برحيل الأستاذ والمعلم الكبير، حسين العودات، تفقد سورية، والعالم العربي معها، رائداً من رواد النهضة الحديثة والتحديث والحداثة، وواحداً من كبار نخبها الفكرية. قبله فقدنا أحد عظام السينما في العالم العربي، الصديق الراحل نبيل المالح الذي شرفّنا بتصميم لوغو الدار وكثير من أغلفتها، ومن قبل الصديق الصدوق ممدوح عدوان وزوجه إلهام عبد اللطيف، وقبلهم كثيرين، والقائمة تطول.

الراحل الكبير لم يكن ناشراً عادياً، لا يَعُدُّ هذا المجال أمراً تجارياً، بل عالِماً حريصاً على اختيار إصدارات دار الأهالي، التي كان لي شرف نشر مؤلف لي عبرها، عندما كنت مقيماً في ألمانيا. فالراحل كان أيضاً مؤلفاً مؤرخاً ومحدثاً يمتعك بالحديث عن تجاربه اليومية، وعن حيواته وخاصة ما يتعلق بتاريخ موطنه في حوران، والمسيحية الضاربة جذورها في تلك الأرض الطيبة.
قبل حضوري إلى سورية للإقامة والعمل في مطلع التسعينيات، لم أكن أعرف الراحل الكبير شخصياً، ومن قدمني له كان أيضاً من كبار رواد السينما الملتزمة، في المقام الأول، صديق قديم وعزيز، عراقي المولد، فلسطيني الهوى، قيس الزبيدي.
حسين العودات همّه السوري كان فلسطينياً في المقام الأول فتجلى في أحلى صوره بالمكتبة التي أصدرتها دار الأهالي عن مدن فلسطينية، تضم أكثر من عشرين مؤلفاً.
لكن همه كان أيضاً سورياً، ومؤلفاته الأخيرة عن نزيف سورية والحرب فيها وعليها، تعكس قلقاً حقيقياً. الراحل جمع بين الفكر والممارسة، لذلك اختار البقاء في وطنه النازف، لكن من دون السكوت عما رآه من عوامل ضعفه التي أفضت إلى المأساة السورية. قد يختلف المرء معه في بعض التفاصيل، لكن لا بد من أن يتفق معه في الأولويات وفي مقدمتها الحفاظ على الوطن السوري، دولة عِلمانية لكل أهلها، وقلعة عروبية صلبة، ورفض قاطع للارتهان للقوى الخارجية ولأموال الفساد البترودولاري وإفساداته.
وعندما أتيت سورية في زيارة عائلية، تشرفت بالتعرف إليه وإلى زوجه السيدة المربية الفاضلة صبحية بحبوح، في منزلهما في حي المزة الدمشقي، فزاد وسع معارفها وفكرها الريادي سحري بالعائلة الكريمة وموقعها في عالم النخب الثقافية.
وفي بيته تعرفت أيضاً إلى ابنه الأخ العزيز باسل العودات، صاحب مكتب السندباد، الذي كان يُخرج إصدارات قدمس، وعبره تعرفنا أصول الإخراج وأفضل المطابع التي تنجز أعمالها بالحرفية المطلوبة.
وعندما بدأت بالتحضير لتأسيس دار قَدْمُس، أشار إليّ الشريك في الدار والصديق العزيز د. زياد إسرب، باستشارة الراحل الكبير قائلاً: «ستتعلم منه تفاصيل هذا المجال المعروفة والمكتومة. استمع إلى كل ما ينصحك به، فإن قوله هو الصدق بعينه».
وهكذا كان حقاً، ومنك، أبا خلدون، تعلمنا الكثير، وإرثك الفكري والتاريخي وما أصدَرَت دار الأهالي برعايتك وإشرافك سيبقى له أمكنة خاصة في عقولنا وفكرنا، وفي مكتباتنا، الخاصة ومكتبات بلادنا العامة.
وعندما قررنا، د. زياد وأنا، تأسيس دار نشر في لبنان، بالاسم ذاته، في بيروت، حيث الأوضاع تختلف، نصحني الراحل الكبير باستشارة صاحب/ شريك في مكتبة بيسان البيروتية، هو الصديق العزيز عبد المسيح أبو جودة. قال لي وقتها الكلمات ذاتها التي قالها العزيز زياد إسرب في الراحل. قال: «سيعطيك أصدق الأخبار والمعلومات، وستجد فيه شخصية نادرة الخلق والصدق والمعرفة». وهذا ما فعلت، وما اكتشفته أيضاً. فبفضل الراحل الكبير تعرفت إلى شخصية استثنائية، ليس فقط في عالم الكتب والنشر، فكانت استفادتي مزدوجة، وفوزي الروحي عظيم حقاً.
الراحل الكبير، المتحدث اللبق والودود والصادق والمرح، كان أيضاً حريصاً على التحذير من آفات عالم الثقافة والعمل فيه، ومن الجهل المحيط «من الخليج إلى المحيط!». فقال لي مرة: حذار من تبعات اختيار عالم النشر، فقد يزور مكتبك زائر ليسأل عن «المنشرة» التي تنشرون بها كتبكم! وقد يسألك أيضاً عما تفعلونه بـ«نجارة» الكتب المنشورة وفوائدها، وإن كان بإمكانه الحصول على بعضها!
مرحه الودود تجلى مرات كثيرة في لقائتنا المطولة خصوصاً عندما بدأت العمل وكنت في حاجة مستمرة لاستشارته والأخذ برأيه في أمور النشر ومشاكله. كنا نلتقي في أغلب الأحيان في أحد المطاعم في منطقة الربوة الدمشقية، المطلة على نهر بردى، الذي كان ذهبياً كاسمه اللاتيني الأصل، والمحتضر حالياً، فأخطأتُ في اسم المنطقة والمكان، فأجابني مازحاً: ما فائدة معرفتك بما كان قائماً في دمشق قبل خمسة آلاف عام إذا لم تكن تعرف اسمها الآن! معارفك التاريخية لم تفدك أيها المؤرخ، وعليك البدء بقراءة جغرافية البلاد الحالية أيضاً، كي تتمكن من جمع حاضر هذه المدينة والبلاد العريقة إلى ماضيها الضاربة جذورها في أعماق الأرض.
الراحل الكبير التقيته قبل نحو شهر في مكتبة الفرات في بيروت، لصاحبها الصديق العزيز عبد المسيح أبو جودة، المعروف تحبباً بالاسم المختصر، عبودي، وكانت آخر مرة ألتقيه، عند صديقه ذاته الذي أوصاني به.
إن فقدانك أيها المعلم الكبير لخسارة، ليس فقط لأحبائك، بل أيضاً لسورية التي تَحِنُّ إلى عقل وفكر حداثي تنويري، هي أشد ما تحتاج إليه خصوصاً في هذه المرحلة، لكن ما تركت أنت، وكل النخب الفكرية والعلمية والأكاديمية في سورية وبلاد العرب، من إرث فكري حداثي تقدمي سيبقى منارة للأجيال الجديدة ومرجعاً لها لهزيمة المشاريع الماضوية المتخلفة، مشاريع الغزو والنهب الأعرابية، التي لا تعرف أمراً غير أحط الجرائم وأكثرها خسة، المعروف منها وغير المعروف.
إلى اللقاء أيها المعلم.