يواصل الشعب المصري تجاوز نفسه كل يوم، بل في هذه الاسابيع القليلة كل ساعة. انه يتجاوز ايضاً المسميات والاستنتاجات السريعة او المتسرعة: تلك التي ظنت ان «الربيع العربي» قد حصل وانتهى، او تلك التي ظنت انّ «الربيع العربي» ذاك، قد انتهى قبل ان يحصل! ومن التجاوز عبرت «الثورة المصرية الثانية» (هكذا يصح ان تسمى اليوم) الى التحدي: تحدي الجديد وتحدي القديم.

هي الآن تتحدى ما اقدم عليه الإخوان من عملية قبض على السلطة والاستئثار بها على حساب بقية صُنَّاع التغيير، عنينا اول المبادرين الى اشعاله في ميادين مصر وساحاتها ومنتدياتها، من شابات وشبان «الجيل الجديد» على امتداد ارض الكنانة ومجاري النيل العظيم وفي رحاب اعرق حضارة في التاريخ. وهي تتحدى، اذ تتحدى، الكذب والخداع والنفاق واستخدام الدين والخالق في خدمة شبق الوصول الى السلطة بأي ثمن ووسيلة، حتى لو تطلب الامر التنكر للوعود والعهود والقيم والمصالح العليا بمصر وللامة العربية على حد
سواء.
والثورة المصرية الثانية تتحدى ايضاً، وبشكل مدهش، كل الثورات السابقة في اشكالها وفي ما اعتمدته من اساليب او رست عليه من صيغ اصلية او معادة او مستنسخة: لا يمكن اختصار ثورة شعب بسلطة حزب تتحول بدورها الى سلطة فرد واجهزة، حتى على حساب الحزب نفسه. فمنذ الارتداد الامبراطوري البونابرتي على الثورة الفرنسية، الى ما انتهت اليه الثورة الروسية (التي انطلقت عظيمة ورائدة) على يد فردية ستالين القاتلة، الى ما عشناه ونعيشه من ازمة النموذج القومي (البعثي خصوصاً) المتقلب ما بين الشعبوية والعسكرة والاستبداد، الى نماذج اخرى ما زالت تعيش اختبار البقاء وتحدياته، تبرز الثورة المصرية ثمرة خبرة وعبرة في آن واحد: خبرة العلم والعصر والتكنولوجيا والمعاناة، وعبرة التجارب السابقة، وخصوصاً في عثراتها وسقطاتها وعجزها وما اصاب بعضها من تحريف وتجويف وانحراف...
وعملية التجاوز والتحدي، تنطبق على مكونات الثورة المصرية نفسها. إننا نكاد لا نعرف كيف تطور دور «حزب الكرامة» مثلاً الى «التيار الشعبي»، وكيف تحوَّل وتغيّر وتعملق حمدين صباحي ومحمد البرادعي ومئات الالاف سواهما من المناضلين المثابرين الذين ينضوون الآن في «جبهة الانقاذ» التي تقود «الثورة المصرية الثانية»، او التي ولدتها تلك الثورة، فتكاملا في شوارع مصر ربيعاً يستبق الخريف الاخواني ويحاول ان يقطع الطريق على تمكنه وسيطرته الى امد، لن يكون بالضرورة طويلاً.
إنه لمبهر حقاً ذلك التطور الذي يطرأ كل يوم على المشهد المصري الرائع: كيف تتحرك جماهير مصر، وكيف تتوسع تلك الحركة، وكيف تتوحد الاهداف والقوى، وكيف تنشأ صيغ العمل المشترك وكيف يجري فضح ورذل النفاق والاحتكار والتفرد والاتجار بالدين وبالمقدسات...
والواقع انّ ما يجري في مصر، بسبب طبيعته اولاً، وبسبب كونه يجري في مصر تحديداً وثانياً، انما هو اختبار ذو مدى عربي شامل. ومن حيث هو نظرة في الماضي ونظرة باتجاه المستقبل، لن تقتصر، بالتأكيد، نتائجه على مصر، ولن تنحصر آثاره في ميادينها وازقتها ومصانعها. بل انما يجري امام اعيننا هو مدرسة حية في التغيير وفي الثورة وفي الفعل الشعبي وفي التعبئة والتضحية والمبادرة والاندفاع والشجاعة والتصميم. وهي مدرسة ينبغي ان يراقبها ويواكبها ويتعلم منها، كل دعاة التغيير وكل المناضلين من اجل احداثه، وكل الذين لم يستسلموا الى اليأس والخيبة والانكفاء... وهي مدرسة تتحدى كل الذين يعتبرون انّ ليس عليهم سوى النقل والتكرار لأنّ من سبقهم من الثوار قد قدم الاجوبة الكافية والصالحة لكل زمان ومكان، فلم يتبق سوى تكرارها بشكل مبتذل وببغائي وعاجز...
ويجب القول، في سياق ما تشهده مصر من صراعات وتحولات، بأنّ الثورة المصرية القائمة ليست موجهة ضد التديّن أو ضد الدين. فالدين عامل اصيل في حضارتنا وفي ثقافة وضمير شعبنا. انّه «روح عالم لا روح له» كما قال ماركس. وهو ثروة روحية حقيقية حين يؤخذ بسمو القيم التي جاء بها وبالثورة الاجتماعية التي احدثها، بالافاق التي اتاح ارتيادها. لكن في هذا الشأن الحساس والمصيري، فإنّ التديّن لا يساوي ابداً استخدام الدين في عملية السعي للوصول الى السلطة، مع ما يرافق ذلك احياناً من فتن وانقسامات او تعزيز السيطرة والاستبداد والاستغلال. هنا وهناك يتحوّل الدين اداة تسلط أو استبداد أو تواطؤ مع اصحابهما.
وفي المرحلة التاريخية الراهنة، تكتسب هذه المسألة بعداً شديد الاهمية. فتجربة الإخوان في الجنوح الى التفرد والاستئثار والديكتاتورية، وما رافقهما من نزوع نحو تقديم التنازلات للولايات المتحدة والعدو الصهيوني والشركات الاحتكارية، يجب ان تكون موضوع دراسة عميقة من كل القوى التي تنطلق من مواقع دينية. وستكون الاستنتاجات الصحيحة في هذا السياق عامل اغناء لحركة التغيير نحو الافضل، وخصوصاً لتوحيد القوى في مواجهة الاعداء المتربصين: اولئك الذين يغتصبون الاوطان وينهبون الثروات ويسيطرون على مصائرنا وقراراتنا...
إن شعب مصر يكتب، مرة جديدة، بعد التجارب المتلاحقة، وآخرها تجربة القائد الراحل جمال عبد الناصر، صفحات ناصعة جديدة في تاريخه وتاريخ كل المنطقة. وهي تجربة يجب ان تشاركه فيها كل الشعوب العربية بالمواكبة والدعم، وخصوصاً منها تلك التي تتعرض لأسوأ انواع القمع والكبت والتغييب والنهب والارهاب.
* كاتب وسياسي لبناني