لا يمكن فهم ذهنية الرئيس بشار الأسد، دون الوقوف على التجربة السياسية التي مر بها والده الراحل، لما لها من دور مؤثر في نشأته السياسية، فطريقة التعاطي مع الأزمة التي تعصف بسوريا، توحي بحضور الموروث الأبوي، القائم على سياسة العقل البارد في مقارعة الخصوم، وهو نهج مكّن الأب من الإمساك بمفاصل الحكم، طيلة عقود ثلاثة. مرحلة بدأها بانقلابه، المسمى الحركة التصحيحية، على جناح صلاح جديد اليساري، حيث استغل صراع الأخير مع الفريق أمين الحافظ، ليتمكن على أثره من الوصول إلى زعامة الحزب والدولة. يومها لقي الانقلاب تأييداً من معارضي جديد، وكان أبرزهم عصام العطار، الذي راهن وقتها على وصول قيادة معتدلة، تسهل على الإخوان المسلمين الوصول إلى السلطة، إلّا أن حساب الحقل لم يطبق على حساب البيدر.

ولتقويم تجربة الراحل، ينبغي فهم حيثيات مراحل حكمه، حيث عمد في المرحلة الأولى، إلى تعزيز قوته داخل الحزب، عبر كسب الموالين واستمالة معارضيه، وإقصاء من بقي على الخلاف معه، ليتمدد بعدها نحو باقي القوى، استكمالاً لمشروعه القائم على قيادة الدولة والمجتمع، الذي اختزل لاحقاً بشخصه. من هذا المتحول خرج التسلط والفساد، اللذان أفضيا إلى نشوء التطرف بشقيه السياسي والديني، وهو ما جرى إدراكه لاحقاً. حقيقة عكستها توصيات المؤتمر القطري السابع، في 6/12/1980. حيث أقرت بوجود «إشكالات معيشية، رافقها بروز طبقة ذات ثراء وجشع نمت كالطفيليات، إضافة إلى الأساليب الخاطئة في تطبيق الديموقراطية الشعبية .. هذه المساوئ وإن وجدت سابقاُ، لكنها لم تكن معروفة داخل سوريا بهذه الشمولية».
لتأتي المرحلة الثانية بداية أحداث 1979، حين دعا معارضيه إلى مصالحة وطنية، تقوم على توسيع عمل الجبهة وتفعيل المشاركة السياسية. خطوة رأى فيها معارضوه، أنها جاءت متأخرة، وبالتالي لم تحل دون اندلاع العنف السياسي، الذي دفع بالمتشددين داخل الحزب إلى رفع شعار: العنف الثوري في مواجهة العنف الرجعي، والدخول في أكبر تحد مصيري للأسد والحزب. فكانت أحداث 1979-1982 التي قادها تياران سياسيان: الأول إسلامي، تمثل في الطليعة الإسلامية المنشقة عن الإخوان بزعامة عدنان عقلة، الداعي إلى ثورة إسلامية، والتنظيم العام للإخوان المسلمين بقيادة عدنان سعد الدين، والطلائع الإسلامية، جماعة العطار في حينها، إضافة إلى بعض المجموعات الدينية الأخرى، كالجماعات السلفية والدعوة والتبليغ، وجبهة الثوار المسلمين، وجماعة الهدى الصوفية في حلب، ومرشدها أبو النصر البيانوني، والد علي صدر الدين، المراقب السابق للإخوان. أما التيار الثاني، فانضوى تحت اسم «التجمع الوطني الديموقراطي»، وضم كلاً من الحزب الشيوعي السوري «المكتب السياسي»، الاتحاد الاشتراكي العربي، حركة 23 شباط، حركة الاشتراكيين العرب، وحزب العمال الثوري.
من حيث الشكل، اتفق التياران على ضرورة إسقاط النظام، لكنهما اختلفا في الأسلوب والآلية، وبالتالي على الطريقة الواجب اتباعها؛ فبينما دعا التيار الأول إلى الجهاد، كان الثاني يدعو إلى تفعيل الإضرابات والاعتصامات، كمقدمة للعصيان المدني. وبالرغم من نزوع الأوضاع السياسية نحو العنف والفوضى، فقد حاول الأسد طمأنة خصومه، بتأكيده على دور القضاء في مكافحة الفساد وتعليق حالة الطوارئ، وإعادة النظر في محكمة أمن الدولة، وعزمه على تأليف حكومة تكنوقراط، مع اعترافه بشرعية المعارضة ودعوتها إلى الحوار، مستثنياً «المجموعات التي تتبنى خطاباً طائفياً وتحمل السلاح».
هنا رأت المعارضة في سياسة اليد الممدودة، مؤشر ضعف وحيلة لشراء الوقت، لذلك رفضت الحوار، مشيرةً إلى أن سقوطه مسألة وقت. والنتيجة أتت مغايرة لحساباتها، المبنية على النظم الإقليمية الداعمة لها، كصدام حسين وأنور السادات والملك حسين، الذي أقام معسكرات تدريب، تشرف عليها الاستخبارات الأردنية، بتنسيق مع الاستخبارات البريطانية ومن ورائها الأميركية، فصدّقت وهم الخارج، بأن أيام الأسد معدودة. وهذا يقودنا إلى المرحلة الثالثة، التي حكم الأسد فيها منفرداً، بعدما هزم معارضيه. ولينزلق البلد نحو هاوية الموات السياسي، موات أدى معه تفرد الحزب إلى ترهله، وذلك على خلفية تملكه للدولة والمجتمع.
في سنواته الأخيرة، وإبان فترة مرضه، تمكنت البطانة المقربة من الأسد، من إقامة سور حوله، فلم يعد يدخل ويخرج شيء إلا بما يخدم مصالحها، متحولةً إلى دولة داخل كيان النظام والدولة. ضمن هذا السياق والمناخ، أُتي بالأسد الشاب ليكون واجهة، تحكم من وراءه هذه البطانة، وهذا ما بدا واضحاً حين اصطدم نهجه السياسي، بما عرف وقتها بالحرس القديم.
أدرك الابن أن استمراره مرهون بكسب المعركة داخل نظامه أولاً، لذلك كان لزاماً عليه، إعادة ترتيب البيت إذا أراد التغيير، وبعقل بارد ـــــ كما فعل والده ـــــ بدأ بنسج علاقاته داخل النظام وخارجه؛ فما كاد يمضي العقد الأول من حكمه، حتى وضع يده على معظم مراكز القرار. ومع قيام الحراك لإسقاطه، تسارع الصراع المخفي داخل أروقة الحكم وساحات القتال، فاستطاع الأسد مزامنةً مع تصفية خلية الأزمة، أن يكون الرجل الأقوى في الحكم، فأعاد مد اليد إلى خصومه، وفي اليد الثانية فتح الطريق للحسم العسكري. لقد قال الرئيس الراحل «لن نكون حدثاً عابراً في التاريخ», ولم يكن إلى جانبه سوى الاتحاد السوفياتي. الآن، وبحكم موقع سوريا وثرواتها، استطاع الابن بثبات تحالفه مع الروسي والصيني، أن يكون سبباً في إعادة القطبية بوجه الأميركيين. من هنا يتعذر سقوطه في ظل غياب الإجماع الدولي. ولعل من الجهل السياسي, تفويت الحوار مرضاةً للغرب وحلفائهم. فاعتبارهم أن أيام الأسد معدودة، ليس سوى إعادة قاتلة للتاريخ، فهل فكر معارضو الأمس واليوم، إلى أين ستؤول الأمور إذا لم يُهزم الأسد؟ ألم يقل أخيراً جون ويليكس، مسؤول الملف السوري في الخارجية البريطانية: على المعارضة المسلحة الاستعداد لاحتمال هزيمتها!.
* كاتب سوري