يدور نقاش، معظمه غير مباشر، بين تياري اليسار والليبرالية في العالم العربي، يخوضه مثقفون محسوبون على التيارين المذكورين، على خلفية الموقف من الربيع العربي، وتحديداً عند المحطتين السورية والبحرينية وإشكالية المقاومة بينهما. يصوّب كل منهما سهام نقده إلى الآخر، بعيداً عن أسس الحوار الفكري الرصين، الذي يفترض أن يدور بين «مثقفين» يرفعون الديموقراطية شعاراً، في وقت يبدو فيه بعضهم عاجزين عن تقبّل آراء بعضهم الآخر وتحليلها، مكتفين بنصب مظلات أخلاقية، تتحوّل إلى إيديولوجية للتبرير والحجب أكثر مما هي تحليل لأفكار الخصم.

من خلال تأمل الجدل الفكري الدّائر بين التيارين، يمكن نقاش الأفكار الآتية:
أولاً: ينظر كل منها إلى الآخر بوصفه كتلة واحدة ذات رأي واحد، وهذه نظرة مستمدة من الجذر الديني الذي يدعي كل منهما التحرر منه. فعند بعض الليبراليين يغدو اليسار واحداً، متجاهلين أنّه «يسارات» متعددة، لكل منها موقفها المختلف مما يجري؛ فـ«ائتلاف اليسار السوري» الذي يخوض غمار الانتفاضة السورية تحت شعار «إسقاط النظام سبيلاً لتحرير فلسطين» لا يقارن بالحزب الشيوعي السوري بشقّيه البكداشي أو الفيصلي اللذين التصقا بالنظام منذ عقود. ويختلف حزبا العمل الشيوعي والشعب (المكتب السياسي سابقاً) جذرياً عن تيار قاسيون، بقيادة قدري جميل، بموقفه السلبي من الانتفاضة السورية منذ يومها الأول؛ إذ خاضت كوادر الحزبين نضالاً شرساً ضد نظام الأسد في أوج بطشه وقوته، ولها موقف واضح من دعم انتفاضة الشعب السوري رغم اختلافهما الواضح في تقويم الأمور، وهو أمر تاريخي، بين طرف يجعل من الخارج معياراً للنظر للداخل، وآخر ينظر إلى الداخل بدلالة الخارج.
يأخذ بعض الليبراليين جزءاً من اليسار المرتبط بالسلطة تاريخياً وينتقده كأنّه اليسار كله، في تجاهل تام لتجربة اليسار التاريخية في مقارعة الدكتاتورية، فيغدو المناضل الماركسي من نمط عبد العزيز الخيّر أو رياض الترك أو فواز طرابلسي، كعمار بكداش أو ناهض حتر أو قدري جميل، وهذا ليس أمراً خاطئاً فحسب، بل يبدو متقصداً أحياناً للإساءة إلى تجربة اليسار ككل.
ويقع بعض اليساريين في التعميم نفسه، حين ينظرون إلى التيار الليبرالي كتيّار واحد متجانس، مرتبط بأميركا والغرب، ويقف على طول الخط ضد المقاومة، بل واتهامه، أحياناً، بالوقوف إلى جانب إسرائيل إن لم نقل العمالة لها، وهو أمر ليس صحيحاً. فكما هناك يسارات متعددة، هناك ليبراليات متعددة، ومن الجهل المعرفي الفادح وضعها في خانة واحدة.
ثانياً: الموقف من الثورة السورية والبحرينية، والحراك الجزئي في السعودية، هو المحك الذي تسقط عنده ادعاءات الطرفين المتخاصمين. فالليبراليون ينتقدون موقف بعض اليسار من النظام السوري، ولا ينفك بعضهم يرفع المظلات الأخلاقية في وجهه، متناسين أنّ الأمر ذاته ينطبق عليهم تجاه الثورة البحرينية والحراك السعودي. فكما ينتقدون مثقفاً عربياً أو صحفاً عربية (و«الأخبار» منها) لموقفها من النظام السوري الفاشي على أنّه «لاأخلاقي»، عليهم إدراك أنّ ثمة مواطناً ومثقفاً بحرينياً أو سعودياً ينظر إلى صحفهم (و«الحياة» منها) وصمتهم عن نظام الاستبداد البحريني أو السعودي الفاشيين بالموقف الأخلاقي نفسه الذي يرجمون به الآخرين، إلا إذا كانوا يرون الحرية حقّاً للمواطن السوري دون السعودي أو البحريني أو العكس!
هنا نلاحظ تضخماً في نقد كلّ منهما للنظام الذي يراه فاشياً، مقابل صمته أو تجاهله أو نقده من باب رفع العتب وبشكل عابر للنظام الآخر، كأن يطالب بالإصلاح في سوريا مقابل التغيير الجذري في البحرين، وبالعكس. الفريقان لا يمثلان الليبرالية أو اليسار؛ فهما جزء من كليهما، وثمّة ليبراليون ويساريون موقفهم متوازن وصادق من الأمرين.
ثالثاً: الموقف من المقاومة واستخدام السلاح وسيلةً لاسترداد الحقوق السياسية، يعدّ من أكثر المعضلات التي تكشف تهافت الطرفين المعنيين. بعض الليبراليين ممّن كان موقفهم لسنوات سلبياً حيال المقاومة اللبنانية والفلسطينية تحت حجج كثيرة: السلاح لا ينجب ديموقراطية، وأنّه قناع لحرب أهلية، والنضال السلمي أجدى بمواجهة قوة مدججة بالسلاح وبكل أنواع الدعم العالمي. لنفاجأ بدعمهم للسلاح في الانتفاضة السورية، وصمتهم المطبق تجاه الانتفاضة البحرينية، التي بدأت قبل السورية، وعدم إدانتهم دخول القوات السعودية لقمع شعب أعزل!
والأمر نفسه معكوساً عند بعض اليسار الداعم للمقاومة المسلحة، لكنّ مواقفه متذبذبة حيال السلاح في سوريا، لمصلحة نظام الاستبداد، مطالباً ببقائه بذريعة «بقاء الدولة»، علماً بأنّ السلاح في سوريا لا يزال حالة إشكالية تضيع بين منبتها الداخلي وحق الناس بمقاومة العنف، وأجنداتها الخارجية المتعدّدة.
والمفارقة المبكية أنّ بعض هؤلاء يرفعون الأصوات ضد القمع هنا وهناك، فيما يصمتون عن قمع سلطاتهم لشعوبها، أو ضد اختراقات إسرائيل شبه اليومية للسيادة اللبنانية.
على بعض الليبراليين الكفّ عن بدء مقالاتهم بـ«أهل الممانعة والمقاومة» كدلالة سلبية تنطبق على داعمي المقاومة، فالكثير من اليساريين يقف إلى جانب المقاومة وضد الاستبداد، يقارع النظام السوري المستبد بلحمه الحي. وعلى بعض اليسار الإقلاع عن وسم الليبرالية العربية بـ«العمالة لإسرائيل»، والارتهان لأنظمة الخليج، فهناك ليبراليّون يقفون ضد إسرائيل وقوفهم في وجه استبداد حكّامهم بلحمهم الحي أيضاً، ورائف بدوي، المعتقل في السجون السعودية، أحد هؤلاء.
إنّ الاستمرار في هذا النهج تجاهلٌ للحقائق، وخروجٌ من رحابة المعرفة باتجاه ضيق الإيديولوجية. لا يعني ذلك توقّف نقد كل منهما للآخر، لأنّه ضرورة حتمية ومعرفية للطرفين، على أن ينصبّ نحو أفكار الخصم لا شخصه، بعيداً عن «أهل المقاومة والممانعة» أو «ليبرالية النفط»، التي تُجمل يسارات وليبراليات متعددة لا يجمع بينها سوى الاسم.
إنّه منطق سحري/إيديولوجي، يحجب الوقائع لمصلحة الوهم، في وقت نحتاج فيه إلى قراءة واقعية تسهم بإعادة كل التيارات السياسية والمعرفية إلى الساحة، بعد أن أحرقها الاستبداد الطويل. فوجودها غنى لجميعها، وتطور أي منهما مرهونٌ بتطور الآخر.
* شاعر وكاتب سوري