حالما انتهيت من النصّ السابق عن اقتصاد الحرب الأهلية اكتشفت أنّ الكتابة عن الاقتصاد في الظروف التي نمرّ بها ليست كافية، ولا هي أيضاً بالجذرية التي نعتقدها. إذ ما من حراك اليوم في المنطقة سيبقى بمنأى عن الأمرين أعلاه: أي عن الاقتصاد بوصفه رافعة التغيير الراديكالي وعن الفوضى بوصفها سمة من سمات تفكّك النظم القديمة. وحين تحدّثت قبلها عن تنظيم الفوضى لم أكن اقصد بذلك المجتمع فحسب بل العملية الاقتصادية أيضاً والتي هي بالمناسبة أوسع بكثير من رطانة التبادل والإنتاج السلعي. فمن يتحدّث اليوم عن الاقتصاد بوصفه قاعدة تبادلية فحسب إنما يفعل من موقعه المنحاز إلى «الإصلاح» كدينامية لإعادة إنتاج النظام لا لتثويره من الداخل. ليس غريباً والحال كذلك أن يجد المرء كلّ من وصل إلى السلطة على ظهر الحراك القائم يتحدث عن إصلاح الاقتصاد وعن التنمية والعدالة الاجتماعية و...الخ. بات الكلام الآن يرمى على عواهنه لكثرة ما منحت «الثورة» من شرعيات لهذا وذاك من محتلّي المنابر. لا أحد يحاسب هؤلاء على فصلهم التعسّفي بين الثورة كمفهوم والواقع الفعلي الذي يتعيّن مقاربته جيداً قبل معاودة صياغته ثورياً. ربما لا يعرفون أصلاً الفرق بين الأمرين. حين يتكلّم أحدهم عن «العدالة الاجتماعية» التي قامت «الثورات» لأجلها لا يبدو أنّه يعني ما يقوله فعلياً. فالعدالة الاجتماعية التي عمّمها خطاب «الثورات» النيوليبرالي ليست هي ذاتها العدالة التي نعرفها. من قال أصلاً إنّها معطى ينوجد بمجرّد أن يسقط نظام ويحل آخر بدلاً منه. لو كانت هذه هي «العدالة الاجتماعية» لما كنّا بحاجة اليوم إلى الكلام عن تثوير للواقع أو للاقتصاد الذي ينهض عليه، ولما قضينا ساعات وساعات نشرح عن ديناميتها التي قد تستغرق وقتاً أطول بكثير مما قضيناه في ظلال «الثورة» حتى الآن. ولا يستبعد أيضاً لفرط التعقيد الذي تنطوي عليه تلك الدينامية أن يزاحمنا آخرون على ملكيّتها بأثر رجعي. ذلك أنّ النّظم التي تحكم الآن هي استمرار بشكل أو بآخر لتلك التي سقطت بالأمس وحكمتنا منذ «الاستقلال». وعلّة هذه الأخيرة أنّها لم تنشغل بشيء قدر انشغالها بتأكيد أبوّتها هي لا سواها لقضية العدالة والانحيازات الاجتماعية. سيقول أحدهم إنّ التشبيه هنا في غير محلّه، وإنّه يحمل إجحافاً كبيراً بحقّ الشعوب التي لا يمكن في حال من أحوال مساواة «ثوراتها» بانقلابات الديكتاتوريات العسكرية قبل صيرورة هذه الأخيرة «ثورات» هي الأخرى. لاحظوا هنا كيف نستسهل إطلاق مصطلح «الثورة» على أيّ منعطف يحمل بذور القطيعة مع حقبة ما. وهذه تحديداً هي المشكلة مع من يعتقد أنّ «ثورات» اليوم تختلف فعلاً عن «ثورات» الأمس. لا يرى هؤلاء غضاضة في تجريد مفهوم القطيعة من جذريته وتحويله إلى وعاء فارغ يمكنهم ولأترابهم في اليمين ملؤه بما يشاؤون من ترّهات. اذ منذ اليوم الأول للحراك في مصر بدا واضحاً أنّ هنالك اتجاهاً لربط فكرة التثوير ميكانيكياً بأيّ اصطدام مع النظام «مهما صغر شأنه». هكذا لا يعود ممكناً القول إنّ تفكيك الأجهزة الأمنية ليست خطوة ثورية إلا بمقدار معين هو مقدار ربط هذه الخطوة بما بعدها. وما بعدها (وما قبلها أيضاً) هو الاقتصاد طبعاً. لكن بمجرّد أن يحاول المرء قول ذلك سيجد نفسه وقد أصبح خارج إجماع القوى التي تحتكر تعريف العمل الثوري. لا مكان هنا للتدقيق في المصطلحات ولا لربطها بفحواها الاجتماعي. ماذا يعني أن تفكّك جهازاً أمنياً ثم توافق بعد ذلك على إعادة تركيبه بمعيّة خصوم الأمس؟ هذه عيّنة فحسب عن الوعي السياسوي الذي يجري إنضاجه حالياً ليكون ملء السمع والبصر. لا أهمية تذكر في وعي مماثل للأدوار الفعلية التي كانت تمارس في ظل هيمنة الأنظمة القديمة. مثلاً لم يكن دور الأجهزة الأمنية في الحقبة السابقة محصوراً بالمهام الزجرية وحدها، بل تضخّم ليشمل حراسة الامتيازات الطبقية التي كان يحظى بها المصرفيون ومحتكرو الصناعات التحويلية وملّاك العقارات الكبار و...الخ. رجل الأمن المعدم هنا مكلّف بممارسة مهمّة لا تدخل في صلب ما يفعله عادة: أي حماية هؤلاء الأغنياء وتحصين ممتلكاتهم وعزلها عما يجري حولها من رضّات اجتماعية. ورغم معرفة معظم صنّاع الاحتجاجات في مصر وتونس و...الخ، بذلك إلا أنهم آثروا تجاهل ما تنطوي عليه هذه الحقيقة من دلالات طبقية وفضّلوا أن يصوّبوا على الهدف الأسهل و«الأقلّ كلفة بالنسبة إليهم»: رجل الأمن الذي يحرس مصالح الأغنياء. صحيح أن المئات سقطوا جرحى وشهداء في هذه المواجهة، إلا أنّها بقيت في النهاية مواجهة جزئية، بدليل ضياع حقّ الشهداء لاحقاً ومعاودة بناء الجهاز الذي قتلهم على الأسس ذاتها التي كان يقوم عليها سابقاً. إذا أردنا تفكيك هذه المعادلة ووضعها بين يدي أيّ مواطن يرغب في أن يفهم سرّ الإحجام عن المساس بمصالح الأغنياء ومن ورائهم السلطة الطبقية فماذا نجد؟ هنالك ببساطة طرفان يزعم أحدهما أنّه انتفض ضد الآخر، لكن تلك الانتفاضة لم تقم إلا لتحدث تعديلاً جزئياً في تموضع هذا الأخير، ولتجبره على أن يكون أكثر قليلاً من مجرّد سلطة عارية ومعادية للفقراء. لنقل انّه نوع من التواطؤ المتبادل على إحداث «تغيير» لا يطال سياسات السلطة الفعلية وانحيازاتها الاجتماعية. من هنا نفهم الإصرار الدؤوب لدى الميديا المهيمنة (وخصوصاً في مصر وتونس) على تهميش كلّ النقاشات التي تطال الشأن الاقتصادي الجدّي. وبدلاً من ذلك يصار إلى تلفيق قضايا ذات بعد اقتصادي ومن ثم التركيز عليها إعلامياً، للايحاء بأنّ التهميش الذي يجري الحديث عنه ليس حقيقياً كما يشاع. والحال أنّ تلك القضايا موجودة فعلاً وهي في صلب اهتمامات الميديا اليوم (أخبار تداولات البورصة، أرباح الشركات والمصارف، أسعار العملات الأجنبية بالنسبة إلى سعر صرف العملة المحلية، نسبة النمو المحققة، خدمة الدين العام، مقدار العجز في الموازنة... إلخ)، غير أنّ المشكلة تكمن في مكان آخر. فهي (أي القضايا اعلاه) وجدت لتخدم اتجاهاً اقتصادياً بعينه. اتجاه

يعتمد على نسب النمو أكثر من اعتماده على توزيع الثروة، فضلاً عن لا مبالاته بأثر تلك النّسب الكمّية من عدمه على حياة الناس. لا يحتاج الفقراء إلى من يسألهم عن رأيهم في اتجاهات مماثلة. هم يعرفون أصلاً أن ترجيح السلطة الجديدة لهذه السياسات الاقتصادية هو من جملة الأسباب التي أفضت بواقعهم إلى مزيد من التدهور، بعدما أتت «الثورة» لتخرجهم منه، أو هكذا زعمت حينها. وما يحدث الآن يبيّن لنا ضحالة ذاك الزعم وانفصاله فعلياً عن الواقع الذي بقي بالنسبة إليه جامداً لا يتحرّك، تماماً كما تتصوّره النخبة الحاكمة الجديدة. أمّا شعار «العدالة الاجتماعية» الذي أوكلت إليه مهمّة التربيط مع الواقع حينها فيبدو أنّه كان ضرورياً للاستهلاك الداخلي، ولصرف النظر عن القضية الفعلية التي تكمن وراء أيّ زعم بإيثار العدالة الاجتماعية أو طلبها: القطيعة مع التكوينات الطبقية المافياوية. حتى الآن لا نرى أثراً يذكر لهذه القطيعة في كلّ ما تقوم به «النّخب الثورية» (ربما لأنّها تابعة لرأس المال الذي يحظى برعاية السلطة الطبقية). هي لا تفعل أصلاً إلا توكيد ذلك المرّة تلو المرّة، ومن دون خجل أو استحياء. في حين تقف على الضفة المقابلة قلّة قليلة من الناشطين والإعلاميين الشجعان الذين آثروا البقاء خارج الاصطفافات المعلّبة والمدفوعة الثمن. سأبدو الآن حين أشير إلى موقع إخباري منحاز ضدّ هذه الاصطفافات ومموّليها كمن يروّج لجهات بعينها. حسناً. لا بأس بذلك ما دام الهمّ أولاً وأخيراً هو مصلحة الفقراء الذين سحقتهم النظم المافياوية المجرمة، وهمّشتهم أبواقها، ومن ثم عاودت تهميشهم مرّة أخرى عندما انتقلت (بكلّ وقاحة ونذالة) إلى صفّ «الثورة» التي أتت باسم إنصافهم.
قبل فترة من الآن توقّف موقع «البديل» المصرية جزئياً عن العمل لأسباب بدت غير واضحة وقتها. عرفت لاحقاً أنّ العاملين فيه قد أضربوا احتجاجاً على إقالة رئيس تحرير الموقع خالد البلشي من جانب الممولين الجدد له. منذ ذلك الوقت لم أعد أتابع «البديل» إلا لماماً، فقد تخلّى هذا المنبر بعد إقالة البلشي عن انحيازه الواضح إلى جانب الطبقات الشعبية والعمّال والفلاحين ضد السلطة الطبقية العميلة ونخبتها الجديدة. لقد تململت جدّاً في هذه الفترة ولم أعد أجد في الصحافة المصرية كلّها ما يروي ظمئي إلى أخبار وتحليلات وتقارير تعبّر عن انحيازات طبقية واضحة. إلى أن اكتشفت قبل أيام معاودة خالد البلشي نشاطه الصحافي عبر موقع إخباري جديد حمل عنوان «البداية». تقريباً وجدت أنّ محتوى «البديل الأصلي» قد انتقل بالكامل إلى هنا، مضافاً إليه لمسة أكثر ديناميكية وأناقة في ترتيب المواد وتوزيعها على الصفحة. وبين كلّ ما استطلعته سريعاً، لفتني عنوان واحد تتفرّع عنه عناوين أخرى جانبية: «عمّال». ثمّة ما يستحقّ الإشارة إليه في هذا السياق: في كلّ ما يكتب في الصحافة المصرية والعربية اليوم، والتي هي بالمناسبة نتاج تحرير «الثورات» للحيّز العام لا يوجد فيها عنوان واحد مماثل! بئس الثورات إذا كانت كذلك، وتحيّة إلى «البداية» ورئيس تحريرها الذي أعاد الاعتبار إلى قضية الثورة (الفعلية لا الصورية) في مصر وموضعها من جديد (إلى جانب آخرين في اليسار الراديكالي) في سياقها الطبقي. فالثورة هي اقتصاد سياسي قبل أن تكون أيّ شيء آخر. هذا هو مضمونها وهذا هو عنوانها الوحيد. ومن دونه لا ثورة ولا من يحزنون.
* كاتب سوري