هل هو تناقض عصيّ لا يجد جواباً لدى المعنيين؟ أم إشكال يجري التهرب منه؟ بعض الكلمات والأحكام تبدو متناقضة على نحو عجيب. رغم ذلك فالأيام تسير والاحداث تتوالى غير عابئة بطرح جواب عقلاني او احياناً رغباتي. منها ما أشار اليه احدهم بسؤال محير مفاده: ما معنى وحكم اللاجئ لدى الاسلام السياسي؟ هل هذا مفهوم يتناقض ومعاهدات ومقتضيات القانون الوضعي الحديث؟ كيف؟


اذا كان الاسلاميون قد درجوا على انّ البلاد تنقسم الى دار الاسلام ودار الحرب، فإن من يقيمون في دار الاسلام هم اعضاء في الأمة، متساوون في الحقوق والواجبات، فإذا كان هناك غزو او اعتداء على اهالي بقعة واضطروا إلى مغادرة منازلهم، فإنهم يبقون في اية بقعة من دار الاسلام متساوين مع غيرهم.
اذاً ماذا عن حق عودتهم؟ هل هو الى المنازل كحق فردي أم لاستعادة البلاد وهي حق وطني؟ هنا يكتنف الغموض الامر. فهو مقبول ولا خلاف عليه بالطرح الاول اي حق شخصي، لكن هل هو مفهوم وطني والاسلام مطروح لكل البشر لا لوطن محدد؟ مما ينجم عنه مفهوم انّ هناك نزوحاً لا لجوءاً، ولهذا يرفض كثيرون، إن لم نقل جميع فرق الاسلام السياسي، القرار 194. ويبررون مطالبتهم بعودة اللاجئين انطلاقاً من الحقوق الطبيعية... هذا صحيح، لكنّه جزئي، ويخفي الناحية الوطنية في العصر الحديث، بما يضعف مطالبة شعبنا بحق العودة.
إنّ اللاجئ الفلسطيني ــ وخاصة المسلم ــ يجب ان يتساوى، وفقاً لهذه الرؤيا، مع الآخرين، فهل هذا حاصل؟ ام ان التمييز يلحقه في كل اراضي الاسلام بمعاملته ليس كمواطن، بل ككائن من درجة ادنى، فأي تفسير للمساواة بين المسلمين هذا؟
وإذا تساووا نظرياً ألا يضر ذلك نسبياً بحق العودة؟ إذ يفترض الحصول على بطاقة هوية موحدة مع المجتمع الذي لجأ اليه. في الأردن منح الفلسطيني الجنسية الاردنية وبقي منتمياً إلى وطنه، فهل هذا حل المساواة؟ اذا كان كذلك، فإننا حكماً سنصطدم بواقع في لبنان يسمي هذا الحال الـ«توطين»، بكل ما تثيره المصطلحات من رعب لنتائج الخلافات حولها... هلوسة في وضع غير طبيعي، ولا تقدم اجابات صحيحة للبناء عليها.
وجه آخر للهلوسة الفكرية: كيف تحب كفلسطيني، بل وتناضل لبقاء المخيم في بلاد اللجوء حتى أوان العودة؟ وكيف تكرهه في الوقت ذاته؟ اصلاً لماذا تكرهه وهو الحد الادنى الذي يعيد تجميع اللاجئين بدل اندثارهم بالبعثرة والشتات؟
في مسألة المخيمات، نكرهها لأنّها رمز الهزيمة، في النكبة وبعدها النكسة، نكرهها لأنّها نقاط فرز بين العربي والآخر، تدفع بأهل المخيمات الى الدرك الادنى، نكرهها ليس بسبب اعلام حاقد يصوّرها مناطق مرعبة خارجة على القانون (في بلد غالبية مناطقه كذلك) بل لعدم قدرتها على الدفاع عن نفسها بالقوة ذاتها المتوافرة للمفترين. والأهم نكرهها لأنّها ليست وطننا، لا الابدي ولا البديل ولا المناسب.
نكرهها لأنّها ليست اماكن لعيش البشر، لا بنى تحتية مناسبة، لا ماء، لا كهرباء معقولة مثل اي جوار لها، لا مجال لاستيعاب الاسر الجديدة، لا مكان لاقامة سوق عمل، إنّها مخزن نوم لمشردين مفقرين، يخرجون صباحاً الى الآفاق يبحثون عن عمل او رزق لهم ولعيالهم، ويقبعون في غرفهم عندما يمرضون لعدم القدرة على توفير اجرة الطبيب والليالي السريرية حتى في مستشفيات... واكثر ما يثير الكره هو المباني الفارهة قرب المخيم، لانّها تفرض المقارنة بين فئات وطبقات الناس الذين لا تسمح الضيافة اللبنانية، بكل قوانينها وطائفيتها، لهم بأي حق قد يمثل يوماً لاحقاً نقطة يبنون عليها ايجاباً لتحسين شروط عيشهم. لكن كيف يمكن ان اكره المخيم، فالعِشرة الطويلة نسجت عواطف وذكريات وحياة حيوية... الاهل فيه هم العائلة الكبرى. إنّهم أزواجنا واولادنا وجيراننا الذين نحبهم، نبكي بحسرة لفراقهم أو موتهم... إنهم حكايتنا اليومية وصورة حقيقية لسيرة انسانية بكل لحظات فرحها القليلة، وساعات ارهاقها المديدة... انهم يعطوننا معنى أسمى من اللجوء، انت انسان اولاً وقبل كل شيء... صحيح انّك تحب وتكره، لكن غرابة اللجوء تصب هذه العواطف الجياشة على الشيء ذاته، يكفي أنّك مفتوح على إحدى صيغتين: اما زيارة مقابر هؤلاء اللاجئين، حيث تناجيهم ولا تنتظر ردوداً، بل تفرغ شحنات الشجن، او ترسم الابتسامة للصغار والكبار، للاطفال في ثيابهم المدرسية الجميلة، للصبايا في تزينهن قبل مغادرة المنزل، حتى يراهنّ الآخرون بأحلى الصور، للأم تحمل صغيرها بلهفة الى عيادة الهلال الاحمر لعلاجه... والى شاب يتأبط ذراع خطيبته، يوزع بكل ثقة بطاقات الدعوة لحفل عرسه القادم... انها حياة حقيقية، تعلم الصغير والكبير: المخيم مركز مجتمعنا وحافظ ثقافتنا المجتمعية، هو نسغ علاقاتنا الاسرية، وبعدها علاقاتنا السياسية والمهنية... وهو رمز دائم يومي صارخ لمظلوميتنا... اضاعوا وطننا. خدر المجتمع الدولي ضميره، عجزنا والعرب رغم ملايينهم عن الوفاء بحد ادنى لحياة كريمة... ينتج عندي ذاتياً رفض عنيد متجذر للظلم مهما كان مظهره...
لذلك سأواصل حتى اليوم الأخير رفض الواقع هنا، والإصرار على العودة، حيث الكرامة الحقيقية فلسطين.
* عضو اللجنة المركزية
للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين