من يدقّق في طريقة استهداف الشهيد وسام الحسن وظرفها السياسي، يدرك أنّها تحاكي سيناريو اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وما تبعها من مسلسل اغتيالات في صفوف ما بات يعرف بفريق 14 آذار. ومن باب المقاربة الموضوعية التي تستلزم أخذ الأمور في سياقها الطبيعي، بعيداً عن أي دوافع مسبقة، كان لا بد من البحث عن المفاتيح الضائعة في قضية اغتيال الحريري، والتي تمظهرت بمشكلة التمديد لرئيس الجمهورية آنذاك إميل لحود، وما ترتّب عنها لاحقاً.

لكن قبل ذلك، علينا أن نقارن من حيث الشكل بين الحالتين، لكل من الحريري والحسن، فالأول أسقط اتفاق 17 أيار وناصر المقاومة، والثاني وضع يده على عشرات شبكات التجسس الإسرائيلي، إضافة إلى عدد من خلايا فتح الإسلام، المرتبطة بتنظيم القاعدة. أيضاً يشترك الرجلان بعلاقات ممتازة مع الرياض وباريس، حيث إقامتهما الثانية في باريس.
بعد اغتيال الحريري في 2005، أميط اللثام عن تهديد جدي، تعرض له الحريري من الأمن السوري، إن هو لم يمدد للرئيس لحود. في المقابل، كانت فرنسا برئاسة جاك شيراك ترفض التمديد وبشدة، الأمر الذي استدعى من الحريري القيام بزيارة للخارج، خص بها الرئيس شيراك. وبعد اللقاء، كان القلق بادياً عليه، وفق الوزير غسان سلامة، في لقائه مع مارسيل غانم.
هنا نحن أمام خيارين، الأول تهديد سوري إذا لم يتم التمديد، والثاني فرنسي إذا تم. وبين الخيارين، اختار الحريري التمديد، ومن ثم الاستقالة، كحل وسط بين أهون الشرين. وفي المحصلة، حصلت دمشق على مبتغاها وخسرت فرنسا الرهان، وهنا تنتفي المصلحة السورية في اغتياله ليبقى احتمال القصاص الفرنسي قائماً. إذ رغم العلاقة الطيبة التي تربط شيراك بالحريري، إلا أنّ مصالح الدول فوق كل اعتبار، ففرنسا لا تقبل أن يرفض الحريري طلباً لها، وبالتالي لن تقبل بإمرار هذا الكسب للنظام السوري، الذي بلغت الخصومة معه أشدها. وهو ما كشفه عبد الحليم خدام، حول رفض الرئيس بشار الأسد إعطاء امتيازات خاصة لشركة توتال للتنقيب عن النفط، متهماً إياه «بالتحالف والولاء لإيران». وهنا يجب أن نتذكر تهديد شيراك باستخدام السلاح النووي ضد إيران، فباريس تدرك أنّ التمديد للحود إضعاف لدورها، وقوة لدمشق وطهران في لبنان. تأسيساً على ذلك، يمكن توظيف عملية اغتيال الحريري، من خلال توجيه الاتهام للأسد، أمراً مفهوماً في لعبة المصالح. استغلت باريس التذمر الشعبي من ممارسات النظام السوري في لبنان، فدخلت من شرخ العلاقة بين الأسد والحريري، والناجم عن محاولة استمالة اللواء غازي كنعان لتغيير الحكم في دمشق، فكان الظرف المناسب لتنفيذ عملية الاغتيال. وإثر إعلان الحدث، سارعت فرنسا وحلفاؤها في لبنان، ومن خلال بروباغندا إعلامية، الى توجيه إصبع الاتهام نحو الأسد. وعلى أثرها، نزلت الجماهير الغاضبة والمعبأة ضد السوريين، فحاصرت السرايا الحكومية، وهو ما دفع وقتها بالرئيس كرامي الى تقديم استقالته. المخطط كان يقتضي وقتها متابعة الزحف إلى بعبدا لإسقاط الرئيس لحود. حينها، تدخل البطريرك صفير ومنع إتمام الأمر، باعتبار الرئاسة تمثل الموارنة.
ما أشبه الماضي باليوم، فخروج المفتي قباني قد حال دون اقتحام السرايا لما تمثله من موقع سني، إذ لم تمض دقائق على كلمة المفتي، حتى بادر زعماء 14 آذار إلى الطلب من مناصريهم العودة. فلا حماسة السنيورة ولا صراخ نديم قطيش يمكنهما أن يتجاوزا التوازنات الطائفية، المحكومة من الخارج.
أما اغتيال الحسن، فجاء بعد عودته من الخارج، وما قيل عن أنّه قد اجتمع في باريس مع وزير الخارجية لوران فابيوس! وهو ما يعيد الحضور الفرنسي في الأزمة السورية، إذ كشفت المصادر عن قيام الاستخبارات الفرنسية بتهريب اللواء فراس طلاس ورئيس الحكومة الأسبق رياض حجاب، وعدد من القادة الكبار السوريين خارج البلاد. كما عملت فرنسا على تشكيل مجموعة «أصدقاء الشعب السوري»، وكذلك قدمت الدعم اللوجستي للمعارضة المسلحة. وقد بات واضحاً أنّ باريس تريد هزيمة الأسد وإسقاطه، ولو كلف الأمر «ثورة أرز ثانية»، فالسيد فابيوس هو الوحيد من بين الدول الذي أشار بإصبع الاتهام إلى سوريا. وهو ما دعا الخارجية السورية إلى تقديم شكوى لمجلس الأمن، تعتبر فيها أن سياسة فرنسا تجاه سوريا تهدد الأمن والسلم في المنطقة والعالم! في المقابل، رأت باريس أن هذه الاتهامات غير واقعية! المحزن في الأمر أن فريقاً من اللبنانيين يعيد تكرار السيناريو السابق نفسه، إذ لم يسألوا أنفسهم أين ذهبت الاتهامات التي وجهوها للنظام السوري، بعدما حادت المحكمة الدولية عنه؟
في مؤتمره الصحافي، وضع رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي عملية اغتيال الحسن في سياق عملية سماحة ـــ وهذه قصة نناقشها لاحقاً ـــ لكن ما يهمّ، هو معرفته لخبر الاغتيال، بعد نصف ساعة من الواقعة عن طريق اللواء ريفي، بينما الأخير ذكر على شاشة «الجديد» أنّه علم بعد ساعة ونصف! هناك ساعة غائبة، فمن نصدق؟ لقد تكلم ريفي عن محترفين نفذوا العملية، فهل المحترف يلجأ إلى التهديد قبل تنفيذ عمليته؟ المضحك المبكي في الأمر أنّ الصحافي راشد الفايد وفريقه السياسي اعتبرا الاتصالات التي أتت من دمشق أدلة ملموسة تثبت تورط النظام! وكأنّه لا وجود لاستخبارات أجنبية ومنها الفرنسية داخل الأراضي السورية، تريد توجيه الأنظار إلى دمشق!
إن استهداف فريق بعينه يكنّ العداء للنظام السوري يُبقي البوصلة موجهة بالاتجاه الذي يريده أصحاب المخطط، لذلك على 14 آذار الخروج من دور الضحية، والبحث في كل الاحتمالات، إن هي أرادت الحقيقة فعلاً!
* كاتب سوري