مثّلت عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري لحظة الذروة في الهجوم الغربي، الأميركي أساساً، في ظل أحادية القرار عالمياً على باقي دول العالم. وأثمر الهجوم لبنانياً، تطبيق بنود خطة «الفوضى البناءة» في الجزء المتعلق بلبنان، والشرق الأوسط، وفق النص الذي نشرته «مؤسسة واشنطن لأبحاث الشرق الأوسط»، ووفق خطة أثبتت التطورات إعدادها المسبق على نحو محكم ودقيق: أخرج الجيش السوري من لبنان، وحصلت انتفاضة شعبية تحت الشعار البراق «ثورة الأرز»، وأجريت انتخابات نيابية مكنت من كسب أكثرية مقاعد البرلمان.

في ظلال هذا الواقع، نهضت الحركة الشعبية التي عرفت بـ«ثورة الأرز»، وترجمتها السياسة حركة الرابع عشر من آذار. لم تطل مظاهر بداية إحباط الهجوم، لكن قوة اندفاعته، في مقابل خجل مقاومته، منعت كبح جماحه بسرعة. جرى التراجع بالتدريج، خطوة خطوة، وبدأت بالتآكل فعالية الهجوم الذي اتخذ منحى انحدارياً. فقد خرج «التيار الوطني الحر» من اصطفاف «ثورة الأرز»، وفشلت محاولة الحصول على غالبية كاسحة لمقاعد البرلمان اللبناني، وفق ما لحظته الخطة التي كانت تهدف الى الحصول على مئة نائب في البرلمان، أي أكثر من الثلثين، بغية إسقاط رئيس الجمهورية (إميل لحود) بالطرق القانونية، ومن ثم السيطرة التامة على السلطة.
وأتت حرب تموز 2006 لتوجه ضربة إلى اسرائيل، وحلفائها، فمثّلت عرقلة إضافية مهمة لمسار الهجوم، وأعطت جرعة لجم جديدة لاندفاعته. تطوّرات متلاحقة جرت فاقمت من واقع قوى الرابع عشر من آذار، وأدت إلى تراجع تدريجي لوضعها، كانت ذروته احداث السابع من أيار 2008 التي نشعر اليوم بأنّها الأمس القريب، لكنّها سنوات زاخرة بالأحداث والتطورات.
اتفاق الدوحة أواخر أيار من العام نفسه وضع اسس حل آني للأزمة اللبنانية المتفاقمة. تألّفت حكومات الوحدة الوطنية، وكان فؤاد السنيورة رئيساً لحكومتين، أولاهما أعقبت انتخابات 2005 النيابية نتيجة التحالف الانتخابي الرباعي، والثانية عقب اتفاق الدوحة (تموز 2008)، والاعتراض على استمرارها لاحقاً من قبل كتلة الثامن من آذار لأنّها لم تعد دستورية لتناقضها مع الميثاق الوطني بعد انسحاب كتلة نواب كل من «حزب الله» و«أمل» (القوة الشيعية).
وصولاً إلى انتخابات 2009 ومجيء سعد الحريري رئيساً لحكومة استمرت حتى سقوطها مطلع 2011، لتحل محلها الحكومة الحالية التي يرأسها نجيب ميقاتي.
بخروج قوى الرابع عشر من آذار من الحكم، شعر هذا التحالف بتلقي ضربة قاسية، فهذه هي المرة الاولى التي يخسر فيها الحكم بعد بداية الهجوم في 2005، لذا لم يكن أمامه الا اتباع لهجة تصعيدية غير مسبوقة، متمترساً بتبني شعارات المعارضة السورية للاحتماء من التداعيات السلبية للتصعيد الحاد على الصعيد الداخلي. وراح التحالف يطالب، مركزاً على نحو أساسي في أجندته على إسقاط حكومة ميقاتي، ومؤكداً أنّ غاية اهتمامه، وسبب توتره الزائد، هو استعادة السلطة.

حكم ميقاتي

حتى اغتيال رئيس فرع جهاز المعلومات العميد وسام الحسن، كان ميقاتي يحكم وفق منطق «الوسطية» كشعار طرحه مطلع إطلالته السياسية، فكانت وسطيته مواءمة الظروف القائمة، وعدم الوقوف في وجه الأعاصير بقوة.
هكذا مارس الحكم في حكومته الاولى، التي أعقبت استقالة الرئيس عمر كرامي عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لم يكن نافراً في حكمه، وظل أداؤه متوازناً مع المسار السياسي الراهن في تلك اللحظة، ومتماهياً مع تطورات المرحلة، فعمر حكومته قصير، وهي على بعد شهور معدودة من الانتخابات النيابية التي تعدّ الحكومة منحلة بانتهائها. حكم بما يتوافق مع مصلحة قوى الرابع عشر من آذار التي كانت حتى حينه في موقف صاعد وقوي، دون أن يسمي نفسه منتمياً إليها، وحاول إبقاء خطوط صداقة مع حلفاء الأمس في التحالف السوري ـ اللبناني. حافظ على متطلبات المرحلة، كإجراء الانتخابات النيابية بما لا يحسبه على طرف دون آخر، توصلاً إلى عدم خوضه الانتخابات النيابية، من جهة، وبما لم يضعف قوى الرابع عشر من آذار، من جهة أخرى. هكذا أمن ما تحتاج إليه المرحلة: برلمان لمصلحة الرابع عشر من آذار توافقاً مع رغبة الهجوم الغربي.
في حكومته الثانية التي أعقبت سقوط حكومة سعد الحريري، لم يمارس ميقاتي أيّة كيدية، مراعياً شعور شارعه، فأبقى الطاقم الحريري في السلطة، والإدارة، والأجهزة الأمنية، مضحياً بعناصر من طاقمه، مبعداً البعض، ومبقياً الآخر على مسافة بعيدة منه، إن في الحكومة أو في الإدارة.
وفي هذه الظروف، كانت قوى الرابع عشر من آذار تتراجع قوة وتأثيراً وفاعلية، حتى إذا سقطت حكومة الحريري، أصيبت هذه القوة بضربة كبيرة موجعة، دفعتها إلى لملمة جراحها بالتصعيد على جبهة دعم المعارضة السورية، لكن تطورات الأحداث، وتراجع قدرة تحالف القوى الدولية ـ العربية على الضغط بسبب الهزائم الاستراتيجية في العالم، والأزمة المالية التي تعصف بالنظام الاقتصادي الليبرالي، لم تمكّن قوى الرابع عشر من آذار من تحقيق مبتغاها. حاولت التصعيد بأشكال شتى، فوصلت أخيراً الى ترهل ومراوحة.

ما بعد اغتيال وسام الحسن

مثّل اغتيال العميد وسام الحسن مادة جديدة لقوى الرابع عشر من آذار، راهنت من خلالها على إعادة استنهاض بعض قوة فقدتها على غرار الخطط التي اعتمدتها بعد اغتيال الرئيس الحريري وكل اغتيال آخر أعقبه. هكذا لجأت مجدداً الى تحريك شارعها بأساليب مختلفة، بداية بالاحتشاد في ساحة الشهداء، ولمّا يزل دم الشهيد ساخناً، قادراً على الاستنفار والجمع. وما لبث الحراك أن تحول الى الشارع في اعمال أدت الى قطع الطرق، وانتشار المظاهر المسلحة، مطالباً برحيل حكومة ميقاتي، وصولاً الى تفجير خطوط التماس في طرابلس، لكن الأبرز كان محاولة اقتحام السرايا الحكومية أثناء تشييع العميد الحسن.
صعّدت قوى الرابع عشر من آذار من لهجتها في بيان حشدت فيه كل شعارات المرحلة السابقة طلباً لاستقالة الحكومة، لكن الرد جاءها من غير مصدر، وخاصة من التحالف الدولي الذي يحقنها بالحياة والاستمرار. فقام مندوبو الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن بالاعلان عن دعم ميقاتي، وتوالت مواقف الدعم، مما أفقد هجوم الرابع عشر من آذار الذي قام على انفعال اغتيال الشهيد وسام الحسن، وخصوصاً التصعيد الذي مارسه الرئيس سعد الحريري، والرئيس فؤاد السنيورة. وما لبث الموقف ان ازداد وضوحاً مؤذناً بنهاية الهجوم، أو بخمود وهجه وفعاليته.
وما سيزيد الطين بلّة على مواقف الرابع عشر من آذار هو فوز الرئيس الاميركي أوباما في الرئاسة، وهي إشارة الى دور أميركي تسووي على مختلف الملفات العالمية، ومنها الازمة السورية، مما سيفقد هذه القوى آخر الأوراق التي راهنت عليها، وسيلغي كل آثار الهجوم الاميركي ابتداءً من 2005، وبالتالي سيدخل البلد في مرحلة انتقالية جديدة ليست أقل من المرحلة التي اثمرت اتفاق الطائف، المرحلة التي قامت على أكتاف الحريرية في الداخل اللبناني أساساً.
ونحن نتجه إلى هذه المرحلة، افتراضاً، بدا ميقاتي متلقفاً الدعم من كل اتجاه، قوياً في موقعه، ومتأهباً لدور مستقبلي أبعد من رئاسة الحكومة. كأنه وقعت على كتفي ميقاتي أعباء المرحلة المقبلة على غرار المرحلة التي ألقيت على كتفي الرئيس الراحل رفيق الحريري عقب الطائف، فليتهيأ لها.
* كاتب لبناني