تعيش البشرية ولأول مرة في تاريخها عصر الوفرة، فعبر التاريخ كانت تعيش في عصر الندرة التي عليها بنت الراسمالية والماركسية قوانينها حين كان الانتاج البشري أقل من حاجات البشرية، ما أدى الى نشوء الطبقات وصراعها، اما اليوم فالبشرية تنتج ما يفيض عن حاجاتها بفضل التطور التكنولوجي والعلمي، وسوء التوزيع هو ما يؤدي الى نشوء الطبقات. أصبحت الطبقات تتكون بسبب النظام البشري لا بحسب ما تقدمه الطبيعة. وهذا هو المفترق الذي نقف امامه اليوم، الانتقال عبر الوفرة الى افاق إنسانية جديدة مبنية على الاكتفاء والتحرر من قيود العمل او محاولة الحفاظ على النظام القديم عبر إرجاع البشرية عقوداً الى الوراء عبر الحروب والمجازر.


في المقابل، تحكم عالمنا حالياً مراكز قوى، أو عصابات، عابرة للحدود والدول، تتحكم بالمقدرات الاقتصادية والمالية والعسكرية للمجتمعات. وإذا أخذنا مثالاً اميركا، نجد ان البنك الفيدرالي الاميركي، الذي يطبع الدولار، غير خاضع لسلطة الدولة بل هو سلطة مستقلة مؤلفة من عدة كارتيلات مالية ضخمة تتحكم بإنتاجه.
ومعروف أن الدولار لم يعد مدعوماً بالذهب بل مستند الى قيمته الذاتية منذ عهد رونالد ريغان، وبسبب النمو الاقتصادي العالمي الحالي يتم إنتاج كميات كبيرة من الدولار بشكل يومي لمواكبة الإنتاج والزيادة السكانية. هذه الكمية من الدولارات التي يتم ضخها لو تُركت لتتوالد في الأسواق بشكل طبيعي ستؤدي في النهاية الى انهيار قيمة الدولار بسبب تفوق العرض على الطلب وغرق الاسواق بالعملة. لذا عمل النظام العالمي على استعادة جزء من هذه العملة وسحبها من الاسواق بهدف الحفاظ على قوانين العرض والطلب والحفاظ على قيمتها للسماح بإعادة انتاجها. فقام بإغراق مجتمعات الكرة الارضية بديون ضخمة هدفها امتصاص العملة واعادتها الى منبعها الاصلي حيث يتم حرقها وإعادة انتاج غيرها. وهذا يشرح دور الديون التي تخضع لها كل دول العالم والتي تفوق خدمتها نصف انتاج المجتمع. هذا الوضع العالمي ضروري لاستقرار النظام النقدي والسماح ببقائه على قيد الحياة، وبهدف السماح لهذا الواقع ان يستقر وجب ان تكون هناك سلطات سياسية في كل دولة تسمح لهذه الخطة ان تسير بسلاسة، لذا عملت هذه القوى العالمية على «تركيب» قوى سياسية تتناسب مع مشروعها وعدم السماح بنشوء اي قوى تملك اي مشروع مختلف، العمل السياسي حالياً في اي دولة هو عبارة عن ملهاة سياسية أبطالها المعارضة والمولاة بشكل يسمح للنظام المالي ان يعمل بسلاسة وبصمت.


الصناعة الصينية تسمح للمجتمعات الغربية بأن تحافظ على رفاهيتها بأقل كلفة


هنا يبرز دور الفساد كجزء طبيعي وداعم للنظام لا مقوّض له، فمنظومة الفساد تؤدي الى سحب جزء آخر من المال المتداول في الاسواق وإعادة تركيزه في حسابات رقمية في البنوك، ما يلعب دوراً داعماً لاستقرار الدولار. المنظومة الاقتصادية بكاملها قائمة على سحب العملة من الاسواق وتمركزها في حسابات بنكية. وهذا يشرح التمركز والهوة الكبيرة بين حفنة صغيرة من فاحشي الثراء وباقي المواطنين. هذا ليس خللاً بالنظام، بل هي الآلية الوحيدة التي يستطيع النظام أن يعمل عبرها.
لكن أزمة هذا النظام تتجسد في التناقض الاساسي الكامن في اسلوب عمله، فسحب كميات كبيرة من المال من السوق سيؤدي في النهاية الى انهيار العملة أيضاً حيث ستصبح ندرة العملة عقبة امام نمو السوق ما سيؤدي في النهاية الى انهيار الاسواق والعملة أيضاً. والازمات المالية العالمية تنبع من هذا التناقض نفسه الذي لا يسمح لهذا النظام بالاستقرار.
هذه الخطوات الهادفة الى حماية قيمة الدولار لا تكفي لوحدها، فالدولار وإن كان غير مدعوم بالذهب لكنه يحتاج الى السيطرة على الموارد الاولية في العالم كي يحافظ على قيمته. وهنا يأتي دور الصراعات الهادفة الى زعزعة الاستقرار في المجتمعات التي تملك موارد أولية بهدف السماح للقوى الدولية بوضع اليد عليها بعد اضعاف المناعة الداخلية لهذه المجتمعات.
عندما نشأت فكرة الدولة كانت انعكاساً لصورة الانسان النهائية، الكاملة القوية العادلة، وسقوط هذا النموذج سيعيد تشكيل المجتمعات البشرية وسينعكس على العلاقات الفردية بشكل غير متوقع، فبعد جيلين قد تنتهي مؤسسة الزواج، والعائلة، وسينتج اطر جديدة مواكبة للعصر ربما. في المحصلة الدولة قد سقطت كإطار منظم لتحركات المجتمعات وحل مكانها مراكز للقوى معولمة ومتغلغلة في كامل الكرة الارضية.
هنا تبرز الأزمة الصينية أمام هذا النظام، فالاقتصاد الصيني قائم على الصناعة وعلى طبقة عمالية وعلى نمو رأسمالي بكل تناقضاته التي شرحها كارل ماركس في ما مضى. ولكي يحافظ النظام الصيني على استقراره عليه أن يحافظ على نسبة نمو سنوية 7%. وان انخفض هذا النمو الى 2 او 3% لمدة ثلاث سنوات متتالية ستنشأ ازمة تؤدي الى تسريح جزء من العمال والى زعزة استقرار هذا النظام.
مشكلة الصين أن نموها مرتبط بالأسواق الغربية، الاميركية والاوروبية، فالصناعة الصينية تسمح للمجتمعات الغربية أن تحافظ على رفاهيتها بأقل كلفة ممكنة ما يسمح بتخدير هذه المجتمعات ومنحها وهم الملكية، والأزمة المالية التي تعاني منها هذه الاسواق ستنعكس انخفاضاً في النمو الصيني، وهنا تبرز المصالح المشتركة بين القوى الصينية والاميركية والشراكة المفروضة بينهما والتي تجسدت بإعادة تعويم الاقتصاد الاميركي عبر المال الصيني عند وقوعه في الازمة.
الفساد والهوة بين الفقراء والاغنياء ليسا خللاً في النظام، بل مكوّن طبيعي له وشرط لاستمراره بل وتنظّمه قوى ترسم المجتمعات بحسب مصالحها. هذا النظام هو التجسيد الاقصى للنظرية التي وضعها فرويد في أواخر عمره: الانسان مبني على الشر. وقد قال المسيح يوماً لا تعبدوا ربين: الله والمال، فاتبع انسان عصرنا قوله وعبد المال وحده. كما قال المسيح: انتم ملح الارض فإذا فسد الملح فبماذا يملّح، وقد اثبت الناس في يومنا هذا ان لا حاجة لهم للملح، يكفيهم الحصول على السكّر. هكذا أصبح المال هو معيار القيمة، والعقل مجرد خلل طبيعي وجب إصلاحه أو التخلص منه.
* كاتب لبناني