من هيرودوت المؤرخ اليوناني، إلى عمرو بن العاصي، والي الخليفة الثاني، تبقى «مصر هبة النيل»، بل يبقى النيل هبة شعبها الكبير الذي يؤكد أنّه ليس عبداً «لمن غلب»، كما تسرع واستنتج الداهية العربي الأول قبل معاوية. مصر هي أرض الحضارات والمعجزات، وهي «الولّادة» كما يقول لسانها الشعبي العبقري أحمد فؤاد نجم «الزمن راح وإنت جاية»...

ما يحدث اليوم في ميدان التحرير وكل الميادين هو تجديد للثورة من ضمن جدلية الثورة نفسها. تأتي الحشود إلى الثورة عندما يستحيل عليها أن تستمر تحت سيطرة أحد الطغاة. لكنّها تأتي حاملة أهدافاً نبيلة أو ضئيلة، كبيرة أو صغيرة، عامة أو خاصة. تتفرّق الجموع بعد اجتماع، وتتنازع كتلها بعد إجماع. ليست الغلبة دائماً للأفضل. قد تكون في كثير من الحالات للأشطر والأخبث والأرذل...
الصراع سُنّة الحياة. والتناقض «قاطرة التاريخ» ودينامو التقدم. ويلاحظ فريديرك إنجلز في كتابه «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة»، بشكل عبقري أنّ «استثمار طبقة لأخرى، هو أساس الحضارة، وكل تطورها يجري في غمار تناقض دائم» (ص 183)، إلى أن تحل قضية الاستغلال والاستلاب وقبلهما العبودية والقهر...
جهد الثورة والثوار موصول إذاً بمقدار ما يتواصل جهد مضاد لتوظيف الثورة لأهداف صغيرة أو فئوية. والمراحل التاريخية لا تقاس بالامتار أو بالأيام. إنها مراحل ممتدة لسنوات أو عقود أو قرون، في محصلات ومحطات نضج العوامل الفاعلة، ما هو موضوعي منها وما هو ذاتي، على طريق طويل تشقه الحضارة الإنسانية ويتجه صعوداً رغم النكسات ورغم سوء التقدير أو خطأ الحسابات.
في تاريخ مصر الحديث أسماء كبيرة فكرية وسياسية وتنويرية. من على ضفتي النيل العظيم مرّ جمال الدين الأفغاني وسعد زغلول ومحمد عبدو ورفاعة الطهطاوي وجمال عبد الناصر ونجيب محفوظ وشهدي عطية ونصر حامد أبو زيد...
ومصر بتنوعها وتسامحها و«أزهرها» و«حسينها»، هي محط الآمال وليس سواها: لا في المحيط ولا في الخليج! في هذه المتاهة القاتلة من التشتيت والتفتيت والتشرذم والانقسام، لا بد أن تشخص الأبصار إلى مصر: مصر العروبة ومصر الثورة ومصر تأميم القناة والسد العالي والعبور وتدمير خط بارليف...
ليس كمصر من يستطيع أن ينقذ الشرق العربي والأوسط الكبير من الصراعات الهامشية: الطائفية والمذهبية والإتنية. وليس كمصر من يستطيع أن يطوّر تجربة عبد الناصر في كل أبعادها التحررية والتحريرية والاجتماعية وأن يُحررها، طبعاً، مما شابها من صعود الأجهزة وتسلطها وقمعها... ما أفسح المجال واسعاً أمام مكر السادات و«ثورته» المضادة التي عطلت مصر ودورها وفعلها التحرري والتاريخي، منذ كامب دايفيد حتى اليوم.
وفي تجربة مصر ينتصب القضاء، بشكل شبه دائم، رافعاً راية القانون ومهدداً بإشهار سيف العدالة. غريب أمر «الإخوان المسلمين» ومرشدهم والرئيس محمد مرسي، إنهم لم يلاحظوا ذلك. لقد نشأ «نادي القضاة» قبل نحو دزينة من السنوات رفضاً لمحاولة حسني مبارك ونظامه إضفاء شرعية على انتخابات مزورة. نظموا صفوفهم، وحدوا مواقفهم، وأسهموا في فضح الطاغية والطغيان وشكلوا مرجعية لا يمكن تجاوزها، رغم الانعطافات والتبدلات وتغيّر التوازنات. لقد استفاد الإخوان أكثر من سواهم، من وقفة وكفاح قضاة مصر ضد استخدام القضاء وتسخيره لتبرير القمع وشرعنة التزوير... فما بالهم اليوم يسقطون سريعاً في الفئوية وسوء التقدير وخطأ الحسابات؟ إنّ ما يجري حالياً في ميادين مصر ومدنها، في طولها وعرضها، إنما هو حركة تاريخية، حركة تصحيحية، شقت طريقها مصممة هادرة صاخبة لتقويم الاعوجاج واستئناف الثورة: إنه المرحلة الثانية من ثورة «25 يناير» التي أطاحت مبارك ورموز سلطته المستبدة والفاسدة والعميلة.
مليونية يوم الثلاثاء الماضي، هي إنذار مبكِّر بمقدار ما بكَّرت جماعة «الإخوان المسلمين» في محاولة مصادرة الثورة، وضد عودة الاستبداد باسم الحزب أو باسم الدين أو باسم مؤسسة الرئاسة. ومصر التي تكتب تاريخها ساخرة من ذوي العقول المقفلة والأحكام المتسرعة، تشرّع الأبواب أمام شروط وتحديات ومتطلبات الربيع العربي والحقيقي المنشود. إنها وملايينها المؤتلفة والموحدة والمكافحة ضد استسهال فرض ديكتاتورية جديدة، تطلق صرخة نهوض عربي جديد. كذلك فإنّها تطلق صرخة تحدٍ للقوى المستغرقة في سباتها وفي ببغائيتها وفي خمولها وعجزها. أوليس غريباً أن تصبح بعض قوى التغيير هي الأكثر رفضاً لأحكامه، وأن تكون الأكثر محافظة وانتماءً إلى الماضي، مكرسة إيمانية عمياء وطقوسية خرقاء وعبارات جوفاء...
لم تعد هناك قوى تغيير من دون إثباتات، والسلفية ليست محصورة في تيار دون سواه. إنّ السلفية تقديس للماضي وعجز عن العبور إلى الحاضر واستقالة صريحة من المستقبل. كل ما هو خلاف ذلك من الادعاءات لا يصمد أمام تجربة الحياة القاسية التي أول دروسها أنّ الثورة والتغيير لا يصنعان مرة واحدة وعبر تجربة واحدة وإلى الأبد.
ليس التفاؤل بالحدث المصري الراهن أمراً ممكناً فقط. إنّه أمر مطلوب أساساً. وهو، بهذا المعنى، حافز من أجل العمل والنشاط والمبادرة والإبداع. إنّه في مداه الطبيعي الجغرافي والسياسي والتاريخي مدعاة لإطلاق حركة جديدة على المستوى العربي جميعاً.
إنّها حركة من «نوع جديد» كما سماها يوماً القائد الشهيد فرج الله الحلو، تكون أيضاً جزءاً متكاملاً مع كل حركات التحرر العربية.
*كاتب وسياسي لبناني