من يزور الجمهورية الاسلامية الإيرانية لا بدّ له من أن يعجب بهذه الدولة، ومستوى التقدم والتطور الحضاري اللذين تنعمان به الى جانب الامن والاستقرار الذي يعززه ثبات قيادتها على مبادئ الثورة الاسلامية، والمستندة الى وحدة وتماسك الشعب الايراني، والقوة المتنامية لجيشه في مواجهة أعداء الثورة، وفي المقدمة منهم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.


فإيران، وعلى مر العقود المنصرمة من عمر ثورتها، كانت كل الوقت تعمل في سبيل الارتقاء الى مصافي الدول المتقدمة والمتطورة، لا لأجل الهيمنة والتسلط على الآخرين وإنما لتحقيق الازدهار والرفاه لشعبها، ولنصرة ودعم الشعوب المقهورة والمعذبة، عملاً بالمبدأ الأساسي الذي انطلقت منه الثورة، وهو نصرة المستضعفين في العالم.
على أن من يلتقي المسؤولين ويتجول في شوارع المدن الايرانية ويزور مصانعها ومعالمها وأسواقها، لا بد له وبكل موضوعية أن يخرج بالحصيلة التالية:
أولاً: نجاح الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مواجهة العقوبات الدولية وتمكنها بفضل سياستها المستقلة وصلابة موقف قيادتها وصمود وتحمل شعبها من تحقيق التنمية والتطور في المجالات كافة، حتى باتت إيران مكتفية بكل ما يحتاج إليه شعبها، فهي تصنع الطائرات والسيارات والأدوات الكهربائية، وتنتج الطاقة النووية والغذاء، وتصنع الأدوية بكل أنواعها، والسلاح الذي تحتاج إليه للدفاع عن استقلالها وحماية إنجازاتها النووية والعلمية.
ثانياً: تنعم إيران بمستوى من التطور الحضاري الذي يتبدى في طريقه تعامل المواطنين الإيرانيين في ما بينهم والالتزام بالنظام العام، في حين يلاحظ مستوى النظافة في الطرقات العامة والاهتمام الكبير بالبيئة حيث لا يخلو طريق من وجود الأشجار والحدائق العامة الكثيفة، فيما تقوم الدولة بعملية تشجير الصحراء في سياق خطة للقضاء على التصحر فيها، وزيادة المساحات الخضراء (وهو عكس ما يحصل في لبنان).


إيران كانت تعمل في سبيل الارتقاء الى مصافّ الدول المتقدمة والمتطورة

ثالثاً: على عكس ما يروج من قبل وسائل الإعلام الغربية والدول المعادية للجمهورية الإسلامية التي تتحدث زوراً عن تزمت وتشدد وانغلاق وغياب الديمقراطية في إيران، فإن السائد فعلياً هو نموذج متقدم من الانفتاح والتفاعل بين المواطنين وعلى اختلاف انتماءاتهم، حيث يسود الوئام واحترام الآخر وحرية ممارسة الشعائر الدينية، وتتمتع المرأة بحقوقها كاملة، وتحظى بالاحترام والتقدير في المنزل والعمل والأماكن العامة، كما تتمتع جميع فئات الشعب بحق التمثيل في البرلمان.
ويسود مفهوم المواطنة في تعامل الدولة مع شعبها، حيث لا تلمس أي شكوى أو شعور لدى المواطنين بأي تفرقة أو تمييز أو تقييد على الحريات العامة، فيما يسود رقي في ممارسة الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي بما ينسجم مع طبيعة المجتمع الإيراني ونظام الجمهورية في ما بعد الثورة.
ولأن هذا النموذج الإيراني يزعج بالدرجة الأولى كيان العدو الصهيوني العنصري، تعمل منظمة أخيار الصهيونية على تحريض المواطنين المسيحيين، والأرمن بصورة خاصة، للهجرة إلى الولايات المتحدة على أنهم يهود، وتقدم لهم الإغراءات لتحفيزهم على قبول ذلك. ومع ذلك، فإن هناك وعياً لدى القيادات الارمنية لهذا المخطط وتصميماً لا يلين على بذل كل جهد مطلوب لمنعه من بلوغ غاياته.
رابعاً: رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، التي عاشها وما زال الشعب الإيراني نتيجة الحصار الغربي الجائر على مدى العقود الماضية، يسود شعور عام بالرضا والتضامن حول موقف الدولة في مواجهة الضغوط الخارجية. وقد أسهم ذلك في إحباط خطط الغرب لإثارة الفتنة بين الدولة والشعب، كما أسهم في إسقاط رهانات الغرب على إحداث تغيير من الداخل ضد نظام الجمهورية الإسلامية، وأجبر الدول الغربية وفي الطليعة أميركا، في نهاية المطاف، على التسيلم بحقوق إيران وفي مقدمها حقها بامتلاك برنامج نووي للإغراض السلمية، والاعتراف باستقلال إيران ودورها في المنطقة والعالم كدولة إقليمية لها وزنها وتأثيرها وحضورها القوي دون أن تفرط القيادة الإيرانية، أو تساوم على ثوابت الثورة الإسلامية التي قادها الأمام الخميني، وفي طليعتها نصرة المستضعفين في العالم، والوقوف إلى جانب قضية الشعب الفلسطيني، ودعم المقاومة ضد الاحتلال، ونصرة القضايا العادلة في المنطقة والعالم في مواجهة الهيمنة الاستعمارية والصهيونية. ولهذا فإن من يزور إيران بعد عقود على انتصار ثورتها، يلمس أن نهج هذه الثورة التحررية لا يزال قائماً ومستمراً ويشكل الأساس الذي تنهل منه السياسة الإيرانية، داخلياً وخارجياً.
وتلمس خلال اللقاءات مع المسؤولين ومن تلتقي بهم من المواطنين اعتزازاً كبيراً باستقلال ايران الوطني وقرارها المستقل، وعدم خضوعها لضغوط قوى الاستعمار الغربية، وبالقدرة على تحقيق الانجازات النووية والعلمية، فضلاً عن إحراز التقدم الصناعي والزراعي.
خامساً: كما يلاحظ، وبقوة، ان التزام إيران في الدفاع عن القضايا العادلة في المنطقة وفي طليعتها قضية فلسطين إنما هو التزام غير قابل للمساومة، وكذلك دعم المقاومة ضد الاحتلال، والوقوف بقوة وحزم إلى جانب سورية والعراق في تصديهما لقوى الإرهاب التكفيري. وما يلفت الانتباه مستوى تقدير المسؤولين الإيرانيين إلى أقصى حد للمواقف الراسخة والصلبة للرئيس بشار الأسد الذي رفض كل الإغراءات واختار الوقوف إلى جانب شعبه على الرغم المخاطر الكبيرة التي تعرض وما زال يتعرض لها.
وفي ما يتعلق بالعلاقة بين إيران ولبنان، يتلمس الزائر مدى الروابط القوية التي تربط الايرانيين بلبنان ومدى الاعجاب بهذا البلد العربي الوحيد الذي تمكن من الانتصار على إسرائيل على رغم صغر مساحته وضآلة موارده.
ولهذا لا يتوانى المسؤولون الايرانيون عن إبداء استعدادهم الكامل وفي أي وقت للوقوف إلى جانب لبنان ومساعدته على حل أزماته الإنمائية كافة، وفي مقدمها أزمات الكهرباء والماء والنفايات، فضلاً عن مسألة استخراج الغاز والنفط بالتوازي مع استعدادهم لتكرار عرض تزويد الجيش اللبناني مجاناً بالأسلحة التي يحتاج إليها للدفاع عن الوطن وسيادته، من دون مقابل أو شرط، في حين أن الدول الأخرى التي تدعي استعدادها لمساعدة لبنان لم تبد في أي يوم من الأيام مثل هذا الاستعداد العملي، وإنها عندما تعرض مساعدتها للبنان، إنما تقرن عرضها ذاك بشروط عدة، ويكشف ذلك من هو صديق لبنان الفعلي ومن يسعى الى استغلال ازماته لفرض الوصاية عليه.
وفي اللقاءات مع قادة الدبلوماسية الايرانية والحوار معهم يلاحظ المرء قدراً عالياً من بعد النظر والمرونة في مقاربة الأزمات القائمة في المنطقة وسبل معالجتها بعيداً عن أية مساومة على ثوابتها المبدئية، إلى جانب امتلاك نظرة واضحة سواء إلى ما يدور في المنطقة من تطورات أو إلى طبيعة الأزمات المعنية وسبل الخروج منها.
في الخلاصة، إيران الثورة لا تزال ثابتة على مبادئ ثورتها، تسير قدماً على هديها وتحقق التقدم تلو التقدم في مسيرتها الظافرة، والتي تشكل ذخراً لكل قوى التحرر والشعوب المستضعفة في العالم.
* كاتب واعلامي لبناني