الأب يوسف مونّس*

الشعوب تسكن طقوسها فتبقى ذاكرتها متوهّجة بحضور أوجه مؤسسيها ونورانية أعمالهم وجلالها. وهم المثال archetype والجاذب للاقتداء بهم. كل الشعوب تقيم احتفالياتها ومشهدياتها وتذكاراتها لتولع في القلب والسلوك وفي العقل وفي الحياة الشعاع غير المدرك للأعمال الخارقة التي أتى بها أبطالها وآلهتها المؤسسون.

فتعيد التماثل والتشبه imitation وmimesis بما قاموا به، وتتماهى بهم identification في أفراحهم وأوجاعهم، في عذابهم وآلامهم وتصرخ ضد توحش التاريخ تجاه شخصهم البريء المنزّه وكيف قتلوا واستشهدوا وماتوا. الإنسان كائن طقوسي، لذلك نحن نقول إن الأفعال التأسيسية في حياة الشعوب تقوم على الفجيعة والمأساة. لأنها وحدها الفجيعة تؤسس للحضارة، كما في أثينا وروما وسواهما من الحواضر. لذلك، فإن كربلاء أَسست للشيعة مسارهم وفرادتهم وشخصيتهم وحضارتهم وذهنيتهم وطقوسهم ومشاعرهم، أَنماط سلوكهم. وهذا الحس المرهف ضد الظلم والحرمان والخروج لأجل الحق. ألم يخرج الحسين ثائراً ضد الظلم والفساد ناصراً للحق والعدل، مضحياً فداءً عن الآخرين؟

لا تقتل الضحيّة لأنها بريئة

نحن اليوم، في عاشوراء، نعيش العملية النبيلة لاستشهاد الحسين، العملية التضحوية مبنية على براءة ونقاء الضحية وقداسة وعدل قضيتهم ورسالتهم. لذلك يقول رينه جيرار في كتابه على العنف المقدّسLe sacré et la violence: لا يجب أن تقتل الضحية لأنها بريئة. لكن إذا لم تقتلها فلا يمكن أن تصبح ضحية وأن تكون فداءً. من هنا، هذه العمليّة المتوحشة يجب التضحية بالأبرياء لفداء الكون والتعويض عن الخطأة والأشرار. من هنا هذه الجدلية المريعة، جدلية قتل الأبرياء ليصيروا الضحايا ليتم الفداء والخلاص من نقائهم وبراءتهم وطهارتهم وليزهر مجتمع جديد وتقوم شعوب جديدة تصلّي وتقول: اللهم اجعل حظي مع الضحايا لا مع الجلادين، لأن الضحية تفتدي نفسها وتفتدي جلادها. هذا هو المعنى اللاهوتي لبذل الذات عن الآخرين. في المسيحية كما في لاهوت الفداء والمغفرة، حيث يصرخ يسوع: اللهم اغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون. وليس في لاهوت الدماء وأخذ الثأر والانتقام، لأن الله يقول في رسائل بولس: لي النقمة وأنا أجازي. إذا جاع عدوك فأطعمه، وإذا عطش فاسقه فإنك بذلك تصبّ جمر غضبٍ ونارٍ فوق رأسه. هذا هو لاهوت الرحمة وبذل الذات.

ليل الشهداء لخلاص الآخرين

هذه العملية الفدائية تمت في كربلاء بإشراقات الروح. هناك، كما لكل الشهود لأجل الحق ليل صحراء أو ليل سجن أو ليل بستان. وأوجه نسائية رائعة وأحباء يقولون قلوبهم معك وسيوفهم عليك. والعطش يقتل الكبار والصغار. كما سار الحسين قرب المياه ولم يسمحوا له بالوصول إليها. هو ممنوع عليه التقرّب من المياه. عطش جسدي للماء وعطش نفسي للحق والعدل وخوف على النساء والأطفال. وأرض المظالم تتلقى أجساد الشهداء والأبرياء على مدى أفق الصحراء الحارقة، حيث يهب الخادم الحبشي المسيحي يلبي صوت النداء «أما من ناصر للحسين»؟ ويمتزج الدم المسيحي بدم قربان الطفل المطعون بالرماح بين أيدي الحسين وهو يصلّي: اللهم تقبّل قربانك، ويترك جون المسيحي، ليلة عرسه، عروسه ليرافق الحسين في الحياة وفي الممات شراكة عيش ومصير فتصبح كربلاء ربيعاً قيامياً لإنسانية جديدة مبنية على الحب والعطاء والفداء، وليس فقط وقتاً للأسى والحزن وجريان الدماء. بل نحاول أن نجعل منها تحفة إنسانية جمالية رائعة تعزو العالم مسرحاً وموسيقى وسينما وفناً، وخاصة في حضارة المحبّة والجمال.
لذلك، نحن اليوم في عملية تطهيرية نجدد قلوبنا وذاتنا فلا نتذكر فقط لنتأوه ونتوجع ونحزن، ثم ننسى مع رتابة الأيام عظمة الفجر الإنساني المشرق من كربلاء، الذي انبثق علينا فجراً مشعاً بالحق والعدل والفداء والبذل والعطاء ونمسح عن جبيننا خجل الخيانة وسوق النساء سبايا، واغتصاب الحق وانتهاك كرامة الإنسان لأن كل إنسان هو صورة الله وخليقته والناس كلهم عيال الله. وأقربهم إلى الله أتقاهم. لذلك ستكون قيامة للحق والفرح والعدل والسلام بعد هذا الوجع والألم.

عود إلى نهج البلاغة

فنعود ننهج من جديد لحياتنا «نهج بلاغة» المحبة والأخلاق والحكمة والعقل والرحمة الذي نهجه الإمام علي في ظلمة العقل والأيام والاغتيال والغدر لكل القيم والفضائل، وخاصة العدل والحق والرحمة. هذا هو الجانب المشرق في الإسلام كمثال وقدوة. وهذا ما يجذب المسيحيين في شخصية علي وشخصية الحسين. ألم يكتب ذلك الأستاذ نصري شلهب، في خطى علي، بولس سلامة،«عيد الغدير» وجورج جرداق، الإمام علي صوت العدالة الإنسانية. وسعيد عقل، وعبد المسيح الأنطاكي، وسليمان كتاني، وفؤاد أفرام البستاني، وروكس بن زيد العزيزي، وعباس العقاد، وراجي أنور هيفا، والكثير سواهم.

أقرأ في كتاب الله

هذا الأيام العاشورائية وفي هذا المجلس الموقّر، لها عندي في لبنان قراءة خاصة، أنا لا أقرأ فيها في كتاب قيصر، بل أقرأ في كتاب الله، لأنني لست من مدينة قيصر، بل من مدينة الله فلا قراءة في السياسة أو في العابر الزائل، بل في الثابت الدائم، لذلك أنا أسأل كما كان البابا يوحنا بولس الثاني يسأل ماذا يريد الله من الأحداث والتاريخ؟ وليس ما يريد الناس والسياسة ومصالحهم وشهواتهم في الحكم والمجد والمال والتسلط! ماذا يريد الله من كربلاء الجنوب، من كربلاء قانا، والقاع، والأشرفية، وعكار؟ أنا أعرف أن الله يكتب مستقيماً على خطوط لولبية في مسار التاريخ، وله شهد الشهداء والحسين والأولياء والأبرار والصديقون والمتصوفون والنساك والناس الطيبون، أنقياء القلوب وأنتم منهم ووجه الإمام المغيّب موسى الصدر يشرق بينهم، ومعه كوكبة العلماء الأتقياء والأصفياء فلا نعطي عن الإسلام صورة التشفّي والشماتة والسخرية كما فعل بعض المسلمين بعد إعصار ساندي، بدل أن نشارك جميع الضحايا مصيرهم ونترحم عليهم، نشرك مصيرهم مع مصير ضحيتنا ولا نقول إن الله انتقم لنا بإرسال الإعصار ساندي ليقتل الناس الذين أساؤوا لنا ولديننا، فلا نرحم الأموات والناس الأبرياء ونستخف بالعقل الذي يشرح عوامل الطبيعة. كما تكلم أوغست كونت عن المراحل الثلاث لتطور الشعوب. وكما كتب الفيلسوف Max Muller ماكس ماللر عن طفولة العقل أو Levy Bruhl عن العقلية البدائية، كأن ابن رشد ليس من تراثنا الفكري مع ابن خلدون وابن سينا والفارابي والغزالي. وكأننا لسنا من مدرسة الاستشهاد الحسينية والعلماء ولسنا في نهج الحب والرحمة والعدل كما علّم الإمام علي، ولا نهج الشهادة كما فعل الحسين. ولا نعرف من أي أصول نحن.
في النهاية، صلاتي لكم جميعاً ليحفظكم الرب ويبعد عنكم الموت والمرض والفقر والعوز وليعطكم أمانة العيش للذكرى الطيبة التي تقوم على حب الآخرين واحترامهم، وعاشوراء بطقوسيتها الغنية وأمثولاتها الرائعة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
* أمين سرّ اللجنة الأسقفيّة لوسائل الإعلام في مجلس كنائس الشرق الأوسط