هل يمكن لجبهة الغرب أن تنقسم حيث تبتعد أوروبا الغربية عن واشنطن!

هل يمكن أن تقرر أوروبا اعتماد سياسة خارجية ودفاعية مستقلة عن واشنطن وتسعى إلى تحقيق تحالفات جديدة مع روسيا، ومع الصين لاحقاً!
نظرياً، ليس ثمة من مستحيل في السياسة، لكن وجب الحديث في هذه المسألة من منظور المصالح والروابط.
لنأخذ ألمانيا على سبيل المثال، حيث يرى البعض أنه ستنتهج في المستقبل خطّاً سياسياً بعيداً من واشنطن، وتسعى للتقارب مع موسكو على حساب علاقاتها بواشنطن.

إن أمعنا النظر في المشهد الألماني، لا نرى أي رابط حضاري/ ثقافي بين برلين وموسكو. فلكل من الطرفين تاريخه الخاص وقيمه، ولم نرَ في تاريخ روسيا، حتى أيام القيصرية، أي تقارب مع ألمانيا. الأرستقراطية الروسية كانت تتحدث بلغة الصالونات، كما كان يطلق على الفرنسية.
صحيح قامت علاقات ثقافية بين المثقفين في كلا البلدين، لكن هذا أمر آخر. الأبجدية القيريلقية المعمول بها في روسيا لا تلقى قبولاً بين الألمان ذوي الجذور الثقافية والمواضي الإغريقية والرومانية.
بل ونسأل أيضاً، في هذا المقام، عن عدد الإصدارات الروسية التي ترجمت إلى الألمانية! أو عن عدد الأفلام الروسية التي تجد سوق لها ليس في ألمانيا فقط!
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، العلاقات بين الشعبين/ الدولتين لم تكن يوماً ودية حيث عانت روسيا الأمريّن من ألمانيا، في الحربين العالميتين الأولى والثانية.
روسيا لم تشن يوماً حرباً على ألمانيا، وإنما العكس.
لنصوب نظرنا نحو العلاقات بين الدولتين في السنوات الأخيرة. برلين لم تظهر يوماً أي تفهّم لقلق روسيا الدائم من عدوانية الغرب واحتقار الأخير لكل ما هو شرقي أو مشرقي. فروسيا، من منظور الغرب، العنصري، دولة شرقية، لذا فإنها دون ولا يمكن النظر إليها على أنها حليف. مواقف ألمانيا المحرضة على روسيا بالعلاقة مع أزمة أوكرانيا، ومن قبل بالعلاقة مع أزمة جورجيا، تفضح توجهات الساسة في برلين، المرتبطين على نحو وثيق بواشنطن.
لا برلين ولا السيد في واشنطن مكترث بمصالح شعبي جورجيا وأوكرانيا. الأزمتين في البلدين شكلتا منصة مناسبة لإطلاق سعار الحرب الباردة الجديدة.
لننظر أيضاً إلى الشق الاقتصادي. ألمانيا ليست دولة مستهلكة لإنتاجها، واقتصادها عماده التصدير، وإلى ماض ليس ببعيد شكلت الولايات المتحدة المستورد الأول للإنتاج الألماني (88 مليار يورو)، لكن وارداتها لا تزيد عن 49 مليار يورو. لذلك فإن أي تفكير في برلين بالاستقلال عن واشنطن غير وارد عملياً، حتى لو افترضنا توافر النيات يوماً ما!
الاقتصاد الألماني مرتبط على نحو وثيق بدول الاتحاد الأوروبي المصنعة، إضافة إلى الولايات المتحدة. وألمانيا تعاني إضافة إلى ما سبق عقدة الحرب العالمية الثانية لأنها تجرأت وهاجمت دول غربية.
النقطة الأخرى التي وجب معرفتها، أو عدم نسيانها، أن أرضاً كانت تابعة لألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية تقع حالياً في كل من بولونيا وبيلاروسا وروسيا، وهي، وفق القانون الأساس لألمانيا، تعد جزءاً لا يتجزأ من أراضيها. فالقانون الأساس الألماني يعد حدودها الشرعية تلك التي كانت قائمة عام 1937، وإلى ماض قريب كانت خريطة ألمانيا التي تظهر على شاشات التلفزيون الألماني الحكومي تشير إلى حدودها في ذلك العام، أي رفض الاعتراف بنتائج عدوانها على الاتحاد السوفياتي.
كما إن المصادر الألمانية كافة تشير إلى المدن والبلدات الواقعة ضمن تلك الحدود بأسمائها القديمة؛ مدينة غدانسك البولونية لا تزال تعرف باسمها القديم، أي دنتسيغ، وهكذا.
لذا فإن أي حديث عن حتمية مزعومة لعودة الانقسام الأوروبي بين واشنطن وموسكو لا يستند إلى أي مرجعية كانت، بل نتاج خيال جامح ومراهقة سياسية.