القضية الفلسطينية هي قضية مساحتها الجغرافية والتاريخية 27,009 كم، لكنّ مساحتها السياسية وفق القرارات الدولية وقرارات التخلي الفلسطيني ــ العربي هي 6209 كيلو مترات مربعة، تمثل 22.95% من مساحتها الكاملة، وهي ما تسمى حدود 67. هذا التقلص في المساحة يعبر عن التراجع في قيمة القضية لدى الكثيرين من المدعين حملها. تراجع فكري وثقافي وسياسي في وجه عدو يحترف هذه الأمور، ويدرك تماماً كيفية استثمارها اعلامياً لتفتيت القضية. وفلسطين هي قضية وجود، قضية الأرض (السيادة) والانسان ــ المجتمع (الحرية والكرامة).

يعمل الكيان الاسرائيلي على الاعتراف به كدولة يهودية منطلقاً من النظرية التي بنى عليها اغتصابه لأرض فلسطين وشعبها، بتبنيه نظرية القومية الدينية اليهودية التي تقوم على ركيزتين: شعب الله المختار وأرض الميعاد. هم يعتقدون ويؤمنون بأنّ إله اسرائيل «يهوى» أعطى وعداً وميثاقاً خصه لجماعة معينة في أرض محددة. يقول الزعيم الصهيوني مناحيم بيغن في خطاب ألقاه في الكنيست الاسرائيلي «باسم تراث الآباء الذي يعود إلى آلاف السنين، أعلن أنّ حكومة اسرائيل لن تطلب من أي أمة قريبة أو بعيدة، صغيرة أو كبيرة، أن تعترف بحقّنا في الوجود وفي الارض. لقد حصلنا على حقنا في الوجود وفي الارض من آلهة آبائنا في فجر الحضارة الانسانية، منذ ما يقارب أربعة آلاف سنة». لا يترك قادة الاحتلال فرصة في الداخل والخارج لإعادة التذكير بهذا الوعد الالهي. السؤال هو هل صراعنا مع الصهاينة صراع نصوص دينية؟! الجواب من قسمين: أولاً، نعم هو ليس صراع نصوص دينية فقط، وإنما أيضاً هو صراع حقائق تاريخية وتراثية، والعرب لا ينتجون إلا كتب التنجيم والتحريم والتحليل بينما تفتقر المكاتب إلى الدراسات المعمقة لهذه الخرافات الاسرائيلية التي وظفت نصوص العهد القديم كما يتناسب مع طموحاتها السياسية والعرقية. وأسوأ ما في الامر هو عدم إدخال هذا الوعي إلى المدارس والاكتفاء فقط ببعض العبارات المقتضبة. والخطيئة الأعظم هي عدم توجه العرب إلى المجتمعات الغربية لإيضاح هذه المفاهيم الخاطئة بينما اليهود يسيطرون على كافة الوسائل الإعلامية التي تعمل على غسل دماغ ممنهج لضمان حقها، بينما العرب غائبون بأموالهم (في لاس فيغاس ربما). ذلك على الرغم من استعداد المجتمع الغربي لتقبل هذه القضية وربما الدفاع عنها كما فعل الكثير من الناشطين الأجانب، الذين أبحروا إل غزة بينما العرب يقفون وراء مكاتبهم لا يتجرأون إلا على الكلام دون الفعل. القسم الثاني هو ماذا فعلنا في مواجهة هذه النصوص المتطرفة سوى زيادة التطرف في مجتمعاتنا ليس ضد الإسرائيليين، بل بحق بعضنا بعضاً، فالنتائج التي نصل إليها هي حركات متطرفة دينية تعمل على الادعاء بدفاعها عن الدين بالقتل والتكفير. إنّ دعوة هذه الحركات إلى إنشاء دولة دينية على مبدأ «الاسلام هو الحل» يعطي مبرراً وجودياً لإسرائيل لإنشاء دولة يهودية. دولة دينية تبرر قيام دولة دينية. لم تستطع هذه الحركات المتطرفة إلا أن تكون الوجه الآخر لإسرائيل، فما الفرق اذاً بين دعوة الحركة الصهيونية اليهود في العالم إلى «أرض الميعاد» ودعوة شيوخ التكفير إلى القتال في أرض يطلقون عليها «أرض الجهاد»؟ لا فرق إلا الكتابة، فواحدة عبرية والثانية عربية، لكنّ الجلاد واحد. فما الفرق بين شعب الله المختار ومن اختارهم الله (إلههم) ليكونوا من الصالحين في الجنة؟ أليست دعوات تكفير الآخر لمجرد انه من دين ومذهب آخر هي ذاتها «توراة» بني اسرائيل التي تشرع قتل كل إنسان غير يهودي؟ ربما نفهم أن وراء هذه الحركات المتطرفة أياديَ صهيونية، لكننا ندرك تماما أنّه لولا ضعف مؤسساتنا الدينية والفكرية لما كان هذا الفكر قد وجد بيئته في هذا العالم العربي المشتت.
حصل الشعب الفلسطيني على اعتراف بعضو مراقب في الامم المتحدة. موقع يمنح فلسطين مساحة دبلوماسية أوسع، وخاصة في محور الدعاوى الجنائية على جرائم الاحتلال الصهيوني. وهذا الاعتراف يجب التعامل معه لكونه وسيلة لا غاية. وهذا الموقع لا يجعل من فلسطين دولة كاملة السيادة على أرضها وشعبها، فالاعتراف الدولي بفلسطين دولة هو من مهمات الشعب والفصائل الفلسطينية، لكي يجعلوا من فلسطين دولة لها كيانها ومؤسساتها، لكن السؤال هو أي دولة؟ هل دولة حدود 67 أم دولة الحدود التاريخية والجغرافية؟ السؤال الاكبر هل يقبل الفلسطينيون حل الدولتين؟ وإن كانت الدولة الاولى دولة دينية، فهل ستكون الدولة الثانية الفلسطينية دولة دينية؟ وسؤال الدولة يطرح البحث عن السلطة. هل ستهب رياح الحكم الاسلامي على هذه السلطة وتسلم حركة حماس (الاخوان المسلمين) السلطة في رام الله ام تنتقل إلى غزة، وخاصة حيث تتدرج هذه الحركة التي كانت تتهم حركة فتح بأنها سلمت وفشلت دبلوماسياً إلى وصولها إلى التلميح بقبول حدود 67؟ تطرح مسألة الدولة الفلسطينية قضية عرب 48 واللاجئين في الشتات، وهل هناك إعداد لأرض بديلة (لا وطن بديل).
الصراع ليس صراع حدود بل صراع وجود، وإن لم تبنَ أو يفكَّر في بناء دولة على هذا المبدأ، فإن الكيان الذي سيشكل سيكون حارساً لحدود وجدران بين أبناء الشعب الفلسطيني. من المنتظر أن تكون عضوية السلطة الفلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة هي عضوية ثورية ونضالية، تتوازى مع الخط المقاوم والكفاح المسلح، فالخوف أن تكون تسوية السلطة دون الدولة شرطاً لمنع دخول السلاح إلى المقاومين، وهذه التسوية تصبح سيطرة على كيان وحكم ذاتي دون دولة وسلطة.
اختلفت الحركات والاحزاب التي تصل إلى الصفوف الامامية في قيادة القضية الفلسطينية. البعض نجح في اماكن معينة والبعض أخفق. هناك من يقاتل حتى الشهادة، وهناك من باع القضية ودم شهدائها، المحور الاساسي هو الشعب الفلسطيني، فهو الاساس في المواجهة، وارتباط القضية العضوي ببعدها القومي والانساني. هذه الامور مجتمعة هي التي تحدث تغييراً مهما طال الوقت والزمن، فالمهم أن نتحوّل من رد فعل إلى فعل نهضوي حقيقي في فلسطين والمشرق العربي.
* كاتب لبناني