انعدام ثقافة أم غاب بلا شريعة؟



كم كان مؤلماً رؤية الشباب اللبناني، وجُلّهم من طلاب الجامعات، أمام السرايا الحكومية، بكلمة هجموا وبأخرى انسحبوا! هذا الانصياع الكبير يذكرني بيوم ١٤شباط ٢٠٠٥. يومها، سألني مدير رسالة الدكتوراه التي أعددتها في فرنسا جان ــ مارك لافست: «هل كان الرئيس الحريري يمينياً أم يسارياً؟». تبسمت وأجبت بمقولة الرئيس سليم الحص: «السياسة في لبنان غاب بلا شريعة».
الشريعة في السياسة هي المبادئ التي يطرحها المفكرون ويطّلع عليها الشباب، ثم على أساسها يتحزبون. في الغرب تنطلق الأحزاب من الجامعات، أما في لبنان فتدخل الأحزاب الجامعات. كم عدد الشباب اللبناني الذي قرأ كتباً سياسية قبل انتمائه إلى حزبه؟ كم عدد الذين اقتنعوا بطروحات الزعيم فانتسبوا؟
قبل أن يقرأ الشباب اللبناني الكتب الثقافية العامة، يستوقفني مشهدٌ مؤلمٌ آخر. عندما دخلت مكتبة كلية الهندسة رأيتها، ولا أبالغ، بغنى مكتبات جامعات فرنسا. الفرق أن الكتب في فرنسا قد اهترأت من كثرة القراءة، أما هنا فما زال معظمها جديداً لم يمسّ. من هنا يمكننا فهم حال الشباب؛ إذ إن القراءة هواية تبدأ بكتب الاختصاص وتنتهي بالثقافة العامة.
الطالب طبعاً، لن يبادر إلى القراءة من تلقاء نفسه. على الأستاذ دفع الطلاب نحو البحوث، ما يجبرهم على القراءة. فرنسا لم تتخلص من الإقطاعية بسحر ساحر ولا ببركة ربانية. تحولت إلى ما هي عليه اليوم بفعل علمائها. العلماء اللبنانيون لا يقلون كفاءةً عن غيرهم، لكنهم ممنوعون من العمل. بفعل نظام التعاقد بالساعة تحول الأستاذ الجامعي من عالمٍ إلى مدرس. لم يبق للأستاذ الوقت للأبحاث، بل يمضي وقته لاهثاً وراء لقمة عيشه. وتحول الطلاب بالفعل ذاته إلى تلامذة، وشتان ما بين الطالب والتلميذ. الطالب الفرنسي يدوّن خلال المحاضرة خطوطاً عريضة ويتعمق بدراسته من خلال البحوث في مكتبة الجامعة وشبكة الإنترنت. أما في لبنان، فنرى الطالب يحفظ المحاضرات غيباً. ووصل الأمر بالبعض إلى حفظ تمارين الرياضيات والفيزياء وحتى مسابقات الأعوام السابقة. أحد طلابي قالها جهاراً: «أدرس بهدف النجاح ليس إلّا». هذا القول على براءته يعكس مضموناً خطيراً؛ إذ إنه يعني غياب الحس المهني.
أقول لكل المعرقلين من سياسيين وغير سياسيين، ومعظمهم من الاقطاعيين: اتركوا المسؤولين يقروا ملف التفرغ، افسحوا المجال أمام الأجيال الصاعدة كي تبني الوطن قبل أن يطاولها الفساد الذي ضربكم والمستمسكات عليكم كثيرة. إن من يدفع ثمن فسادكم اليوم هو الوطن عموماً وأولادكم خصوصاً.
د. راني رزق
أستاذ متعاقد في الجامعة اللبنانية