طوى أحمد الجلبي في حياته حقبات من السياسيّة العربيّة المُعاصرة. الرجل الذي وُلد لعائلة تربّت في كنف الملكيّة وتنعّمت بخيرات النظام الاستعماري عادت وتمرّدت على الجمهوريّة وحاولت ان تُحيي نظام الرعاية الاستعماريّة مع تغيّر نوعيّة الرعاية - والاستعمار ليس رميماً بعد.


أحمد الجلبي لم يغادر من دون ضجّة لكن تقييمه لا يمكن من دون مقياس إنجازاته، بحجم الشعارات التي رفعها، والطموحات التي وعد واشنطن بها. لم يكن أحمد الجلبي شخصيّة عاديّة في المهجر الغربي إذ انه ظنّ أن اقترب من خمرة الحكم الرئاسي، وظنّ هو وحلفاؤه من العائلات «الأرستقراطيّة» - لا يملّ الأثرياء في بلادنا من إسقاط تراتبيّة الطبقات الأوروبيّة على حياتنا العربيّة - ان عجلة التاريخ يمكن لها ان تعود إلى الوراء بدفع من جيوش أميركيّة جرّارة.
لم تكن المراثي الأميركيّة عن الجلبي عاديّة أبداً. مقالات هجاء طوال عنه تصدرت صحف الغرب، والمراثي الأميركيّة وحتى الأوروبيّة لم تحد عن عنوان واحد: ان الرجل وحده «دفع» أو «اقنع» أو «جرّ» الولايات المتحدة من أجل ان تغزو العراق، أو أنه أوهم المغامِر الأميركي. بدت الإمبراطوريّة الأميركيّة كأنها الطفل المخدوع الذي جرّه الشرّير العربي إلى التهلكة أو مشارفها. أصبح الجلبي في مماته ذا فائدة لم تعترف له أميركا بها حتى بعد سنة واحدة من الغزو الأميركي. أحمد الجلبي لم يكن جديداً في تاريخ التعاطي الأميركي مع بلادنا: رجلٌ واحد يصبح عنوان الاعتماد الغربي عليه لكنه دائماً - على عادة رجال «الشرق» - يخلف بالوعد ويخيّب الآمال. حتى حميد قرضاي الذي أصبح اسمه سبّةً في بلادنا، تحوّل (عند الأميركي) في آخر سنوات حكمه إلى عنوان سلبي لناكر الجميل: كيف يجرؤ الرجل الذي أتت به أميركا على درّاجة (بعد مقتل معقد آمالها الأوّل، عبدالحق، الرجل الذي قاد العمليّات الأميركيّة السريّة ضد النظام الشيوعيّ في أفغانستان في حقبة «حروب الأشباح»، كما أسماها الصحافي ستيف كول في كتابه ذي العنوان نفسه) مع كم الدولارات كي يحدث التغيير المنشود وكي يرفع عنواناً محليّاً لغزوة أميركيّة وبأهداف أميركيّة، ان يعترض على قتل المدنيّين الأفغان من قبل الطائرات والجنود الأميركيّين؟ وقاحة ما بعدها وقاحة.


لم يفز الجلبي في آخر انتخابات بأكثر من نصف من واحد في المئة من
الأصوات
هذا هو اشرف غاني الذي انتخبته الحكومة الأميركيّة خلفاً لقرضاي لا يعترض على ما تقتل أميركا من مدنيّين. أين تجد أميركا حلفاءها المطيعين، وكيف تعثر عليهم؟ كاد فؤاد السنيورة لو طال به الزمن ان يصبح صنواً لأشرف غاني أو عبد الحق، لكن حقبته انتهت قبل أوانها. ما أعند الذين يقاومون العدوّ الإسرائيلي والسيطرة الإمبرياليّة على بلادنا. لو أن لبنان غير منقسم ولو أن لبنان خالٍ من المقاومة، لكان فؤاد السنيورة قد نال جائزة نوبل للسلام والفيزياء والآداب في آن.
أحمد الجلبي وُلد لعائلة منتفّذة لم يستقم لها حكم العراق إلى أبد الآبدين. عهد الملكيّات لم يُكتب له ان يمتد في المشرق العربي خارج دولة الأردن التي تبذل فيها إسرائيل وأميركا النفيس والمُدمّر من أجل الحفاظ على نظامها العشائري المتخلّف ذي الوظيفة الاستعماريّة التي أوكلت قبل ان يولد الكيان المسخ (عبّر عن ذلك قبل أيّام المُرشّح الرئاسي الأميركي، جون كيستش عندما قال: لو أن الملكيّة الأردنيّة تستمرّ «لألف عام» لخدمة المصالح الأميركيّة - بالحرف). النظم الجمهوريّة والعقائد الاشتراكيّة أطاحت (خارج لبنان) بالكثير من المؤسّسات الاجتماعيّة التقليديّة وبنظم سياسيّة طُرِّزت على مقاس الاستعمار الغربي. وجد الجلبي نفسه خارج العراق وتصاهر، على عادة العائلات العربيّة الثريّة التقليديّة، مع عائلة إقطاع لبنانيّة (على الأقل، فقدت عائلات الإقطاع في لبنان نفوذها وإن لم تفقد بعد طموحاتها الحنينيّة للعودة بالتاريخ إلى الوراء). تعلّم في الجامعة الأميركيّة في بيروت لكنه لم يبتعد عن أجواء العمل السياسي. عرف موسى الصدر وتقرّب من حركة «أمل» في مرحلة صعودها الثاني بعد سقوط اليسار اللبناني قبل الاجتياح الإسرائيلي في عام ١٩٨٢ وبعده. وأقام الجلبي فترة في عمّان وكان قريباً من السلطة الحاكمة التي حاولت في ما بعد (حتى آخر يوم من حياته) ان تتنصّل منه. لكن الجلبي لم يكن يقدر أن يهرب من الأردن من دون مساعدة من داخل الأسرة الحاكمة (وكان قريباً من الأمير الحسن، الذي ما لبث ان فقد حظوته الملكيّة وتحوّل إلى باحث عن دور في المنتديات الفكريّة الإقليميّة والعالميّة). وهكذا بدأت رحلة الجلبي بالبحث عن الراعي الأميركي.
إن قصّة صعود أحمد الجلبي قصّة تستحق ان تُروى لما لها من دلالات ومن عِبَر عن الأوهام التي تنتاب من تختاره أميركا واحداً من وكلائها المحليّين. لماذا هذه الظاهرة العربيّة: لماذا يظنّ العربي الصغير الذي يرسم له الاستعمار دوراً صغيراً محدوداً أنه هو بات الذي يُقرّر مصير الدول الكبرى؟ عندما ربّت جورج بوش ذات مرّة على كتف فؤاد السنيورة وأصاب الأخير بقشعريرة المُستعمِر، ظنّ بعض أهل لبنان أن ابن عبد الباسط السنيورة الذي يتذكّره الناس على أبواب السفارة الأميركيّة في بيروت في الخمسينيات والستينيات في تظاهرات احتجاجيّة أصبح هو صانع القرار الأميركي. مرض الوهم هذا أصاب كل من اختارته أميركا، أو كل من اختار هو أن يلعب دوراً ترسمه له أميركا: وليد جنبلاط مثال لهؤلاء، وهو لا يزال يتحدّث بأسى عن وقاحة الدول الكُبرى في خذلانه. وكيف تخذل الدول الكبرى زعيم 80٪ من 5٪ من سكّان لبنان؟ ألا يدرون ما يكنّ أتباع جنبلاط له من احترام وتبجيل؟
لكن قصّة الجلبي تختلط أو تمتزج بقصّة لبناني آخر، أي فؤاد عجمي. فؤاد عجمي, الذي قد يكون أوّل لبناني يُجاهر بصهيونيّته وبمناصرته لدولة العدوّ الإسرائيلي ضد العرب، هو الذي لعب دوراً في فتح أبواب الصهيونيّة الأميركيّة امام الجلبي هذا (مرّ صهاينة لبنانيّون على مدينة واشنطن من قبل لكنهم لم يكونوا معروفين، ولم يكونوا يجاهرون بتحالفهم مع الصهيونيّة: حاول شارل مالك مثلاً أن يبقي على علاقاته الودودة مع الإسرائيليّين سرّاً إلى ان سرّبت «نيويورك تايمز» صورة له في ركن «دولة إسرائيل» في المعرض التجاري العالمي في مدينة نيويورك في أيّار 1959. ثارت ثائرة السفير اللبناني في واشنطن آنذاك، نديم دمشقيّة، واصدر بياناً تنصّل من فعلة مالك، واضطرّ مالك بعد افتضاح أمره إلى الكذب فزعم أنه صادف الركن الإسرائيلي عند ترجّله من المصعد وأضاف (كذبة أخرى) أنه فعل ذلك ليس بصفته ممثّلاً عن لبنان).
فؤاد عجمي بنى علاقته مع الجلبي عندما كان يعدّ كتابه عن موسى الصدر (والذي كرّسه للحديث عن وجود مزاج شيعي لبناني طائفي عنصري ضد الشعب الفلسطيني آنذاك). وعجمي هذا عرّف الجلبي إلى برنارد لويس الذي أصبح فاتح أبواب الصهيونيّة الأميركيّة امام الجلبي (ولويس تعرّف إلى عجمي في جامعة برنستون في السبعينيات عندما علّم عجمي هناك قبل ان يغادر بعد ان فشل الصهاينة هناك في تثبيت وظيفته في الجامعة، والتي ردّتها دائرة العلوم السياسيّة لأسباب أكاديميّة غير سياسيّة). قد يبدو الأمر وكأن هناك مؤامرة صهيونيّة واحدة رتّبت كل هذه العلاقات لكن هذا هو ما حدث بالفعل.
ومع نبذ تحليلات نظريّة المؤامرة التي ترى أن كل السياسات الأميركيّة في الشرق الأوسط تُدار من قبل حفنة من الصهاينة (هذا كان تحليل ياسر عرفات الذي كان يختزل عمليّة صنع السياسة الخارجيّة الأميركيّة برزمة من خمسة أشخاص من الصهاينة) فإن العلاقة التي تربط الصهاينة بين النافذين لا لغز فيها ولا تورية، كما أن الحركة الصهيونيّة الأميركيّة جمعت كل المنظمّات اليهوديّة والصهيونيّة في بوتقة مجلس موحّد يجتمع فيه بصورة دوريّة ممثّلون عن كل التيّارات الصهيونيّة في أميركا — وقد عمل ابن برنارد لويس، مثلاً، في اللوبي الإسرائيلي الرسمي، «إيباك» -. وليس لدينا من أدلّة إذا كان لويس عبر ابنه آنذاك قد عرّف الجلبي إلى قادة اللوبي الإسرائيلي، لكن من المؤكّد ان الأخير عقد تحالفاً مُبكّرا معهم: ليس هناك من عمل عربي سياسي منظّم في مدينة واشنطن لم ينظّم مع اللوبي الإسرائيلي، من لوبيات دول الخليج إلى لوبيات منظمّة التحرير الأوسلويّة إلى لوبي بشير الجميّل في السبعينات. علماً أن هذا لا يسري على المنظمّات العربيّة المُستقلّة التي عملت في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من أجل تعريف الرأي العام العربي بالقضيّة الفلسطينيّة لكن كل تلك التنظيمات اندثرت أو تحوّلت، كما حال «المنظمّة العربيّة - الأميركيّة لمكافحة التمييز» الى أداة بيد أمراء آل سعود.
لم ينتهِ دور عجمي عند هذا الحد في تدبير أمر الجلبي: هو كان قد دعاه أيضاً في التسعينيات إلى إلقاء محاضرة في صفّه في «كليّة الدراسات الدوليّة العليا» في جامعة جونز هوبكنز، والتي تتصف بالمعايير غير الأكاديميّة بوجود طغيان لدبلوماسيّين وساسة في هيئتها التعليميّة (وعجمي كان معروفاً بإدارته لصفوفه كمقهى باريسي حيث يدعو إليه صحافيّين وساسة غربيّين من أهل اليمين الصهيوني للتندّر والهذر). ومن الصدف ان بول وولفوويتز كان يشغل منصب عميد الكليّة آنذاك وتعرّف إلى الجلبي أثناء زيارته صف عجمي. وهذه العلاقة، بالإضافة إلى علاقة سابقة للجلبي بريتشارد بيرل (احد أقطاب المحافظين الجدد)، شكّلت الكتلة الواقية للجلبي في سنوات صعوده المذهل.

ليس هناك من عمل
عربي في واشنطن لم ينظّم مع اللوبي
الإسرائيلي
لكن الجلبي لم يكن الاختيار الأوحد والوحيد لهذه الشلّة الصهيونيّة الأميركيّة: كان هناك عمل سياسي دؤوب من أجل إحداث تغيير سياسي في العراق سابق لظهور الجلبي. ولم يكن فريق التغيير جمهوريّاً فقط بل ضم ديمقراطيّين أيضاً (كان مدير المخابرات الأميركيّة في عهد بيل كلينتون، جيمس ولزي، من أشدّ المتحمّسين لتغيير النظام في بغداد، وقد حصل قانون التغيير في الكونغرس الأميركي في عهد كلينتون على تأييد ديمقراطي وجمهوري نبع من مباركة اللوبي الإسرائيلي). ولم تنعقد الآمال الأميركيّة على الجلبي وحده بل كانت هناك جوجلة لعدد من الأسماء آنذاك، منها أياد علاّوي وسليل العائلة المالكة العراقيّة علي بن الحسين (المُكنى بـ«الشريف») وهناك من طرح ضمّ العراق «المُحرَّر» إلى الأردن وتنصيب الأمير الحسن (وليّ العهد الأردني آنذاك) ملكاً عليه (دار في خلد المحافظين الجديد أن شيعة العراق يبجّلون العائلة المالكة في الأردن أعظم تبجيل، وكتبوا نظريّات في ذلك وعوّلوا عليها من أجل إحاطة الكيان الصهيوني بكيان آخر يحفظ أمنه كما الأردن ولبنان — قبل الثمانينيات).
كانت المنافسة على أشدّها بين الطامحين للعب دور الأداة، وحاول النظام الأردني ان يدفع بأياد علاّوي لكن الجلبي عرف كيف يصل إلى قلوب الصهاينة. وعدهم بما كانوا يحلمون به: أن العراق الجديد سيكون على علاقة تحالف فوريّة مع العدوّ الإسرائيلي وان العراق الجديد سيتنصّل من القضيّة الفلسطينيّة بالكامل. أكثر من ذلك، كان الجلبي يتناقش مع وولفووتز وصحبه في أسماء المسؤولين في العراق الجديد، وكان وولفووتز يصرّح بميله إلى «انتخاب» كنعان مكيّة (الحائز دكتوراه فخريّة من الجامعة العبريّة ومن جامعة بن غوريون مع أنه لا يحمل شهادة دكتوراه حقيقيّة لكن هذه النقيصة الأكاديميّة البديهيّة لم تزعج الصهاينة الذين ابتاعوا له كرسي دراسات عربيّة في جامعة برنديس، واحدة من أعرق الجامعات الصهيونيّة في العالم) رئيساً على العراق. كان الأميركيّون المُنتشون بالنصر قبل حصوله يفصّلون الحكم على مقاس الاستعمار، وفوّضوا مكتب محاماة في قلب العاصمة واشنطن لوضع دستور ملائم (للأميركي، طبعاً) كما ان مكتب الدعاية الأميركي فوّض «مجموعة لينكلن» كي تزرع في الإعلام العربي مقالات مُرحّبة بالغزو. كان سيكون هناك حتماً دور لمثال الألّوسي الذي زايد في التعبير عن شوقه للتحالف مع العدوّ الإسرائيلي.
لكن سرعان ما خبت أحلام الحكم الأميركي. عبد المجيد الخوئي مات طعناً بالسكاكين في الصحن الحيدري في النجف، وجيش المؤتمر الوطني العراقي، الذي وعد الجلبي الآمِر الأميركي به، لم يتعدّ دزّينات من الحاشية، كما تبين ان أهواء شعب العراق لا تتوافق مع كل الوعود السياسيّة التي أغدقها الجلبي على الأميركيّين. والرجل الذي كان مُقدّراً له ان يقود العراق اكتشف ان لا أمل سياسيّاً له إلا تحت عباءة الطائفيّة الشيعيّة (والطائفيّة هي الملاذ الأخير لكل المهزومين السياسيّين في العراق كما في لبنان). وكنعان مكيّة الذي انتقاه وولفوويتز كي يكون رئيس جمهوريّة العراق الجديد سال لعابه مبكّراً: الرجل الذي وعد جورج بوش بأن الشعب العراق سيستقبل الغزاة الأميركيّين بالورود والحلوى، زار العراق مُبكّراً بعد غزوها وكتب في المجلّة الصهيونيّة، «نيوريبكلك» ان الشعب العراقي يعرفه وهو رحّب به، لكن إقامته لم تطل وغادر بصمت ولام الشعب العراقي نفسه على مقاومته للمُحتلّ ومشيئته.
والجلبي حضر خطاباً رسميّاً لجورج بوش عن حال الأمّة في الكونغرس الأميركي في عام ٢٠٠٤ كضيف رسمي للورا بوش. لكن كان هذا في زمن النشوة الأولى وزمن التعويل على الرجل الذي لم يعط الأميركي إلّا ما أراد الأميركي سماعَه. أما اليوم، فالكل يتنصّل من الجلبي. البنتاغون يلوم المخابرات الأميركيّة والأخيرة تلوم البنتاغون في مسألة الجلبي وشلّة بوش لم تسمع به قبل اليوم. وجورج بوش يزعم انه لم يعلم ان الجلبي كان سيحضر خطاب «حال الأمّة»، كأن التسلّل ممكن إلى الكونغرس الأميركي أثناء خطاب رئيس الجمهوريّة وفي أجواء الرصد والمراقبة الأمنيّة الصارمة التي تلت 11 أيلول.
لم يفز الجلبي في آخر انتخابات نيابيّة بأكثر من نصف من واحد في المئة من الأصوات. تحوّل الرجل الذي وعد بعلمانيّة مُطّبعة مع العدوّ الإسرائيلي إلى مؤسّس لواحدة من أولى التجمّعات الطائفيّة في العراق «المُحَرَّر». أصبح تحالفه مع النظام الإيراني فجأة مزعجاً للإدارة الأميركيّة. لكن هذا حال الاستعمار في بلادنا: يستعمل مَن يشاء ثم يرمي بهم مثلما يرمي المُدخِّن بأعقاب السجائر. بشارة الخوري وباقي شلّة الاستقلال كانوا مُنتقين من الاستعمار الفرنسي واحداً واحداً، قبل أن يسجنهم المُستعمر لأن ولاءهم تحوّل عنه. والنظامان السعودي والأردني كانا يفضّلان دوماً أياد العلّاوي على الجلبي. علاوي جمع بين خطاب نافر بالإنكليزيّة وبالعربيّة: هو قومي عربي بالعربيّة وجلبي آخر بالإنكليزيّة. لكن المُستعمِر خدم كل هؤلاء: لم يكن هؤلاء يحلمون بأن يصلوا إلى السلطة لولا ميشئة بول بريمر. وخطة اجتثاث البعث كانت من وضع المُستعمِر وبحماسة من الجلبي ومكيّة. لكن المستعمِر سرعان ما يتنصّل مِن أفكار تضرّه بعد حين.
على الأقل كُتب للجلبي ما يكنّه له الشعب العربي من ضغينة. زار بيروت في عام ٢٠١١ لنصرة شعب البحرين (لو أنه فكّر بنصرة شعب العراق وفلسطين) فقط لأن الموضوع يتوافق مع أجندته الطائفيّة المستحدثة. لكن نعلاً طائراً كان في انتظاره في مؤتمره الصحافي في بيروت. لكن أياً هو الجلبي الحقيقي؟ الذي وعد الاحتلال بعراق متحالف مع العدوّ الإسرائيلي أم الذي تحالف مع مقتدى الصدر كي يحصل على مقعد نيابي؟ لا هذا ولا ذاك. الجلبي كان من صنف الساسة الذين لا مبادئ ولا عقائد له (أتذكّر هنا صورته مع وليد جنبلاط أثناء زيارته إلى بيروت - كم يذكّر الأوّل بالثاني والثاني بالأوّل). لكن الجلبي عرف كيف يختار لحظاته الإعلاميّة: اختار ان يموت فيما كان مساعدوه السابقون المُنشقّون يكاشفون الرأي العام العراقي بفساد منظمّته التي لن تستمرّ بعده، والتي ماتت قبل رحيله.
لا، ليس هذا زمن أحمد الجلبي ولا زمن رعاته. ولم يستمرّ زمن بريمر لكن الأخير استعان بحفنة متنافرة من المطيعين: من رجل دين شيعي إلى شيوعي عراقي إلى رجل النظام الأردني ورجل النظام السعودي وآخرين. الكل حلم بأن يستلم السلطة بعد رحيل بريمر. لكن بريمر ترك لهم نظاما طائفيّاً استلهم التجربة اللبنانيّة بأبشع حلقاتها، ولم تسعفهم تحوّلاتهم الطائفيّة في سعيهم السياسي. لكن التاريخ سيذكر أحمد الجلبي: أنه الرجل الذي حمّلته الإدارة الأميركيّة أوزار كل عواقب ونتائج غزوها للعراق. هو وحده السبب لويلات المشرق العربي. الاستعمار مثقل بالبراءة فقط.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)