عندما أنشئ المجلس الوطني السوري في الشهر السادس من عمر الانتفاضة السورية بتلك الطريقة الغرائبية في إسطنبول، تأكد لكثير من النشطاء السوريين في الداخل والخارج عقم هذا المجلس وعدم كفاءته لقيادة المرحلة، وذلك لعدة أسباب. من اهم هذه الأسباب أنّ هذا المجلس لم يرتكز على الحراك الثوري في الداخل، وأنّه أُنشئ دون انتخابات ديموقراطية، بل بناءً على المحاصصة المناطقية والسياسية، بطريقة غامضة تتناقض مع طبيعة المرحلة الحساسة التي تمر بها سوريا، وأخيراً بسبب تبعية هذا المجلس لأجندات دول على رأسها الولايات المتحدة، التي تبنته معطية إياه الوعود بما يُسمى التدخل العسكري والحظر الجوي.


لذلك كان إنشاء المجلس مسألة مربكة بالنسبة إلى الناشطين، لكن الدعمين الإعلامي والمالي، والتغطية الدولية التي تلقاها، حجبت كلها الرؤيا عن الشعب السوري، فوقع الناشطون الذين كشفوا اللعبة بين فكَّي كماشة: تخوين الشعب لهم واتهامهم بالعمالة وإحباط الانتفاضة، وخصوصاً أنّ المجلس أعطى نفسه صفة القدسية والخلاص في البدايات، وبين ضمائرهم التي لم تسمح لهم ببيع الانتفاضة لقاء وعود ستجر الويلات على الشعب السوري.
من أشد تلك الويلات خطورة على الشعب السوري عندما أُنشئ المجلس الوطني كانت وعوده المتكررة بالتدخل العسكري أو الحظر الجوي، وإعطاء تطمينات للشارع بقرب الخلاص، وهو ما جاء مراراً على لسان برهان غليون، الذي أكد أنّ النظام راحل لا محالة، وأنّ الناتو سيأتي لهم على أجنحة الملائكة لإسقاط النظام، فتلقى الشارع السوري هذه الوعود مخدوعاً بالتجربة الليبية، وكان من نتائجها أنّه حمل السلاح وحرر المناطق وقدم الشهداء منتظراً الحظر الجوي ليسقط النظام خلال أيام. وهذا ما شاهدتُهُ بنفسي في حمص مع كثير من الشباب المسلح المتحمس لوعود المجلس الوطني. بل إنّ الإخوان المسلمين صدروا السلاح إلى الداخل بناءً على وعود وتطمينات من المجتمع الدولي بقرب التدخل والخلاص...
مع مرور الأشهر، بدأ الشارع يستاء من تلك الوعود، وهذا ما لاحظه المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة، على الرغم من أنّه كان يعلم مسبقاً بحتمية مجيء الوقت الذي تنكشف فيه اللعبة، لكن إلى حينه، سيكون المجلس الوطني مجرد شماعة يعلق عليها المجتمع الدولي تسويفاته وتجاربه، ريثما تتضح الصورة الكاملة للحل الذي يتفق مع مصالحه، ولو كان ذلك على حساب دم عشرات الآلاف من أبناء الشعب السوري، إذ إنّ لعبة تضييع الوقت والمهل لا تصب إلا في مصلحة النظام الدولي، لكنّه سينأى بنفسه عنهما متهماً كبش الفداء ــ المجلس الوطني ــ بأنّه أضاع الفرصة، وذلك في الوقت الذي يتبع فيه النظام سياسة الأرض المحروقة في سوريا، ثم يستبدلها بورقة أخرى لم تحترق، ليمرر من خلالها التجارب الجديدة. هكذا خرجت علينا هيلاري كلينتون لتقر أخيراً بفشل المجلس، ولا يُعقل أن تكون كلينتون من الغباوة بحيث إنّها لم تدرك أنّه فاشل منذ البداية. اختبأ الإخوان المسلمون منذ بداية تكوّن المجلس تحت جناحَين: الجناح العلماني أو الأقلوي ــ برهان غليون ثم عبد الباسط سيدا ثم جورج صبرا ــ وذلك ليضفوا صفة التعددية ومشاركة جميع شرائح المجتمع في المجلس الوطني، ويوهموا الشارع بأنّه ليس تحت قبضتهم. والجناح الثاني هو جناح الغرب، لكن هل كان الإخوان من الغباوة إلى درجة أنهم لم يُدركوا أنّهم ورقة للحرق والتجريب؟
النماذج السياسية التي قدمها الإخوان عندما وصلوا إلى السلطة في كل من مصر وتونس تقدم إلينا الجواب. في مصر اصطدموا بالشارع لعدم اتباعهم برنامجاً اقتصادياً مغايراً للنظام السابق، وفي تونس لأنهّم لم يضبطوا أمن البلاد، أما في ليبيا، فقد وصل الإسلاميون إلى طريق مسدود مع الميليشيات والمافيات التي هددت حتى المصالح الأميركية. إثر ذلك، أعادت الولايات المتحدة النظر في قدرة الإخوان على تسلّم السلطة، وكان هذا من أهم الأسباب التي أقصت المجلس الوطني عن الساحة الدولية، إذ إنّ إخوان سوريا لم يكونوا صبيان سياسة فقط، بل كانوا مختبراً سياسياً للمجتمع الدولي.
بحثت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن بديل للمجلس الوطني، أو عن ورقة جديدة تقدم من خلالها الحل الجديد، فوضع سوريا الإقليمي لا يسمح لهم بالمغامرة أكثر من ذلك، كما غامروا سابقاً في كل من العراق وتونس ومصر، بل لا بد من التريث حتى اللحظة الأخيرة. هكذا اختيرت شخصية رياض سيف ليقدم مبادرة جديدة (لمَّاعة) وخاضعة بالمطلق للأجندة الدولية، التي من أولوياتها إقصاء الإسلاميين عن السلطة في سوريا عبر أدلجة القوى والكتائب الإسلامية لتدور في فلك الولايات المتحدة على نحو مطلق. وانبثق الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة منذ أيام، وكان رد فعل الشارع السوري مطابقاً لرد فعله عندما تأسس المجلس الوطني: التهليل والتأييد المُطلق للمبادرة الجديدة ، وهي جديدة من حيث الشكل فقط.
الشهر المقبل سيعطينا أجوبة عن الطبخة الجديدة التي تهيئها الولايات المتحدة وأوروبا والخليج لسوريا لتمريرها من خلال الائتلاف الوطني برئاسة معاذ الخطيب ــ الشخصية التي لم تحترق بعد. ولأن الشارع السوري قد بلغ من الاستياء درجة لم تعد ينفع معها الوعود والمُهل والتجارب، وخصوصاً من معارضة الخارج، فسوف نشهد حلولاً سريعة تعتمد أولاً وأخيراً على الحسم العسكري. وإن كنا لا نعلم كيف سيكون سيناريو هذه الحلول فبإمكاننا التكهن من خلال ما أعلنه سيف قبيل المؤتمر عن تأليف حكومة داخل الأراضي «المحررة»، التي بلغت 70% من مجمل أراضي سوريا (كما صرح المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية). مع أنّ هذه النسبة غير دقيقة، لأنّ هناك أحياءً يعيد النظام سيطرته عليها، وخصوصاً في ريف حمص وريف دمشق، علماً بأنّ أغلب المناطق «المحررة» تتعرض للقصف بالصواريخ وقذائف الهاون، ومنها دير الزور ودرعا وريفهما. هل بإمكاننا أن نتكهن من عبارة «حكومة انتقالية في الأراضي المحررة» أنّ سيناريو تقسيم لسوريا يجري إعداده في الخفاء؟ ربما يملك الائتلاف الأجوبة، لكن عليه أن يدرك قبل ذلك أنّ الشعب السوري الذي يود الخلاص بعد عام ونصف عام من القتل والتنكيل وبذل الغالي والرخيص، لم يعد يرضى بأي خلاص، إذ لم يعد لديه ما يخسره، وعاجلاً أم آجلاً سيختار قادته بنفسه من الشارع دون أن يخضع لأجندة أحد.
* كاتب وشاعر سوري