لا أحد ينكر أنّ فريق 8 آذار فوجئ باعتقال الوزير الأسبق ميشال سماحة، فالإرباك كان سيد المشهد، حيث فضّل البعض الصمت والتريث، فيما نكر آخرون موقعه في صفوفهم، مرتئين عدم التسرع وانتظار القضاء ليقول كلمته، وهو ما حدا باللواء جميل السيد إلى القول بأنّ سماحة مقطوع من شجرة! ولم تمض أيام حتى بادر العماد عون بتوجيه سهامه نحو وسام الحسن، وذلك على خلفية تسريبه للتحقيق، على اعتبار أنّه تصرف غير قانوني، مطالباً مع السيد باستدعائه للقضاء ومحاسبته. لكن حصل ذلك من دون أن ينفي العماد التهم الموجهة لسماحة، الأمر الذي جعل مجموعة 8 آذار تظهر إعلامياً وسياسياً، بمظهر المدافع عن النفس بوجه خصومهم في 14 آذار. حتى أنّ الخبير العسكري أمين حطيط، رأى في عملية الإيقاع بسماحة فخاً استدرج إليه ووقع فيه، مطالباً مع غيره من السياسيين، بإيجاد ميلاد كفوري الذي أوقع بالوزير سماحة، بالتعاون والتنسيق مع وسام الحسن، وذلك لمعرفة الحيثيات والدوافع الكامنة وراء هذا العمل، ووقوفاً على معرفة الحقيقة بكل خلفياتها. من هذه الثغرة القانونية والأمنية، دخلت 8 آذار للمطالبة بمثول كفوري والحسن أمام القضاء، باعتبار أنّ الحسن قدم لكفوري مبلغ خمسة ملايين دولار، كما رتب خروجه من لبنان، بحسب زعمهم.

أمام هذا الواقع بكل حساسياته وتشعباته السياسية والأمنية، نحاول طرح بعض التساؤلات التي من شأن الإجابة عنها أن تقودنا إلى معرفة أدق للحقيقة. وهنا سنناقش مسألة سماحة في سياق عملية اغتيال الحسن، كما رآها نجيب ميقاتي وميشال سليمان، ولكن من منظور مختلف، تناولت فصلاً منه في مادة سابقة من على هذا المنبر، والتي أشرت فيها إلى ضلوع الاستخبارات الفرنسية في عملية اغتيال الحسن. ومن المفارقة أنّه بعد نشر هذه المادة، أجاب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في معرض رده على أسئلة أحد الصحافيين، والمتعلق بارتباط سماحة بالاستخبارات الفرنسية، بأنّ هذا الامر توقف منذ وصوله ــ أي هولاند ــ إلى الرئاسة!
نحن هنا أمام شخصية ليست عادية، وما قيل عن تورطه واستدراجه، ليس سوى تبسيط، أما الحديث عن السياق الذي أتت فيه هذه العملية، فقد قُرِئ بشكل معكوس، أدى إلى استنتاجات متسرعة إن لم نقل مغلوطة. فسماحة ظهر هنا كعميل مزدوج بين الاستخبارات السورية والفرنسية، وما التنصل الفرنسي من عميلهم إلا مؤشر اختراق لحق بالاستخبارات الفرنسية من قبل السورية، وبالتالي يعتبر كسباً للسوريين، إذ كان سماحة في هذه العملية الأمنية الطعم والصياد، بالتعاون والتنسيق مع ميلاد كفوري، والهدف على الأرجح كشف منظومة الحسن وعرّابته الفرنسية في لبنان والمنطقة. من هنا يمكن فهم كلام القاضي المكلف بقضية سماحة، بأنّ ما يجري في القضاء مغاير تماماً للروايات التي يتداولها الإعلام. ففي القانون الجنائي لا تقبل شهادة العناصر الأمنية، وبالتالي نحن هنا بحاجة لشهادة كفوري، كي يتم النيل من سماحة! وعليه نسأل لماذا سهل الحسن هروب كفوري؟ على الأرجح أنّ الحسن قد خُدع وانطلى عليه اعتراف سماحة، وهو ما يفسر تراجع هذا الأخير عن اعترافه. وما لم يأت كفوري فسماحة سيبقى محتجزاً لانتهاء التحقيق. أما مسألة ضلوعه بعمل إرهابي، فهذا يجب تثبيته في القضاء عبر كشف الشبكة، التي يفترض أنّ سماحة سيدير معها مسألة العبوات، وحتى هذه اللحظة لم يَرشح أي اسم، وهو ما يرجح فرضيتنا.
فالحقيقة الأقرب إلى المعقول، أنّ العملية برمتها، أتت في إطار حرب الاستخبارات، فعملية ترك سماحة للتسجيلات مع بعض القيادات السورية وجعل كفوري يقوم بمهمة التسجيل والتصوير لسماحة، لم يكن الهدف منها إلا إقناع وطمأنة الحسن، كمقدمة لكشف الاستخبارات الفرنسية من خلاله، لذلك بادرت إلى التخلص منه بطريقة توحي بأنّ الاستخبارات السورية لها مصلحة في اغتياله. اذ هي عمدت قبل أيام من اغتياله إلى تسريب معلومات تتعلق بدوره في الإعداد لتجهيز مجاهدين ونقلهم عبر الأراضي اللبنانية إلى سوريا! وهنا علينا أن نشير لذهاب الحسن إلى ليبيا قبل وبعد سقوط القذافي، وربطه بنقل المجاهدين من ليبيا إلى لبنان وتركيا، ومن ثم العمل على إدخالهم إلى الأراضي السورية، وبالتالي يمكن وضع عمليات تهريب شحنات السلاح، كما حدث مع الباخرتين «لطف الله 1» و«لطف الله 2» في إطار العمليات المكلف بها الحسن من قبل الفرنسيين.
نورد هذا التحليل للتدليل على الدور الذي تلعبه الاستخبارات الفرنسية ومعها الاستخبارات الأميركية والعربية، لنشير إلى أمر في غاية الأهمية، يتعلق بتغيير المنظومة الأمنية على أعلى المستويات، والتي بدأت بموت عمر سليمان في الولايات المتحدة بسبب المرض! تبعها إقالة الأمير نايف وحلول بندر بن سلطان مكانه، ومن ثم اغتيال أو اختفاء الحسن ــ نقول اختفاء بسبب الملابسات التي أحاطت بالعملية ــ إذ لم توجد جثة للتعرف إليها. أما كشف الحمض النووي فأمر يبعث على الريبة، نظراً لتفرد فرع المعلومات بالتحقيق. وما يزيد الشك، مسألة دفنه إلى جوار الحريري وليس في مسقط رأسه، وذلك احترازاً من نبش الضريح ومعرفة الحقيقة! مروراً بإقالة رئيس الاستخبارات العسكرية التركية، وإحالة الرئيس السابق للاستخبارات الأردنية للتحقيق بتهم فساد، وصولاً إلى استقالة ديفيد بترايوس بحجة إقامة علاقة جنسية من خارج الزواج!
والسؤال: هل كل هذه الأحداث التي جاءت مجتمعةً ومتزامنة هي بمحض الصدفة؟ أم أنّ الموضوع يتعلق بالخلاص من هذه المنظومة، المرتبطة بمرحلة يتم الإعداد للخروج منها؟ وهل للأسد ومن خلفه حزب الله الذي أعلن سابقاً عن كشفه لمنظومة استخباراتية أميركية، دور في هذا التغيير؟ أسئلة نسوقها كمحاولة لتوسيع النظرة، والخروج من الصورة النمطية التي تتحكم بنا، باعتبار أنّ الناس لا تريد معرفة الحقيقة، بل تريد ما ترغب فيه ليكون حقيقة!
* كاتب سوري