تطورات داخلية وأحداث متلاحقة وضعت التيار الصدري في بؤرة التحليلات والمتابعة السياسية أخيراً، وفتحت، في الوقت ذاته، باب القراءات النظرية الاستشرافية للمآلات الممكنة التي يتجه نحوها هذا التيار السياسي الإسلامي ذو القواعد الجماهيرية المعروفة بانحداراتها الطبقية الفقيرة والمعدمة من جهة، وببنيته الفكرية الدينية الطائفية المحافظة من جهة أخرى.

يذهب بعض المراقبين والمحللين إلى أنّ التصنيف الطبقي لجماهير التيار وقواعده ومواقفه وممارساته المقاومة للاحتلال والتصريحات النقدية المعدودة لزعيم التيار مقتدى الصدر وخصوصاً منها تلك الرافضة لمشاركة رجال الدين في العمل السياسي، والتي لم يجرِ التأكيد عليها أو الاعتداد بها كثيرا، كلها تدفع المتابع إلى أنْ يتوقع مآلاً إيجابياً مقارباً بقوة لتجربة بناءة وتقدمية على غرار تجربة لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية. على العكس من هؤلاء المتفائلين، يعتقد آخرون أنّ مواقف وأحداثاً وتصريحات كثيرة لقيادات التيار وأعضاء معروفين في كتلته النيابية تعطي دفعاً متزايداً باستمرار لتوقع مآل معاكس تماماً لما سبق، بما يجعل التيار شبيها بأي حركة تكفيرية فاشية، ومعادية للديموقراطية والمساواة.
يسرد حَمَلَةُ الرأي المتشائمِ الأخير العديدَ من المواقف والممارسات المعاكسة، التي حدثت خلال الأشهر الأخيرة ومنها: قيام وفد من التيار بزعامة النائب بهاء الأعرجي بزيارة السيد حسين إسماعيل الصدر الذي كان معروفاً بعلاقاته الحميمة بالحاكم الأميركي للعراق بول بريمر، وسبق لزعيم التيار مقتدى الصدر أنْ انتقده و تبرأ من علاقاته تلك. ومعروف أنّ السيد حسين الصدر ظل على علاقة وثيقة بأصدقاء وحلفاء بريمر ومنهم المستشار السابق للرئيس جلال الطالباني، فخري كريم، الذي زاره قبل زيارة وفد التيار فترة قصيرة.
وعلى هذا النمط، يمكن أيضا تسجيل المواقف والتصريحات التي أدلى بها عدد من نواب التيار كعدي عواد المؤيدة لخصخصة شركة الكهرباء الوطنية وبيعها للشركات الأجنبية «الغربية تحديدا». وتسجيل تأييد ممثل التيار في اللجنة المالية النيابية عبد الأمير المياحي للإبقاء على نسبة 17% من الموازنة العراقية للمحافظات الكردية الثلاث، والتي تعادل، كما قال القاضي والوزير السابق وائل عبد اللطيف، حصة عشر محافظات عراقية رغم أنّ نواباً أكراداً أبدوا استعدادهم للقبول بخفض النسبة الى 13% من دون استقطاعات اتحادية. ولا تغيب عن البال الحملة التحريمية الدينية التي عرفت بحملة «اللاءات الأربع» التي أطلقها القيادي الصدري حازم الأعرجي حين راح هو ومجموعة من أنصاره يحطمون بضائع بعض المحلات الصغيرة والباعة الجوالين في الكاظمية من أشرطة مسجلة وأقراص مدمجة «سيديات» وصور وهاجموا محلات لبيع الخمور ولعب القمار ومنع النساء السافرات من دخول المدينة وغير ذلك مما يدخل في نطاق الحريات الفردية. وللانصاف، فإنّ هذه الممارسات التحريمية ليست حكرا على الأعرجي من التيار الصدري، بل اعتاد القيام بها بعض قادة ائتلاف دولة القانون وحزب الدعوة كمحافظ بغداد ورئيس مجلسها المحلي. أما تصريحات القيادي في التيار بهاء الأعرجي لإحدى القنوات التلفزيونية المحلية من أنه باع بيتاً يملكه بمبلغ 10 ملايين دولار واشترى آخر بخمسة ملايين، وأن المسبحة التي يحملها بيده هي من النوع النادر ويصل سعرها الى 36 ألف دولار، فهي تعطينا فكرة لا تخلو من الدلالات عن التركيبة الداخلية المتنوعة لقيادات التيار وكوادره الوسيطة مثلما تفصل فصلا واضحا بين قواعد التيار المعدمة من جهة وبعض رموزه وقيادييه الآخذين بالتكاثر و«التضخم»!
ستبقى هذه المؤشرات نافعة، وإنْ بشكل محدود، لاستشراف المآل المتوقع للتيار على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، ولكنها لن تكون في مستوى مؤشر خطير آخر يمت بصلة، لقواعد ومحازبي التيار وليس لقياداته، ونقصد التظاهرات الصاخبة التي انطلقت قبل أيام في أحياء شعبية تعتبر معاقل للتيار في بغداد وعدد من المحافظات الجنوبية ورفعت فيها شعارات معادية لرئيس الوزراء نوري المالكي ردا على تصريح له اعتبر فيه انتقادات مقتدى الصدر له متناقضة ووصفها بأنها عديمة القيمة لأنَّ صاحبها سرعان ما يصرح بعكسها دائما.
على الصعيد التحليلي، يكتسي حدث التظاهرة أهمية خاصة: فمناسبتها كانت سياسية عامة لكنها بدت وكأنها تتعلق بشأن شخصي، أي بما اعتبر إساءة شخصية لزعيم التيار وآل الصدر من قبل المالكي. وربما دخل التصنيف التقليدي في الموضوع على اعتبار أن المالكي من العوام «الشيعة العاديين»، وليس من السادة «المنتسبين الى السلالة النبوية» كالصدر. ورغم أنَّ ما قاله رئيس الحكومة لا يمكن اعتباره سُبَّة أو تجاوزاً لفظياً غير لائق، بل هو توصيف يمكن اعتباره محايداً أو في الحد الأدنى غير متشنج، ولكنّ رد الفعل للمتظاهرين الصدريين كان قاسيا وعدوانيا. فقد أحرقت صور المالكي خلالها، ورفعت له صور أخرى يظهر فيها كمصاص للدماء، و شُبِّهَ في غيرها بالرئيس المعدوم ــ بتوقيع المالكي ذاته ــ صدام حسين، كما رفعت شعارات وقيلت تصريحات فئوية منها «دماء عائلة الصدر هي التي طهرت العراق من الديكتاتورية» و«لا لتجويع العراقيين» إضافة إلى تحذيرات من تكرار ما وصفوه باعتداء والتجاوزات على «السيد القائد» أو على «رمز من رموز العراق بعامة والشيعة بخاصة»، على حد تعبير أحد قادة تظاهرة البصرة.
لقد نأت قيادة التيار الصدري الرسمية بنفسها عن هذه التظاهرات جزئياً وشكلياً، وقالت إنها ليست الجهة المنظمة لها وحاولت تفسيرها كردة فعل على تصريح رئيس الحكومة وبررت ضخامتها بـ«شعبية الصدر وكثرة محبيه». بغض النظر عن الكثير مما قيل سياسيا وما سيقال حول هذا الحدث، كالرد على الصدريين بأن أغلب وزراء الخدمات هم من تيارهم، وبأن مطالباتهم بتوزيع جزء من عوائد النفط كنقود سائلة على العراقيين لا تخلو من الدوافع الانتخابية الحزبوية، ولكننا لو تمعنا في تفاصيله لما وجدنا شيئا آخر غير تظاهرة صاخبة لمحازبين في غاية التنظيم والقسوة والاستعداد للقيام بأعمال عنف ذات سمات فاشية شكلا ومختلفة عنها مضمونا. من المهم أنْ نسجل هنا أننا نستخدم مصطلح «الفاشية» بمعنى متحفظ للغاية بما يجعله أشبه بالمعنى المجازي لأسباب نظرية عديدة منها الاختلاف التام بين الواقع الاجتماعي الطبقي العراقي السائد اليوم وبين واقع إيطاليا وألمانيا الذي أنجب تلك الظاهرة في الثلاثينيات من القرن الماضي، إضافة الى تحفظات أخرى على طبيعة المعالجة النظرية القديمة للظاهرة الفاشية نفسها مما لا مجال للتوسع فيه الآن. غير أنّ هذه التحفظات لا تنفي وجود ظواهر وحركات مجتمعية قد تفوق في دمويتها ورجعيتها السياسية نموذج الفاشية التقليدية رغم أنها لا علاقة لها بها من حيث الجوهر.
هناك تفسير آخر لما حدث، يرى أصحابه أنّ هذه التظاهرة وما تخللها من عنف إنما كانت محاولة من جناح الصقور في قيادة التيار الصدري المتهمة بعض عناصره بالتورط في العديد من التجاوزات خلال سنوات الاقتتال الطائفي ، 2006 وما بعدها، وهي ذاتها العناصر التي دأبت على مهاجمة حزب المالكي وكتلته النيابية في كل مناسبة لانتزاع التمثيل الشيعي منه، خصوصا بعد المواجهة المسلحة بين الجانبين في ما عرف بصولة الفرسان. ولهذا تحفظ عليها، وعلى تظاهرتها الجناح الآخر وحاول النأي بالتيار عنها كمنظم ومخطط وقائد. يؤيد هذا التفسير رد فعل زعيم التيار الذي طالب أنصاره من إيران (بأنْ يكونوا على خلق رفيع ويترفعوا في مظاهراتهم عن الشتم والسباب ورفع الصور المشينة).
وبمقدار ما يعكس عتاب الصدر لـ«محبيه وأنصاره وأنصار آل الصدر» نوعا من الشعور بالحرج السياسي والمجتمعي الذي تسبب به العنف اللفظي غير المسبوق الذي ساد التظاهرات، فهو يعكس ويؤكد أيضا نوعاً من سيادة الروح الأسرية التي تشكل جزءاً عميقاً وكابحاً من البنية النفسية والفكرية للتيار الصدري، تخرج به عن السياق السياسي والاجتماعي المراد وتقربه من سياق تحزبي آخر يكرسه كتيار موالاة لبيت سياسي وديني في مواجهة بيوت سياسية أخرى كبيت الحكيم والبارزاني والنجيفي. إنَّ ظاهرة «البيوتات السياسية» ليست جديدة تماما في التاريخ السياسي العراقي وترجع بداياتها إلى العهد المالكي، لكنها تعود اليوم وقد اتخذت زياً خاصاً وجديداً يتلاءم وطابع الحكم الخاص الذي يقود ويبني دولة مشوهة تماما على أسس المحاصصة الطائفية ذات التعبيرات الأسرية.
بين هذين المآلين، المقاربين لظاهرتين متعاكستين مضموناً، هما ظاهرة «لاهوت التحرير» التقدمية الثورية في أميركا اللاتينية، و«الفاشية الطائفية» كما في نسختها اللبنانية، سيترجرج مستقبل التيار الصدري، لكنه سيكون أيضا محكوماً بأمرين مهمين، من بين أمور عديدة، هما: تطورات الأحداث الاجتماعية والسياسية على الأرض في العراق، وإلى أين ستتجه أولا. وثانياً، بالكيفية التي ستتحرك بها قيادة التيار الصدري ذاتها وتعالج بمقتضاها ما سيعترضها من أسئلة ومعضلات، منتجةً سرديتها وتجربتها الخاصتين وكيفية رد قواعد التيار على هذه القيادة. فهل سيتحرك التيار كتجمع قام على أساس الولاء العاطفي والطائفي الأسري، تقوده مجموعة من الكوادر المحافظين من محدثي النعمة والمستعدين للتحالف مع أيٍّ كان، حتى لو كان يمثل الشركات اللصوصية الأجنبية لتحقيق أهدافهم الخاصة، أم أنه سيتحرك ككيان سياسي إسلامي ديموقراطي ذي صبوات طبقية جريئة يقطع مع الولاء والتمثيل والاحتماء الطائفي والأسري ليتواصل مع جذوره وانحداراته الطبقية العراقية ليقترب، من ثمَّ، حتى درجة التحالف مع قوى اليسار الثورية بما يغنيه ويجعله يتفادى مواجهة المآل المأساوي الآخر الذي سيخرجه من الميدان والتاريخ كما تؤكد تجارب مماثلة في بلدان أخرى.
*كاتب عراقي