يروج «التيار الوطني الحر»، منذ سنوات، لمفهوم «الرئيس القوي». هذا الترويج بلغ ذروته مع قرب خلوّ سدة رئاسة الجمهورية منذ نحو سنة ونصف سنة، ليقترن بعد ذلك، على نحو كامل، بطرح استعادة «حقوق» مهدورة للمسيحيين في شراكة السلطة والمحاصصة، وتحديداً من زاوية الربط ما بين استبعاد «الرئيس القوي» والمضي في عملية هدر «الحقوق» المذكورة، من قبل شركاء آخرين، على نحو متواصل ومتفاقم.


في متابعة لسياسات وتوجهات «التيار الوطني الحر» بشكل عام، ورئيسه العماد ميشال عون بشكل خاص، يبدو تصحيح الخلل، واستعادة «حقوق» المسيحيين، جوهر ما يرمي إليه «التيار» البرتقالي في رفعه لشعار «الإصلاح والتغيير»، لا أي أمر آخر. يؤيد ويؤكد ذلك أن تجربة وزراء التيار في الوزارة والحكم كانت تجربة عادية باستثناء تجربة الوزير شربل نحاس، الذي تخلى عنه التيار عندما تمايز في برنامجه، وحين أزعج (أي نحاس) كل أطراف المحاصصة دون استثناء (بمن فيهم قادة التيار)، فيما عدا ذلك، وبرغم بعض الاستثناءات البسيطة هنا وهناك، فقد كرر وزراء التيار في وزاراتهم ولا يزالون سياسات تقليدية وفئوية يمارسها سواهم (وربما دفعوها في هذا السياق إلى المدى الأقصى كما يحصل في وزارة التربية في عهد وزير التيار الحالي).
«الرئيس القوي» هو، إذن، من وجهة نظر التيار، ذلك الذي سيكون دوره في الرئاسة، وكذلك نفوذه الشعبي، في خدمة تغيير التوازن الراهن في منظومة المحاصصة، بما يؤدي إلى تحسين نصييب المسيحيين فيها. قبل أن نناقش من هو الرئيس القوي بالفعل، ينبغي القول، في إمتداد ما تقدّم، أن الرئيس المصنف «قوياً» ينبغي أن يكون طائفياً، في موقعه الرسمي المنشود (الرئاسة)، ليسترد «حقوق» المسيحيين، من جهة، وفئويا في طائفته ليعزز نفوذ حزبه في وجه المنافسين، من جهة ثانية. بذلك سيكون ذلك الرئيس تصادمياً لا محالة. أولويته، طبقاً لشعاره ووعوده، ستكون في الانصراف عن الشأن العام الوطني، إلى الشأن الخاص الطائفي والحزبي. أما ما يتصل بأزمات لبنان واللبنانيين، التي مصدرها الخلل في علاقاتهم (وهو خلل مكرَّس في نظامهم السياسي، وخصوصاً في منظومة المحاصصة التي هي العمود الفقري لهذا النظام)، فلن تكون ذات أولوية إطلاقاً، على الأقل في خلال الولاية الرئاسية المتوقعة المقبلة والمحددة بست سنوات وفق الدستور اللبناني.
خاض «التيار الوطني الحر» هذه المعارك موفراً لها كل العدَّة الضرورية: توظيف تحالفاته القديمة، وتحديداً التحالف مع «حزب الله». إسقاط «الإبراء المستحيل»» مع «تيار المستقبل» .إقامة تحالفات جديدة أبرزها توقيع «إعلان النوايا» مع «القوات اللبنانية»، عدوة الأمس والاستعانة بها، لإطلاق تعبئة طائفية، منفردة أو مشتركة، بلغت حدود العنصرية في بعض الحالات. التلويح بالخروج من الصيغة والوحدة و»الشراكة»، إذا استمرت الأمور على ما هي عليه (طرحت في هذا السياق، بشكل واضح، مسألة «الفدرالية» والإنفصال، كما طرحت احتمالات أخرى من نوع العصيان والحكم الذاتي وتغيير العلاقات والتحالفات على الصعيدين المحلي والإقليمي...).
في هذه المعركة تجاوز «التيار الوطني الحر» كل منافسيه الذين كانوا يأخذون عليه «الخروج» من مسيحيته بسبب تحالفه مع «حزب الله» وتقاربه مع النظام السوري. بل هو وصل في تصعيد وتصاعد معركته، من موقع طائفي مباشر وفج، إلى حد إحراج هؤلاء ودفع أكثرهم خصومة معه واستنقاعا في الصيغة الطائفية للنظام، أي «القوات اللبنانية»»، إلى درجة التعاون (ولو الانتهازي والمفخخ) وحتى الإلتحاق أحيانا، بمواقف «التيار «البرتقالي»! لكنه بالمقابل، خسر صداقات وعلاقات، بشكل كامل أو محدود، بما أوحى بعملية خلط أوراق في غير مصلحته، كما برز في مسار الصراع على الرئاسة، من جهة، وعلى مسائل تفعيل المؤسسات وآليات عملها وأولويات جداول أعمالها من جهة ثانية... وارتكب قادة التيار أخطاء كثيرة وكبيرة في الحقل الإعلامي بما تعدى هفوات النزق والعصبية إلى بروز اتهامات بحالات إثراء غير مشروع، مكنت، بدورها، من استهداف رئيس التيار الجديد بحملة إعلامية وسياسية سوف تترك آثارها وندوبها إلى فترة غير قصيرة.
إن خوض معركة «الحقوق»، إذا تجاوز التكتيك والتعبئة وشد العصب، لن يجعل العماد ميشال عون رئيساً «قوياً» كما يأمل أن يكون. ذلك سيجعله رئيساً فئوياً ومنهكاً ومستهلكاً في معارك خاصة وحتى شخصية. لا بأس هنا من إستعادة ما آل إليه مصير الرئيس الأسبق الراحل كميل شمعون، الذي بدأ رئيساً اجتمعت على دعمه كل الكتل السياسية، وانتهى «قديساً» عند فريق من اللبنانيين فقط، ولينتهي عهده بحرب أهلية عام 1958 ، حرب عمَّقت الانقسام الداخلي ومهدت لحرب أقسى وأشمل وأخطر امتدت خمسة عشر عاماً (1975-1990).
ليس تفعيل المحاصصة هو ما يحتاجه لبنان واللبنانيون، والمسيحيون منهم على وجه الخصوص. فالمضي في التحاصص خطأ من حيث المبدأ. ثم هو، بالضرورة، عنوان معارك مفتوحة لتعديل التوازنات بالانقسام وبالتوتر وبالتوكأ على الخارج... وبالتالي بإضعاف لبنان وتهديد وحدته الوطنية إلى حدود بروز مشاريع التقسيم والفدرلة، وقبلهما وبعدهما الفشل والشلل والتعطيل والفساد والإستهتار وصولا إلى إغراق البلاد والعباد بالزبالة!
الرئيس القوي هو ذاك الذي يشخص أسباب أزمات اللبنانيين وأسباب تفاقمها وإستعصائها. وهو استناداً إلى ذلك، يحدد المراحل والأولويات لمعالجتها: بتعبئة أصحاب المصلحة في ذلك، وهم أكثرية اللبنانيين، وبتطبيق الدستور أو السعي لتعديله: تحديداً من أجل خدمة هذا الهدف الوطني الكبير. هذا هو معنى الإصلاح والتغيير المنشودين والضروريين لا أي معنى آخر يتصل بتوازنات المحاصصة وبمحاولة تعديل هذا التغيير، سلمياً أو عنفياً، وبالارتهان دائماً للخارج، كما درجت العادة حتى الأن .
لقد أعطى الدستور الحالي صلاحيات عامة لرئيس الجمهورية. وهي صلاحيات مهمة، وحتى مصيرية، عندما توضع في خدمة كل اللبنانيين لا في خدمة فئة منهم في مواجهة الفئات الأخرى. الرئيس القوي، هو، إذن، من يتمسك بتطبيق ذلك الدستور(وخصوصا البنود الإصلاحية فيه) تحقيقا للمصلحة العامة، ومن يترفع عن فئويات الآخرين ويحاول التصدي لها ومنع تكرارها. أما التعبئة الطائفية والمذهبية، فهي الممر الإجباري للمصالح الفئوية وللإنقسام ولإضعاف الوحدة الوطنية ولتعريض لبنان لمزيد من الفشل والضعف والخسائر. وهي، بذلك، لم تكن يوما ولن تكون في المستقبل عنوانا للإصلاح أو أداة لخدمته، بل عنوان تفتيت للبنان ودليل إصرار على خطأ وضعف رئيسه ومسؤوليه وعلى خلل فادح في نظامه.
بالمقابل، فإن الرئيس «التوافقي» أو «الوسطي» الذي يدير شؤون المحاصصة محاولا إقتطاع ما تيسر له من كعكة السلطة والنفوذ والمغانم، ليس هو من يحتاج إليه لبنان واللبنانيون وخصوصا بعدما تفاقمت أزماته وأزمات كل المنطقة إلى درجة غير مسبوقة .
مطلوب إذن، رئيس لبناني قوي لا رئيس طائفي وفئوي. في ظروف لبنان كانت دائماً قوة الأفراد والجماعات عامل ضعف وتهميش للمؤسسات. بكلام آخر، كان بروز وتنامي الدويلات المتعددة السبب الأساسي لعدم اكتمال مقومات ومشروعية الدولة الموحدة والحصينة، التي لن تكون كذلك ما لم تكن دولة مساواة بين اللبنانيين، ودولة قانون وعدالة وحرية يحتاجها لبنان واللبنانيون: مقيمين ومغتربين دون تمييز أو استثاء...
* كاتب وسياسي لبناني