الفارق كبير بين البيزنس والسياسة، لكنهما يتداخلان بعدما أصبح العالم سوقاً كبيراً، الإنسان فيه سلعة هو وأفكاره وقيمه وأيديولوجياته، وحتى مشاريع الخلاص التي ماتت، بعدما أوصلت النازية والفاشية والستالينية وأشباهها البشرية الى الهلاك الكبير، لكن ما يسمى «الربيع العربي» أعاد الميت الى الحياة، في إطار إدماج «الثورة» في السوق، بدايةً من الاسم التجاري (الربيع) وليس نهاية بالتبشير بحقبة الخلاص الجديد على يد إسلاميين تتفنن طليعتهم الإخوانية في تقديم طبعة البيزنس من مشروع الخلاص، الذي صاغه حسن البنّا، متأثراً بتركيبة تنظيم «الحشّاشين» في العصر العباسي، ومنتهياً مع تنظيمات الفاشية، التي وجدها من وجهة نظره تجيب عن سؤال: لماذا تخلّفنا؟

الربيع بما هو عابر ويرتبط بالطبيعة لا بالفعل الإنساني، يصلح اسماً تجارياً للثورة، بما أنّها عودة المجتمع الى الحياة، بعد نوم طويل في أقفاص «الاستعمار الوطني». الاسم ليس فناً من فنون الترويج فقط، لكنه يربط الثورة بما حدث في أوروبا الشرقية، إذ انتهت ثرواتها الى الاندماج في السوق. وكذلك فإنّ نفي الفعل الإنساني من التسمية يترك انطباعاً بأنّ ما حدث ليس إلا معجزة، قد تكون إلهية، أي «الله وحده أسقط النظام» كما يهتف السلفيون، أو أنّها «مكافأة الصمود ٨٠ سنة» كما يعتقد الإخوان، وكلها تحيل صحوة المجتمع على «ميتا ــ سياسة» تلغي السياسة، وتمنع المجتمع من استرداد أصواته وحياته.
بهذا المعنى مارس قادة الإخوان السياسة، وأغلبهم أثبت شغفاً بالخطابة، وهاوية لصعود منصات سلطة المعرفة، وفي صلوات العيد انتزعوا ميكروفونات المساجد ليضمنوا سيطرتهم على جمهور المصلين، مارسوا غواية كاشفة أكد عليها محتوى يذهب أغلبه الى الهجوم على «الأعداء» الداخليين، الذين يعطلون «مسيرة النهضة» وقائدها الساكن في قصر الاتحادية. والاعداء هم الليبراليون والعلمانيون واليساريون، الذين وصفهم خطباء الجماعة الحاكمة بأنّهم «فلول».
خطاب لا تنقصه السلطوية، بل تصنع عموده الرئيسي، وتجعله إعادة انتاج ركيكة لعقلية «الاستعمار الوطني»، التي اعتبرت نقّادها خصوماً وأعداءً وخونة، وقسّمت المجتمع الى «شعب» و«أعداء الشعب»، وصولاً الى «المواطنون الشرفاء»، وهذا التصنيف هو إحدى أدوات السلطوية الفاعلة في صنع صورة علوية للعالم من صنع السلطة، ترسم فيها خريطة الخير والشر بكل ضيق الأفق الذي تمتلكه، ويصور لها قبل غيرها أنّها تمثل «الخير المطلق» الذي تعطله طيور الشر المطلق.
وهكذا لم يعد لمرسي سوى قبيلته، لا يعرف غيرها تقريباً، وهو مخلص لها اخلاصاً لا تسعفه قدرات اخرى على تجاوزه. هو رئيس ومنتخب، وقبيلته تحب هذا الوصف، فهي تسعى إلى السلطة وهذا حقها، وتجند كل طاقتها لتتحول الى «الخبرة الانتخابية الأولى» في العالم، وهذا ايضاً حقها، لكنها لا شيء غير ذلك... لا كفاءات ولا مشاريع ولا قيم كبيرة تقيم عليها هذه السلطة، او تجعل من الانتخاب شيئاً اكبر من بيع الأصوات وشرائها.
لا تنتظروا منه شيئاً، لأنّه لا يملك غير هذه القدرة على أن يتكلم كثيراً دون أن يقول شيئاً، وأن يعد كثيراً دون أن يعني ذلك ابعد من موضوعات انشاء بليدة. وهو لا يرى ولا يسمع الا ما تسمح به تربيته في قبيلة لم تعد تعلّم أبناءها الا التجارة على طريقة «نشتري... ونبيع كل شيء».
والمدهش انّ هذه القبيلة تريد اقناع الجميع بأنّ التجارة هي السياسة، ولا تدرك انّ هناك من سيكتشف إما بالوعي او بالتجربة الواقعية، أنّ البيع والشراء ليسا كل شيء في السياسة، وأنّ هذا الاختصار المريع هو نوع من التجارة الرخيصة، التي تبيع البضاعة الصينية على انّها بضاعة حقيقية واصلية. لهذا فإنّهم يعيدون نظام مبارك في غلاف جديد، لم يجتهدوا حتى في صنعه، ولا تدرك عقليتهم التجارية أنّهم برِهانهم على المكسب القريب يدمرون السوق كله، او البلد الذي يعيش على مشاعر الخطر كل
لحظة.
لن يفعل مرسي شيئاً في عودة الشرطة بشريعة المنتقم، لأنّ هذا سيحرمه القبضة التي يتصوّر أنّها ستحكم له الدولة. ليست مهمةً هنا اعادة بناء جهاز الامن ليصبح جهازاً وطنياً، أي يخدم المواطنين، لا تشكيلاً نظامياً لبلطجية حماية النظام يقهرون الشعب ويكسرون كرامته ليسهل على الحاكم أن يتحكم فيه. وبهذه المهمة المنحطة حصل ضباط الشرطة على مكانة «باشاوات» عصر مبارك، الذين عادوا الى الشارع بشرعية الانتقام على زمنهم الضائع.
كما أنّ مرسي لن يفكر في كيفية توقيف «مهاوييس» السلفية، الذين ينشرون إرهابهم في الشوارع، ولا العصابات التي لا تخجل من اعلان شرعيتها في ممارسة الإرهاب لإخضاع مصر بالقوة لحكم امراء العنف، الذين يتصورون أنّه مقدس... الدولة تكمل تحللها مع مرسي، بعد سنوات من امتصاص قوتها الحيوية في نظام مبارك، الذي طرد قطاعات واسعة من المجتمع الى مستعمرات النسيان والتخلف، وها هي اليوم تحطم أسوارها وتخرج لتفرض شرعية الغوغاء، التي تمارس كل انحطاطها في الشوارع، تعويضاً عن فترات تعاملت فيها الدولة معهم على أنهم حديقة حيوانات بشرية.
كل هذه الشرعيات تنهش في شرعية السلطة، لكن مرسي لا يهتم ما دامت تجارته في صناديق الانتخاب قد أثمرت ومنحته مقعد الرئاسة هدية، ومنحت قبيلته فرصة الحكم، التي كانت قبل اشهر ليست كثيرة، مستحيلة. مرسي يرمم الدولة بتجارة قبيلته، ولا يهتم بأن هذه الشرعيات تجعل من شرعيته وهماً، ومن الديموقراطية التي أتت به كابوساً ولعنة، وهذا هو الخطر الكبير.
فقدان الثقة بالديموقراطية هو الخطر الذي يهدد مستقبل البلاد، ويجعل من البعض يستسهل انتظار «انقلاب عسكري». ذلك الانتظار السخيف، الذي لن يتحقق وسيكون مرفوضاً، لكنه انتظار العاجز من جديد، الذي ينافسه انتظار بطل يظهر ويحرر الأمة من محتليها الجدد. وهذا وهم سخيف آخر، لكنه نتاج تجارة مرسي وقبيلته بقيم السياسة الكبرى، وتحويلها الى بضاعة تخضع لقانون «البيع والشراء».
السياسة ليست تجارة بالأصوات الانتخابية، والديموقراطية ليست حصد هذه الأصوات في الصناديق. الانتخابات ليست هدفاً في حد ذاتها، لكنها وسيلة لحكم رشيد، وضمان لديموقراطية لا تعني الوصول الى الحكم، بقدر ما تعني صنع مجال عامّ حر وعادل، يمنح حقوق الأقليات ويضمنها، ويتيح بناء مؤسسات الدولة لتخدم كل فرد، لا من يقتنص السلطة او يحتلها. هذه هي الديموقراطية التي لا يمكن تحقيقها بمنطق التجارة الرخيصة...




في انتظار فداء عيتاني

الصحافة هي الأخرى لن تنتظر أبطالاً ولن تصنعهم، هذا ما يمكن تعلّمه من اختطاف فداء عيتاني، على يد إرهابي عاش في صورة المخلّص، وأراد أن يكون الصحافي جهاز بروباغندا خاصاً يبشّر به، ويضع الرتوش الثقيلة على صورته.
الثورات تخلصت من الإرهابي في السلطة، ومن احتياطيه في جماعات الخلاص، لكن الإرهابي لا يزال في يده سلاح يختطف الجميع، كأنّ قرينه في السلطة ترك شيئاً قابلاً لتسلط جديد. فداء عيتاني مخطوف من الإرهابي، صنيعة إعلام مراهق يلهث خلف نسخ بن لادن، الذي هو نسخة ركيكة من كارلوس. وكارلوس كان على الأقل ابن زمنه، الذي ارتبط التحرر فيه بالسلاح الهارب من تواطؤ محلي وعالمي ضد الحرية.
الشعوب وقتها كانت لا تزال تعاني دوّاراً لا يجعلها ترى أن أنظمة تحررها استعمار جديد، لكنها الآن تستيقظ من الغفوة الطويلة، ولم تعد تحتاج رغم فاتورة الصحوة، إلى أن يخطفها مستعمر جديد وطني، ويحمل توكيلاً من أممية إسلامية تخطط للاستحواذ على المنطقة كرهينة، مقابل اعتراف العالم، أو في تحالف معه ربما.
لم تعد اللعبة حلوة، والخطف لم يعد يسلي الشعوب، وهذا ما يجعل اختطاف فداء، يحمل جزءاً من اسمه، لتستيقظ الصحافة من غفوتها وتخرج من الكهوف، لتدرك أن قوتها بعيدة عن سلطة قاتلة لا تخجل من فجاجتها. فهذه الفجاجة تمنح الوحشية معنى الرسائل المقدسة.
في انتظار فداء، اللعنة على كل هذا الضعف الذي جعل الخاطف يطل من كهفه يوماً طلة الثورة.



استعراضات الذكورة المريـضة



الشيخ كان في قمة صعوده وهو يروي تفاصيل عن فحولة النبي، بدون مناسبة ولا سبب. استعراض يبدو معه في حملة ترويج لشيء ما. يتصور أنّه يرضي جمهوره، الذي لم يظهر في اللقطات المصورة من خطبة حديثة. ليس مهماً هنا أن ما يقوله الشيخ خرافة او اساطير ترضي جمهوراً مشغولاً بالخيالات الجنسية.
في الفيديو، يقول الشيخ خرافات كاملة عن القوة الجنسية للنبي، ويصل الى أنّه بقوة ٤٠ الف رجل، بعد أن يروي حكايات لا أعرف من أيّ كتب صفاء أخرجها، عن فانتازيات جنسية يسقطها هو على حياة النبي.
ليست مهمةً مساحة الحقيقة والخيال... الواقع او «الهلاوس» التي ترى انّ النبي ينام مع زوجاته التسع في يوم واحد. وأي مسلم يمكنه بسهولة اكتشاف أنّ الشيخ فقد طريقه الى مهنته الصحيحة، وجلس على منبر المسجد.
لكن المهم انّ هناك خيالات تحتاج إلى هذا النوع من الفانتازيا الجنسية. وهذا نوع من الرجولة المتخيلة يتغيّر حسب المزاج الاجتماعي والواقع السياسي. الرجولة المتخيلة الان تختلف عن الرجولة في عصور أخرى. ولهذا ومع ازدياد مساحة الكلام عن الإسلام والصيحات المدافعة، والحناجر الملتهبة، تنتشر حفلات التحرش الجماعي في الشوارع، وتنتشر استعراضات الذكورة المريضة بالتعدي على النساء لفظاً او تقطيعاً في السيرة. إنها رجولة الاعتداء على النساء والانتصاب من اجل ان يعدن الى عصر الحريم.
هناك محاولة لجمع نثارات الذكورة الجريحة وتحويلها الى صورة الرجولة في لحظة ارتباك غابت فيها صورة رجولة تطمح الى شراكة انسانية، مفتوحة، لا مباريات تفوق وصراع على التمايز أو التسلط فيها.
هذه الصورة طحنت مع كل صور الحداثة في مطحنة السلطوية، ليبدو الاعتداء نموذجاً محبباً، ولأنّ الرجولة المعتمدة على قهر النساء رجولة تافهة، فإنّ هناك من أطلق سخريات فجة على «ست البنات»، ولم يهتز من الجندي الفظ الذي قفز عالياً لتكون ضربته في بطنها موجعة. هذه رجولة تتماهى مع السلطة السادية بكل وقاحتها.
رجولة تكشف وقاحتها عن مازوشية عمومية تمجد العنف وتلوم الضحية، كما يحدث مع ضحية التحرش (هي السبب لأنّها تثير المتحرش بملابسها وربما بخروجها من بيتها اصلاً). لا تفكير أبعد من الاستسلام لهمجية العلاقة القائمة على الثنائية المحضة للسادي/المازوشي.
ليس صعباً اكتشاف أنّ المجتمع الفاسد يربي رجولة فاسدة ترى في المرأة كائناً جنسياً فقط مخلوقاً لمتعته وطاعته وإثبات رجولته. وهذا ما يدفع المتحرش الى هوجة الاعتداء على النساء خارج محيط «الحريم» الذي يعيش فيه. وهذا ما يجعل المشايخ من هواة الاستعراض من اجل السلطة يركزون في خطبهم على المرأة. إنّهم يرممون الذكورة الجريحة بخيال مريض يصور لهم أن الرجل لن يكون رجلاً الا اذا قهر المرأة.
ولأنّ الرجل ليس عضلات ولا حنجرة، تصبح هذه ادوات العاجزين ومن فقدوا فرصة الإنسانية، لأنّ كل فتوة سيأتي يوماً ويهزمه فتوة آخر، لكن الإنسان يقوى كلما كانت علاقته مبنية على الانسانية، لا على القهر والتسلط.