الى السلطة واستخدام ذلك لتسريع سقوط النظام السوري، أملاً في «راحة ابدية» من نظام يجاهر، هو الاخر، بالبقاء في سدة السلطة الى الابد!
طرفان في 14 آذار دفعا الامور في هذا الاتجاه: طرف سياسي يستعجل الوصول الى الكرسي، وطرف أمني يستعجل بناء حيثيته الامنية والسياسية على الأرض. يضم الأول طامحين وانتهازيين ومرتزقة، والثاني سلفيين وناقمين وصيادي فرص. غياب القيادة العاقلة والمتحسبة والجديرة فاقم من حصول الخلل ومن تماديه: لقد سقط من حساب المستعجلين أنّ التركيز ينبغي أن ينحصر في دمشق لا أن يمتد، وأنّ لبنان ينبغي أن يستمر منصة اعلامية ولوجستية لدعم «الثورة السورية»، لا أن يتحوّل إلى ساحة صراع تمكِّن دمشق من أن تُظهر افضلياتها خارج حدودها، بعدما تقلص نفوذها داخل حدودها نفسها الى الحد الاقصى.
تستحق قوى تحالف 14 اذار كل ما قيل في تسرعها، وفي رعونتها، وفي ارتباكها. وهي تتكبد الآن خسائر لا تحصى على المستويات كافة. يمكن ان يقال بالمقابل انّ الرئيس ميقاتي وتحالف 8 آذار قد حصدا على العكس نتائج لم يكونا يحلمان بها لتدارك صعوباتهما وارتباكهما، وخصوصاً بعد تعثرهما في السلطة وبعد اندلاع الازمة السورية واستشرائها واستعصائها.
لكن الصورة لن تكتمل بتعداد الخسائر من هنا، والارباح من هنالك: فما لا ينبغي اهماله انما هو استمرار تفكك الوضع اللبناني وتقلص المشتركات الوطنية وتصاعد المخاطر من الداخل والخارج، المُهددة لأمن لبنان واللبنانيين، وربما لوجود لبنان الحالي نفسه.
ومن هنا تبدأ رواية جديدة للأحداث: لماذا يُحسب ضابط امني لبناني كبير على فريق دون سواه؟ لماذا يتقاسم الاطراف المواقع الامنية بعد السياسية؟ لماذا تخترق الدول الخارجية والدويلات الداخلية المؤسسات السياسية والامنية اللبنانية دون استثناء؟ هذه الاسئلة وسواها هي الاخطر، وهي الاكثر الحاحية ومصيرية. فكلا الطرفين يسجل نقاطاً على الوطن لا لحسابه. وكلاهما يمعن في لعبة الانقسام في الداخل والتوحد على الولاء للخارج. وكلاهما يمضي في تكريس واستخدام الطائفية والمذهبية والفئوية، ولو صار هو ضحية لها في هذه المرحلة او تلك...
لا يعني ذلك انّ الفريقين متشابهان في الموقف السياسي، وفي تبعاته المهمة مما جرى ويجري في لبنان وخارجه. لقد شهدت الساعات العصيبة التي عاشها اللبنانيون من الممارسات ما تتجاوز خطورته بما لا يقاس مسألة الانفلات والفوضى... لقد تمت استعادة اسوأ ممارسات الحرب الاهلية السابقة لجهة الاحتقان المذهبي والقتل او الاستعداد للقتل على الهوية، كما شهدت من الممارسات الجديدة التي ارتبطت غالباً بالمجموعات التكفيرية المتطرفة، مما جعل اللبنانيين يستشعرون، بقلق بالغ، ما ينتظرهم فيما لو تفاقم الوضع الداخلي و«سمح» الوضع الخارجي؟!
ليس من منتصر حقيقي في ما حصل: الشعب اللبناني هو الخاسر الاكبر. الامل ان تدق هذه الاحداث ناقوس الخطر، وان يتنبه اللبنانيون عموماً وعقلاؤهم «واصحاب القضايا منهم خصوصاً»، لمخاطر استمرار الصيغة اللبنانية الفئوية والطائفية والمذهبية... «الفريدة»!
* كاتب وسياسي لبناني