بين 1954 و1956، شهدت البحرين انتفاضة شعبية غير مسبوقة، تصدرتها هيئة الاتحاد الوطني، التي تشكلت بالانتخاب، في تشرين الأول/ أكتوبر 1954، مناصفة بين الشيعة والسنة، برئاسة عبد الرحمن الباكر، لاحتواء أحداث ذات طابع طائفي. لكنها تحولت إلى حركة سياسية تاريخية، رفعت مطالب إصلاحية، أهمها: انتخاب مجلس تشريعي، وإصلاح القضاء، وإصلاح الأجهزة الأمنية، والسماح بتشكيل النقابات العمالية، وإجراء انتخابات حرة في مجالات الصحة والمعارف والبلديات، وإصدار عفو عام عن المعتقلين والمبعدين ومحاكمة المتهمين بإطلاق النار على المواطنين (1)، إضافة إلي إقالة مستشار حكومة البحرين النافذ تشارلز بلغريف، وهي تطلعات لا تختلف كثيراً عن مطالب حركة «14 فبراير» (2011). وبعد نحو ثلاث سنوات من العمل السياسي النشط، والمفاوضات مع الحكومة المحلية ومندوبي السلطات البريطانية الاستعمارية، لم تحقق الهيئة مطالبها التي رفعتها للحاكم، لكن ذلك لم يقلل من افتخار البحرينيين بهذه التجربة، خصوصاً لجهة توحيدها الطائفتين في رفع مطالب وطنية. وانتهى حراك الخمسينيات بمحاكمة قادة الحراك الوطني، وإبعادهم خارج البلاد، وإحالة بلغريف للتقاعد، وقد كان الحاكم الفعلي للجزيرة.

وحين مقاربة ما حدث حينها، ودراسة احتمالات تكراره كأرضية للخروج من الأزمة الراهنة، يمكن تسجيل التالي:
أولاً، ستواصل السلطات العمل لاحتواء أي تقارب شيعي سني، ومنع تقديم مطالبات في قائمة موحدة، وقد نجحت السلطة في المضي أكثر من ذلك، وتجييش الشارع السني ليكون ضد مطالب عامة إصلاحية ووطنية. وفي الواقع، فإن السلطات منذ تجربة الخمسينيات قد بدأت تطبق السياسات التي تساهم في تقسيم المواطنين على أسس طائفية، وجاءت ثورة إيران الإسلامية نهاية السبعينيات لتعطي النهج الحكومي التقسيمي ذرائع إضافية. وقد تحولت هذه السياسات المبعثرة في الثمانينيات، والتي اتسمت بنوع من رد الفعل في التسعينيات، تحولت في العقد الأول من الألفية الجديدة إلى خطة عمل ممهنجة يرعاها الديوان الملكي مباشرة، ووزيره النافذ خالد بن أحمد آل خليفة، وقد كشف مفاصلها الرئيسية تقرير البندر. وقد شكل تجمع الفاتح في 21 شباط / فبراير 2011 «بروفا» لقياس مدى نجاح خلق الانقسام الشيعي السني، ولعله سجل نجاحاً باهراً وأكثر مما توقعته الحكومة، حين تجمع الآلاف من السنة الموالين مرددين «الشعب يريد إزالة الدوار» (دوار اللؤلؤة). لقد ورث حراك «14 فبراير» فشل المعارضات في عقود الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي في بلورة تحالف وطني متين، ومنع استحواذ السلطات على الرأي العام السني. وتعزز هذا الانقسام في العقد الماضي برفض جمعية الوفاق الوطني الإسلامية التقدم بقائمة انتخابية وطنية في 2006 و2010، ورفضهم حتى ترشيح زعماء تاريخيين مثل عبد الرحمن النعيمي وآخرين بارزين مثل إبراهيم شريف ضمن المقاعد المضمونة للجمعية.
ثانياً، ستواصل السلطات إجراء حوارات شكلية مع بعض أطراف المعارضة، من دون أن تخرج بنتيجة ذات مغزى، كما ستواصل اتخاذ جملة من الإجراءات السطحية التي تساعد في إدارة الأزمة وشراء الوقت، استعداداً للانقضاض على الحراك المطلبي واحتوائه. ولعل أبرز هذه الإجراءات الشكلية، الحديث المتتالي والفضفاض عن تنفيذ توصيات بسيوني، وتشكيل جهاز ووزير مسؤول عن متابعتها. بيد أنّ ذلك لا يغيّر من أنّ هذا التنفيذ سيظل منقوصاً، فيما الحقيقة أن تنفيذاً أميناً لهذه التوصيات سيؤدي إلى تفكيك منظومة الدولة الديكتاتورية (2)، ولذا فإن توقع تطبيقها لا يستند إلى موقف منطقي.
ثالثاً، عند البحث عن الشخصية التي تمارس راهناً نفوذاً شبيهاً بنفوذ مستشار حكومة البحرين تشارلز بلغريف وسطوته، فإني لن اختار رئيس الوزراء الشيخ خليفة الذي هو خارج منظومة القرار، عكس ما تروج بعض أطراف المعارضة والإعلام الدولي، وسأختار بلا تردد وزير الديوان الملكي خالد بن أحمد آل خليفة، الساعد الأيمن للملك، والذي يمكن اعتباره رئيس الوزراء الفعلي، أو نائب الملك. إنه بحق الرجل الثاني في الدولة، إذا تحدث/ فعل/ أمر فكأن الملك هو من قام بذلك. فهل بالامكان إزاحة وزير الديوان وإحالته للتقاعد، كما أحيل بلغريف، وهل سيؤدي ذلك إلى تغيير مهم في الحياة السياسية؟
أولاً، يبدو مثيراً للدهشة أنّ المعارضة الرسمية في البحرين (الوفاق وشريكاتها الخمس) تتفادى انتقاد خالد بن أحمد كما تتفادى انتقاد الملك، بل ولعلك تجد بعض الانتقادات للملك، مثل القول بعدم وجود إرادة ملكية للإصلاح، التي وردت على لسان الشيخ علي سلمان الأمين العام للوفاق، لكنك لن تجد بسهولة أي انتقاد لوزيره الأول. وإذ يمكن البحث عن مبررات لتفادي دخول المعارضة في سلسلة انتقادات إلى الملك قد تقود إلى حدوث قطيعة مع رأس الدولة الذي بيده جزء رئيسي من مفاتيح الحل، فإنه قد يفهم أيضاً أنّ تقدير المعارضة هو أن خالد في مقام الملك، وانتقاده يعني انتقاد الملك. ثانياً، عاشت الجمعيات المعارضة تجربة سلبية ومريرة على صعيد تخلي الملك عن مساعديه الرئيسيين، فمنذ أيلول/ سبتمبر 2006 تطالب المعارضة بإقالة أحمد عطية الله (ابن شقيقة وزير الديوان الملكي) من منصبه وزيراً لشؤون مجلس الوزراء في أعقاب كشف المستشار السابق للديوان الملكي د. صلاح البندر عن وجود خلية حكومية يتزعمها عطية الله هدفها تقزيم المعارضة والطائفة الشيعية. وعلى خلاف المتوقع، فقد تمدد نفوذ عطية الله منذ 2006 وأنشأ له أذرعاً كالاخطبوط، وأصبح «سوبر ــ وزير» بإشرافه على جدول أعمال مجلس الوزراء، وترؤسه الجهاز المركزي للمعلومات، وديوان الخدمة المدنية، وإدارة الانتخابات، فضلاً عن المهام السرية التي تنطيه بها الخلية السرية، كما كشفها تقرير البندر، والتي تضم أذرعاً متعددة، منها استخباراتية ومالية وثالثة ذات طبيعة تبشيرية (تحويل شيعة إلى سنة)، ورابعة معنية بإنشاء وإدارة مؤسسات المجتمع المدني تابعة للسلطة، إضافة إلى ذراع إعلامية تشرف على صحيفة الوطن ومركز استطلاع الرأي والإعلام الاكتروني. وقد اضطر الملك إلى إقالة عطية الله في 25 شباط /فبراير 2011، بعد عشرة أيام من انطلاق انتفاضة «14 فبراير»، ضمن تغيير وزاري محدود بهدف امتصاص العاصفة الشعبية العاتية. ولعله لم يكن مفاجئاً أن يعيد الملك تعيين عطية الله وزيراً لشؤون المتابعة بالديوان الملكي في السادس من نيسان/ابريل 2011، بعد أن فضّت السلطات بالقوة التجمع الحاشد في دوار اللؤلؤة بدعم عسكري سعودي إماراتي. ثالثاً، إذا كان تعامل الملك مع إشكالية عطية الله على هذا النحو، فلنا أن نتصور كيف سيكون تعامله مع النسخة الأقرب إليه (خالد بن أحمد). ومع ذلك، فإنّ ما جرى يعني أن إقالة الملك للمقربين منه ستظل أمراً مطروحاً إذا كان هذا الإجراء سيقوّي وضعية الحكم أمام الحراك الشعبي. بيد أنّ إجراء من هذا النوع لن يتم إلا في ظروف قاهرة، كما أنّه لن يغيب بالضرورة الشخص المقال، الذي قد يظل فاعلاً في الكواليس. بمعنى أنّ التغيير لن يحقق نقلة مهمة في الحياة السياسية، إلا إذا استثمرها الملك لاتخاذ إجراءات إصلاحية مؤسسية عميقة.
ومن اللافت، أنه في الفترة الأخيرة من حركة الخمسينيات، سحبت هيئة الاتحاد الوطني طلبها بعزل المستشار النافذ بلغريف تعبيراً عن الاعتذار لحكومة البحرين والسلطات البريطانية، وذلك على خلفية تعرض موكب وزير الخارجية البريطاني سلوين لويد للاعتداء أثناء زيارته للمنامة في الثامن من آذار / مارس 1956 (3). هذا لا يعني أنّ المعارضة تتخوف من تكرار ذلك السيناريو، ويكلفها طلبها عزل وزير الديوان الملكي اعتذاراً لسحب مثل هذا الطلب!
والخلاصة هنا، أنّ ازاحة وزير الديوان خيار غير مطروح على الطاولة، مادام ذلك لا يمثل مطلباً معارضاً، واستبداله يعني رمي الملك لورقة دون داع. لذا فإن أمام الملك خياراً آخر وهو إزاحة عمه الشيخ خليفة من رئاسة الوزراء، لشق طريق صعب لإصلاحات تدريجية، لا تجبر الملك على تسليم دفة القرار إلى برلمان وحكومة منتخبة، ولا تتجاهل معطيات «انتفاضة ١٤ فبراير» واستحقاقات الربيع العربي.
وتجد إزاحة الشيخ خليفة دعماً من الغرب وجميع دول الخليج باستثناء السعودية، كما لا تعارضها الواجهات السنية الرئيسية المنحازة للملك، عكس ما يشاع عن تمسكهم برئيس الوزراء. أما المعارضة المرخصة (الوفاق وشريكاتها)، فهي تعتبر إزاحة رئيس الوزراء الخطوة الأولى للإصلاح، لكنها تنازلت عن كون هذا المطلب خطوة تسبق بدء حوار لفتح صفحة جديدة، ومثل هذا الموقف غير الحاسم يضع علامات استفهام حول ما إذا كان تغيير رئيس الوزراء خياراً لا بد منه للسلطات.
إبان اعتصامات دوار اللؤلؤة (شباط / فبراير ـ آذار / مارس 2011) تحوّل مطلب تغيير رئيس الوزراء إلى نوع من كسر العظم بين المعارضة المطالبة بتعيين شخصية أخرى من العائلة الحاكمة لا تعتبر «رمزاً» وتكون قابلة للمساءلة، وبين السلطة التي كانت تخشى أن يلي تغيير الشيخ خليفة تكرار ما حدث في تونس ومصر من تغييرات دراماتيكية. لكن تغيير الشيخ خليفة لم يعد بهذه الحساسية الآن، فهو أصلاً خصم للملك، وقد جرّده من كل الصلاحيات في إدارة الحكم، وعرض الشيخ حمد على عمه مراراً تعيينه في منصب نائب الملك، وهو منصب شرفي ولا ينص عليه الدستور، لذا رفضه رئيس الوزراء بشدة، وقد يكون هذا خياراً وارداً في 2014.
إن إزاحة رئيس الوزراء يراد لها أن تكون بديلاً لتسوية تاريخية، وأعني بالتسوية التاريخية، تلك التي يتفق بشأنها مع أطراف الشعب على كتابة دستور جديد. بيد أنّ رئيس الوزراء ليس إلا قشرة الديكتاتورية في البحرين، ويصعب أن تؤدي إزاحته إلى التحوّل نحو الديموقراطية، الشرط الأساسي للاستقرار، إلا إذا استغلها الملك وأعطى انطباعاً بأن رئيس الوزراء هو ما كان يعوق الإصلاحات، واتخذ إجراءات جوهرية لإعادة هيكلة مؤسسة الحكم، ويبدو ذلك سيناريو ثورياً لا يليق بمنطقة محافظة.
وأخيراً، فإنّ إحالة بلغريف كانت جزءاً من خطة لإعادة تنشيط النفوذ البريطاني في البحرين، في ظل الاضطرابات الدائمة طوال السنوات التي سبقت انتفاضة ١٩٥٦، ما يعني أن توافق آل خليفة مع داعميهم الإقيلميين والدوليين، سيكون حاسماً بشأن مدى الحاجة إلى تغيير وجوه متخذي القرار في النظام، على نحو أكبر من الاستجابة لمطالب شعبية أو إصلاح سياسي.

فرص التوافق الدستوري منعدمة

اختار شعب البحرين استقلال أرضه وهويته العربية حين وافقت إيران في ١٩٧٠ على إجراء استطلاع للرأي على استقلال البحرين (4). حينها كان الاتفاق غير المكتوب بين الشعب والعائلة الخليفية أن يلي الاستقلال التوافق على صيغة دستورية تضمن شراكة في القرار والثروة القومية بين الطرفين، رغم ان ذاك الاستطلاع غير المقنن الذي أجراه مندوب الأمين العام للأمم المتحدة في آذار / مارس ١٩٧٠ تمحور حول عروبة البحرين واستقلالها، ولم يتطرق إلى طبيعة الحكم فيها.
بعيد الاستقلال (آب / أغسطس 1972)، تشكل المجلس التأسيسي لكتابة الدستور، بأغلبية 22 عضواً منتخباً و20 عضواً معيناً. وأقر المجلس الدستور، وأصدره أمير البلاد الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في عام ١٩٧٣، ما يعكس الشراكة في كتابة الدستور وإقراره. ويعد دستور دولة البحرين الشرعية الشعبية الأولى لحكم عائلة آل خليفة في البحرين، وكان مؤملاً أن يفتح أفقاً للانتقال من حالة التوتر الدائم الذي طبع الحياة السياسية منذ دخول آل خليفة الجزيرة الصغيرة قادمين من الزبارة (تقع في الساحل الشمالي الغربي من شبه الجزيرة القطرية) في العام 1873، ويطوي ثقافة العائلة الخليفية «الفاتحة» التي مازالت تعتبر «فتح»/ الاستيلاء على البحرين من مفاخرها. وتصر العائلة الحاكمة على استخدام مصطلح «الفتح»، لأنها تعتقد أنه يمنحها رخصة لامتلاك الأرض وما عليها من شعب وممتلكات، ضمن تفسير «إسلامي» للفتوحات، يقال إنّ بعضه قد يصح عند دخول المسلمين «دولة كافرة»، لا دولة هي من أوائل الدول إسلاماً، إلا إذا اعتبرنا المواطنين من المسلمين الشيعة الذين يمثلون غالبية شعب البحرين كفاراً!
إن التوافق على الدستور سجل أيضاً اعترافاً شعبياً بشرعية حكم آل خليفة، لتكف القوى السياسية ــ الشيعية خصوصاً ــ عن الحديث عن احتلال آل خليفة للبحرين، بعد أن تحوّل أفرادها إلى جزء من الوطن، بعد نحو قرنين على دخولهم البلاد. إذاً، فإنّ معاني كتابة الدستور والتوافق عليه أعمق بكثير من كونه حدثاً سياسياً فريداً للتحوّل الديموقراطي في منطقة قاحلة سياسياً. إنّه ينقل الأطراف المتنازعة في البلد على هويته وملكيته وقراره وثروته من محل الصراع، إلى الإقرار بأنّ البحرين لجميع أبنائها بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى. بيد أنّ قيام السلطات بحل البرلمان المنتخب في ١٩٧٥، وتعليق العمل بالدستور، وإصدار قانون أمن الدولة، أعادت الوضع إلى ما قبل ١٩٧٠، ودخلت البلاد نفقاً استمر حتى ٢٠٠١، حين بدأ مشروع الملك حمد السياسي الذي كان واعداً بأن «أجمل الأيام تلك لم نعشها بعد»، كما قال، مدشناً عهده بآمال كبيرة.
وعند دراسة إمكانية تكرار ما حدث في ١٩٧٣، وفرصة أن يكون التوافق على كتابة دستور جديد خياراً متاحاً راهنا، يمكن تسجيل النقاط التالية:
أولاً، إن احد أهم الإشكالات التي عاشتها البحرين في العقد المنصرم من الألفية الجديدة هو وجود دستور غير متوافق عليه، في أعقاب إصدار الملك حمد دستور ٢٠٠٢ دون مشاورة القوى السياسية، واستفتاء الشعب. وعلى الرغم من وجود انتخابات دورية (٢٠٠٢، ٢٠٠٦، ٢٠١٠)، وبرلمان نصفه منتخب، فإنّ الوضع السياسي تردى على نحو تجاوز الإشكالات العميقة أصلاً، التي عاشتها البلاد عندما كان دستور ١٩٧٣ معلقاً ولا يعمل به، بين ١٩٧٥ و٢٠٠٢. ولعل الخطأ الفادح الذي ارتكبه الملك هو تعاليه على المرجعية الشعبية، وقيامه بإلغاء دستور ١٩٧٣ المتوافق عليه، وهو الإجراء الذي لم يقم به رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة الذي حكم البحرين بيد من حديد بين ١٩٧٢ و٢٠٠٠، لكنه لم يلغ الدستور، وإن لم يطبقه. لقد ضرب الملك بإصدار دستور ٢٠٠٢ من طرف واحد إسفيناً بينه وبين قطاعات واسعة من الشعب الذي ناصر من دواخله وبكل صدق وحماسة مشروعه السياسي. وبتوالي السياسات غير الحكيمة الأخرى أفرز ثورة غير مسبوقة في البحرين، تفجرت في الذكرى التاسعة لإصدار الدستور (١٤ فبراير ٢٠١١) (5).
ثانياً، يعتبر الملك نفسه أباً للدستور، ويرى في تغيير مرتكزات النظام الدستوري القائم مساً بشخصه ومكانته. إنّ هذا البعد الشخصي يعقّد من فرص التوافق الدستوري. إذ يبدو الملك مستنفراً حين يجري الحديث عن إلغاء مجلس الشورى الذي يعتبره الملك من بنات أفكاره، فضلاً عن كونه صمام أمان للسلطة الحاكمة، لكنّه يبدو مستفزاً أكثر حين يسمع مطلب إلغاء الدستور القائم، لقد حول ذلك الحديث عن توافق على دستور جديد إلى خط أحمر لدى السلطة.
ثالثاً، لا يبدو خطاب الجمعيات المعارضة متمسكاً بتشكيل مجلس تأسيسي يكتب الدستور، لكنّها تتمسك بمقولة دستور متوافق عليه، وربما تكون متمسكة أيضاً بمقولة أن يمر أي تعديل دستوري عبر استفتاء شعبي، ما يعني أنّ الدستور المأمول يمكن أن يكون الدستور القائم حالياً، والذي يمكن أن تتم إدخال تغييرات عليه من خلال الآليات الدستورية القائمة، التي من بينها موافقة مجلس الشورى المعين الذي يمثل نصف مقاعد البرلمان، فضلا عن موافقة الملك. وتقول بعض أطراف المعارضة إنّها لا تستبعد هذا الخيار لتسهيل التسوية السياسية، إذ تتمسك بما تسميه جوهر الحق: الشعب مصدر السلطات، ولا تتمسك بآلياته. ومن دون شك، فإن توقع إصدار دستور عصري من خلال الآليات القائمة أقرب إلى حلم يقظة.
رابعاً، يكاد يتفق كثيرون على حتمية فوز الغالبية الشيعية في أي انتخابات عادلة ونزيهة لأي مجلس تأسيسي، وهو ما يزيد من رفض السلطات والجهات السنية الموالية لهذه الفكرة، بل رفض حتى مجرد نقاشها أو وضعها على الطاولة، ولذلك ضمت بنود مبادرة ولي العهد (آذار / مارس ٢٠١١) مسائل مثل حكومة معبرة عن الإرادة الشعبية، ومجلس كامل الصلاحيات، لكنّها لم تتضمن فكرة انتخاب مجلس تأسيسي، وهي نقطة خلاف أدت ــ ضمن نقاط أخرى ــ إلى تأخير رد المعارضة على مبادرة ولي العهد بالإيجاب. وكحل لإشكالية الغالبية الشيعية، تقترح جمعية «الوفاق» اللجوء إلى خيار «الديموقراطية التوافقية»، وهو مصطلح يفهم منه منح كل طائفة حصة في الحكم، وفيتو للطائفة السنية لمنع احتكار السلطة من طرف الجماعات الشيعية (الأغلبية)، كما تقترح «الوفاق» نسبة تصويتية ــ في المجلس التأسيسي ــ تبلغ ٦٠٪ على المواد الرئيسية في الدستور. وترفض السلطات هذه المقترحات من منطلق مبدئي، ولكن أيضاً لأنّ المواطنين الشيعة مازالوا يشكلون أكثر من ٦٠٪ من السكان، رغم كل العبث في الديموغرافيا والتجنيس السياسي المتواصل. ولعل احد دلائل ذلك أن كتلة «الوفاق» النيابية حصلت على ٦٢٪ من الكتلة الانتخابية المشاركة في انتخابات ٢٠١٠ (6)، رغم أنّها فازت بـ ١٨ مقعداً فقط، بسبب الخلل في توزيع الدوائر الانتخابية.
ولا يبدو أن الملك حمد في وارد اللجوء إلى الخيار المغربي، حين اختار ملكه محمد السادس تشكيل لجنة مرموقة، في آذار/ مارس 2011، كلفها كتابة دستور يأخذ بعين الاعتبار استحقاقات الربيع العربي، ويوسع من صلاحيات البرلمان ومجلس الوزراء، رغم أن كتابة الدستور حصلت على نحو يجعل الملك المغربي رئيساً للدولة بسلطات واسعة. والرفض يعود إلى الإصرار على اتباع الآليات العقيمة للإصلاح الدستوري من خلال المؤسسة التشريعية القائمة، ولأن فكرة أن يكون رئيس الوزراء من غير العائلة الحاكمة، كما هو الحال في المغرب، غير مقبولة عند آل خليفة، حتى ورئيس الوزراء لا يحظى بصلاحيات يستمدها من الشعب، كما في الحالة الأردنية.
ومع ذلك، فإن المجلس التأسيسي الذي كتب دستور ١٩٧٣ ضم غالبية منتخبة بسيطة (صوتين)، ولم يكن يسمح للغالبية الشعبية بأن تحتكر كتابة الدستور كما هو عادة في الديموقراطيات الكلاسيكية. ومادام النقاش هنا يقارب احتمالات تكرار تجارب سابقة للخروج من الأزمة الراهنة، فلا يفترض أن يكون تشكيل مجلس تأسيسي ــ شبيه بالنموذج السبعيني ـــ محرماً مادام للسلطة صوت معتبر فيه، بيد أن ما يجعل هذه الفكرة موءودة اعتبار السلطة لها ضرباً لمشروع الملك الدستوري.

هوامش
(1) د. عيسى أمين، محاكمات ذكرى هيئة الاتحاد الوطني، ورقة قدمت في جمعية «وعد»، 23 ديسمبر 2004.
(2) انظر: توصيات بسيوني.. وصفة لإسقاط النظام، في: عباس بوصفوان، بنية الاستبداد في البحرين: قراءة في توازنات النفوذ في العائلة الحاكمة، مركز البحرين للدراسات في لندن، ١١ سبتمبر ٢٠١٢.
(3) د. عيسى أمين، هيئة الاتحاد الوطني في الوثائق البريطانية، ورقة قدمت في مقر المنبر الديموقراطي، الأحد 24 أكتوبر 2004.
(4) لمعرفة خلفيات الاستقلال، انظر: يوسف مكي، استقلال البحرين 1968ـ 1971: الموقف الشعبي وموقف القوى الإقليمية والدولية، مركز البحرين للدراسات في لندن، 14 أغسطس 2012.
(5) انظر: قراءة لدوافع سقوط الملكية، في: عباس بوصفوان، بنية الاستبداد في البحرين: قراءة في توازنات النفوذ في العائلة الحاكمة، مركز البحرين للدراسات في لندن، ١١ سبتمبر ٢٠١٢.
(6) مرجع عن فوز الوفاق بهذه النسبة.

* صحافي وكاتب من البحرين مقيم في لندن (المقال جزء من تقرير موسع ينشره قريباً مركز البحرين للدراسات في لندن www.bcsl.org.uk، وتنشر «الأخبار» التقرير على مدى الأسابيع المقبلة)