موجة بيرني ساندرز تغزو العالم. شباب من كل انحاء العالم يهتفون باسم الرجل وهناك فريق من العرب الأميركيّين يروّجون له باللغة العربيّة (غالباً بأخطاء فاضحة في اللغة العربيّة ومع تحوير للكلام)، وهناك قمصان تُباع يقولون فيها عن ساندرز «تقبرني» (وهي لعب على شعار أميركي عن الرجل). لكن هل ان هذه الحماسة لساندرز لها ما يبرّره، أم ان العرب ينقادون كالعادة وراء أحلام سرعان ما تبدّدها الوقائع والسياسات والحروب الغربيّة؟ ليست المسألة أميركيّة فقط بل هي تتعلّق أيضاً باليسار الغربي وتعاطيه مع القضيّة الفلسطينيّة. هل نحن نشعر بالخذلان كل مرّة يصل فيها جناح يساري إلى السلطة في عاصمة غربيّة، أم أن الجناح اليساري بقي متماسكاً في مواقف أساء فهمها بعض العرب عن حسن نيّة؟
قبل التحدّث عن مثال ساندرز، وهو ينتمي —كما يقول هو— إلى الجناح الديمقراطي الاجتماعي لا إلى الجناح اليساري الإشتراكي، يمكن التحدّث عن مثال الحزب الحاكم في اليونان، «سيريزا». يمكن تصنيف أحزاب اليسار الغربيّة إلى ثلاثة أصناف بالنسبة إلى القضيّة الفلسطينيّة: ١) اليسار التقليدي الليبرالي (المُتجه نحو الوسط في كل من أميركا وبريطانيا —في عهد توني بلير— وفرنسا) وهو ورث عن الحرب الباردة سياسة صهيونيّة متعصّبة واتبع في أوروبا سياسة التبعيّة المطلقة نحو السياسة الخارجيّة الأميركيّة (شذّ عن هذه السياسة برفق ولين فرنسوا ميتران في مفاصل مُحدّدة). وهذا اليسار التقليدي بات يعاني من أزمة بنيويّة أصابت حتى بنية الحزب الديمقراطي الحاكم في أميركا: أن الجيل الجديد غير متيّم بدولة العدوّ الإسرائيلي، خلافاً للجيل الذي نشأ وترعرع في زمن ما بعد الحرب العالميّة الثانيّة حين طغت تغطية المحرقة الألمانيّة على التعاطي السياسة مع دولة العدوّ التي انبرت كي تبدو ناطقة رسميّة باسم الملايين من ضحايا المعتقلات النازيّة. وهذا فإن استطلاعات الرأي في بين أنصار الحزب الاشتراكي الفرنسي والحزب الديمقراطي الأميركي وحزب العمّال البريطاني توثّق لشرخ يزداد عمقاً بين سياسة نخبة الحزب وبين القاعدة حول المسألة الفلسطينيّة. النخبة تصرّ على المسير في صفّ الحكومة الأميركيّة —جمهوريّة كانت أم ديمقراطيّة، لا بل ان طاعة بلير العمّالي لبوش المحافظ لم تماثلها طاعة في العصر السياسي الحديث— فيما تبتعد القاعدة عن مناصرة دولة العدوّ الإسرائيلي. وكانت القواعد الليبراليّة والعماليّة والاشتراكية في الدول الغربيّة هي الأكثر تعصّباً لدولة العدوّ في حقبة ما بعد الحرب العالميّة الثانيّة. قد يكون العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام ١٩٨٢، وما تلاه من عدوانات في لبنان وفلسطين، قد أشّر إلى بداية تآكل التعاطف مع العدوّ في تلك القطاعات الغربيّة. لكن قدرة القاعدة على التأثير في النخبة شبه معدومة لأن مواضيع السياسة الخارجيّة لا تشكّل همّاً ضاغطاً عند الناخبين باستثناء الحروب التي يُقتل فيها الرجل الأبيض الثمين.
٢) أما الصنف الثاني من اليسار فهو جناح اليسار الجديد، أو اليسار الجديد المُطعّم بالليبراليّة أو البيئيّة أو بترسبات من الماركسيّة «ذات الوجه الإنساني». كان دانييل كوهنبندت، الزعيم الطلاّبي الفرنسي في هبّة ١٩٦٨، مُلهما ليساريّين ضاقوا ذرعاً بستالينيّة الأحزاب الشيوعيّة العربيّة، وكان كتابه «الشيوعيّة العقيمة: البديل اليساري» مؤثّراً في مجموعة من الشباب الماركسي في الجامعات اللبنانيّة في السبعينيات وأوائل الثمانينيات (كان رفيقنا «جورج» يوزّعه علينا). لكن كوهنبندت هذا كان أيضاً من مناصري إسرائيل في حروبها، خصوصاً في ١٩٦٧. لكنه خفّف من مناصرته لدولة العدوّ عبر السنوات وهو يعتبر نفسه من مناصري القضيّة الفلسطينيّة فقط لأنه يُثني على محمود عبّاس ويطالب —مثل بوش— بـ(لا)حلّ الدولتيْن. وإلى هذا الصنف ينتمي ائتلاف «سيريزا». وتتنازع هذا الجناح اليساري بقايا من الصهيونيّة التقليديّة التي نخرت عضد الاشتراكيّة الغربيّة في سنوات ما بعد الحرب العالميّة الثانية (حتى الاشتراكي الأميركي، مايكل هارنغتون كان مناصراً لحروب إسرائيل). وهذا الجناح شديد الحساسيّة لتهم «معاداة الساميّة» ويخاف من دحض التهمة عبر تحليل استغلال العدوّ الإسرائيلي لمعاداة السامية لخنق الأصوات الحرّة.

لم يعد القول إن الأزمات الرأسماليّة هي عاديّة ينطلي على أحد

٣) أما الصنف الثالث فهو اليسار الشيوعي التقليدي، المتمثّل بالأحزاب الشيوعيّة الرسميّة في الدول الغربيّة — أو بقاياها. هذا اليسار تحوّل إلى موقف حاسم وقوي في دعم القضيّة الفلسطينيّة. والحزب الشيوعي الفرنسي هو خير مثال، وربما أن صغر حجم الحزب ساهم في زيادة منسوب مبدئيّته (على نسق فصْل عالم السياسة الفرنسي، موريس دوفرجيه، بين أحزاب الجمهور وأحزاب العضويّة المُنتقاة). وعندما كان الحزب يسعى إلى الفوز بالانتخابات أكثر من سعيه إلى اكتساب الأعضاء —حسب تصنيف دوفورجيه- كان أقلّ مناصرة للقضيّة الفلسطينيّة وكان يضمّ في صفوفه عتاة من الصهاينة. لكن الأحزاب الشيوعيّة التقليدية ضمُرت وتحوّلت إلى أحزاب صغيرة (أحزاب العضويّة) مما يدعها ان تكون أكثر مبدئيّة.
وسيريزا ينتمي إلى «اليسار الجديد». وكان الحزب قبل الفوز بالانتخابات من أحزاب العضويّة، لكن الوصول إلى السلطة يُغيّر من صنف الحزب، وفق تصنيف دوفرجيه. هذه كانت حالة «حزب الخضر» الألماني: تحوّل بعد سنوات من السلطة إلى حزب ليبرالي وسطي، بعد أن كان حزباً يساريّاً جديداً في بداياته. والحزب اليساري في السلطة الغربيّة، خصوصاً في حالة اليونان، يعقد مساومات ويُجري تنازلات للحفاظ على السلطة، وهذه المساومات تتطلّب دوماً مقايضة على حساب القضيّة الفلسطينية، التي تعتبرها الحكومة الأميركيّة شرطاً اساسيّاً للمقبوليّة. وعندما زار وزير الدفاع اليوناني دولة العدوّ في العام الماضي، قيل إنه لا يمثّل «سيريزا» وانه يميني ومجرّد عضو في الائتلاف الحاكم، كأن وزير الدفاع يتصرّف من عنده. لكن «سيريزا» تحوّلت من مناصرة القضيّة الفلسطينيّة قبل السلطة، إلى حليف لدولة العدوّ الإسرائيلي بعد الوصول إلى السلطة. وقد عقدت الحكومة اليساريّة اتفاقيّات أمنيّة وعسكريّة واقتصادية فاقت في صفاقتها سياسات حكومات يمينيّة في تاريخ اليونان. وهناك اليوم مَن يتهم اليونان بالتجسّس لحساب إسرائيل في الاتحاد الأوروبي.
لكن موضوعنا هو بيرني ساندرز، الذي غالباً ما يُعرّف في الإعلام العربي على أنه اشتراكي. الاشتراكيّة لم تترسّخ في الثقافة السياسيّة الأميركيّة. هناك نظريّات في ذلك وأتى عليها عالم الاجتماع الأميركي، سيمور مارتن ليبست في كتابه مع غاري ماركس بعنوان «لم تحدث هنا: لماذا فشلت الاشتراكيّة في الولايات المتحدة». الأسباب، بحسب الكتاب، عديدة، منها: فشل تشكيل حزب اشتراكي أميركي، والنظام الانتخابي العقيم الذي يمنع اختراق حزب ثالث، وفشل النقابات العماليّة (في سنوات عزّها) في إنشاء حزب خاص بها أو السيطرة على حزب من الحزبيْن، والثقافة المحافظة والتنوّع في صفوف الحركة العماليّة —التي جذبت قطاعاً عريضاً منها إلى اليمين رونالد ريغان في الثمانينيات. ويمكن ان نضيف ان قضيّة المهاجرين والأقليّات بالنسبة للأكثريّة البيضاء في اميركا والدول الأوروبيّة خفّفت كثيراً من الحماسة الشعبية لبرامج الرعاية الاجتماعية. لكن معضلة الليبراليّة الغربيّة تكمن في أن ضعف الأحزاب الليبراليّة في الغرب منذ الثمانينيات في دول مثل بريطانيا أو أميركا، أو حتى وصول الحزب الاشتراكي الفرنسي إلى السلطة وتأقلمه مع الدولة ومع الفوز بالانتخابات دفع بتلك الأحزاب نحو أطوار من اليمين أو يمين-الوسط. لم ينجح حزب العمّال البريطاني في الوصول إلى السلطة إلا في عام ١٩٩٧، وبيل كلينتون غيّر جذريّاً في برنامج الحزب الديمقراطي بمجرّد فوزه في عام ١٩٩٢، حيث واءم بينه وبين رجعيّة الناخبين البيض الذكور، وفي الولايات الجنوبيّة خصوصاً. هذا الجنوح عزّز من الهوّة بين نخبة الأحزاب الليبراليّة اليمينيّة الاتجاه، وبين القواعد الحزبيّة المُصرّة على الليبراليّة. هكذا صعد أوباما في حملة انتخابيّة تطغى عليها الشعارات الضبابيّة العامّة في عام ٢٠٠٨، حيث عقدت القاعدة الليبراليّة أوهامها على شخص أوباما قبل أن تكتشف أنه ينتمي إلى نفس نخبة بيل كلينتون المحافظة.
وصعود سنادرز ليس ظاهرة شخصيّة، فالرجل لديه من الكاريزما ما لدى الملك الأردني. إنه جانب من جوانب الأزمة في أحزاب الليبراليّة الغربيّة، التي كتبت عنها مؤخرا مجلّة «إيكونومست». ويبدو ان المستفيد من هذه الأزمة هي أحزاب اليمين الجديد وأو أحزاب اليسار الجديد. لكن في أميركا، فإن المُستفيد منها هو اليمين الجديد (على تخوم الحزب الجمهوري) وظاهرة سنادرز في داخل، أو على تخوم الحزب الديمقراطي. لم تعد برامج الرعاية الاجتماعيّة تحظى بشرعيّة بوجود مهاجرين من أعراق وأديان أخرى (الرعاية الاجتماعية مقبولة غربيّاً إذا استفاد منها البيض فقط). كما أن الأزمة الاقتصادية المستدامة في صلب الرأسماليّة الغربية تُجدّد نزوع الناخبين نحو حلول جذريّة، ذات اليمين وذات اليسار. لم تعد التطمينات عن ان الأزمات الرأسماليّة هي عاديّة ومُنشّطة في الاقتصاد تنطلي على أحد. الفروقات الطبقيّة تزداد عمقاً والطبقات العماليّة تزداد ضعفاً سياسيّاً. والنقابات العماليّة لم تعد مؤثّرة في الحياة السياسيّة الأميركيّة. على العكس، يهرب منها المرشحون لما لها من صفات تنفّر الناخبين والناخبات.
لكن ساندرز لم يكن عقائديّاً كما يُصوَّر اليوم. صحيح انه تولّى رئاسة بلديّة مدينة برلنغتن في ولاية فرمونت (الصغيرة والجميلة) وحكم وفق منظور يساري في السياسات الداخليّة، لكنه لم يكن بعيداً عن عقد صفقات مع الجمهوريّين ومع يمينيّين، على غرار الحكم في هذه البلاد. لكن ساندرز انتقل من برلنغتن إلى مجلس النوّاب وفيما بعد إلى مجلس الشيوخ حيث صنّف نفسه على أنّه «مستقل» (عن الحزبيْن وفي ذلك منفعة انتخابية) لكنه انضمّ إلى كتلة الحزب الديمقراطي في المجلس. وسِجلّ ساندرز الاقتراعي كان ليبراليّاً مع تنازلات لليمين خصوصاً في فريق «لوبي السلاح»، الذي يتمتّع بنفوذ قوي في الولاية. وساندرز صوّت لصالح الكثير من قرارات الحزب الديمقراطي اليمينيّة في سنوات كلينتون، بما فيها «قانون الجريمة» في عام ١٩٩٤ والذي يُلام اليوم لزجّه بالكثير من السود واللاتينيّين الفقراء إلى السجون بتهم مخدّرات (وقوانين عقوبات المخدّرات طبقيّة في أميركا حيث ان مُستهلك الكوكايين -معظمهم من الأثرياء- يقضي عقوبة أخف بكثير من مُستهلك الـ«كوكايين الكراك» - ومعظم المُستهلكين من الفقراء الملوّنين-. هذا القانون الصادر عن الديمقراطي كلينتون هو الذي رفع عدد السجناء في أميركا إلى اكثر من مليونيْن (تفوق نسبة السجناء في أميركا من حيث العدد والنسبة لعدد السكّان كل دول العالم قاطبة).
أما في السياسة الخارجيّة، فلم يكن ساندرز ليشذّ عن الخط العام للحزبيْن، أو ما يُسمى هنا بسياسات «إجماع الحزبيْن»، ويتصدّرها بالطبع موضوع الكيان الإسرائيلي الغاصب. نشر الناشط الأميركي نيكولاس صوايا عرضاً في موقع «موندو فيس» لأهم سجلّ ساندرز الاقتراعي في مجلس النوّاب والشيوخ وهو يظهر انه لم يكن يوماً يساريّاً في سياسته الخارجيّة باستثناء العزوف عن الحماسة التلقائية للحروب الأميركيّة الذي تجده في أعضاء مجلسي النوّاب والشيوخ الأميركي. هو أيّد العدوان على أفغانستان ولم يُجاهر بمعارضته للحرب على العراق في ٢٠٠٣ مثله في ذلك مثل باقي نوّاب وأعضاء مجلس الشيوخ في الحزب الديمقراطي الذين خافوا من سطوة شعبيّة بوش حينها.
ولم يحد ساندرز في سنواته عن خط اللوبي الإسرائيلي. لم يكتسب عداوة اللوبي في خطوات محسوبة لها. وحتى في الثمانينيات، في عز الانتفاضة الأولى، كان كلام ساندرز واضحاً في مناصرته لاحتلال دولة العدوّ وقرّع الشعب الفلسطيني أكثر من مرّة على «إرهابه». هو لم يكن مثل النائب السابق، دنيس كسنيش (الذي خسر مقعده في عام ٢٠١٢) والذي اتصل بي ذات يوم فقط ليؤكّد أنه لم يقطع عادة له بإلقاء خطبة أسبوعيّة عن فلسطين من قاعة الكونغرس، حتى لو كانت القاعة فارغة. كسنيش خالف مشيئة اللوبي الإسرائيلي فيما ان عضوي الكونغرس المسلميْن، ناهيك عن الأعضاء من أصل لبناني فيه، لا يخالفان مشيئة اللوبي الإسرائيلي إلا لماماً. وكل هؤلاء يجمعون على أحقيّة إسرائيل في أرض فلسطين وعلى حق شعبها في السلام. وصوّت ساندرز على حق دولة العدوّ في جعل القدس عاصمة أبديّة لها، كما أنه صوّت إلى جانب ضرورة نقل السفارة الأميركيّة من تل ابيب إلى القدس.
هناك من العرب مَن يؤيّد ساندرز بحجّة انه «يؤيّد حل الدولتيْن». لكن هذا كان موقف جورج بوش الذي كان أوّل رئيس أميركي يتخذ هذا الموقف. لكن ما يعنوه بالدولتيْن هو دولة العدوان الاحتلالية الإسرائيليّة إلى جوار «بنتوستان» منزوعة السلاح تخضع لحكم إسرائيل وتنتدب عن احتلالها مَن يديرها (بالنيابة عنها) من أمثال محمود عبّاس أو محمد دحلان أو سلام فيّاض. لا، إن ساندرز يحاول ان يبدو انه لا يعادي المسلمين عبر الإشادة شبه الدوريّة بشخص الملك الأردني، ويعتبره مثال المسلم الصالح (بمنظور الإمبراطورية الأميركيّة). ولم يعترض ساندرز على حرب أو عدوان إسرائيلي مرّة واحدة، وكان عندما يتراكم عدد الضحايا الفلسطينيّين يبتعد عن الإعلام ولا يجيب عن أسئلة الصحافة (شاهدوا على يوتيوب شريطاً لساندرز وهو يهرع بعيداً عن الكاميرا عندما تلقّى سؤالاً عن العدوان الأخير على غزة). لكن في الاقتراع على القرارات الصادرة عن الكونغرس في مواضيع الشرق الأوسط، هو يصوّت وفق إرادة اللوبي الإسرائيلي، ولا يعترض حتى على قرارات تتضمّن إشادة وتحيّة إلى أرييل شارون. وكلامه الأخير عن أنه «غير مُتيّم» بنتنياهو يوحي بنوعيّة الاشتراكيّة في السياسة الخارجيّة التي ينتهجها، أي أنه لا يجرؤ على توجيه نقد لنتنياهو وأصبح يتذكّر فجأة أيامه الخوالي في شبابه عندما أقام في «كيبوتز» احتلالي على أرض فلسطين.
طاعة بلير العمّالي لبوش المحافظ لم تماثلها طاعة في العصر السياسي الحديث

لكن الحدود اليساريّة لساندرز لا تتوقّف فقط عند السياسة الخارجيّة. الدولة الرأسماليّة الحديثة في الدول الغربيّة تسمح بانتقال السلطة من حزب إلى آخر (هذا في دول الغرب الأوروبي، لكن في أميركا هناك فقط إمكانيّة للاختيار شبه الديمقراطي بين حزبيْن، والحزبان يفرضان شروطاً قاسية ليس فقط لمنع اختراق حزب ثالث بل أيضاً من أجل إقصاء مرشحين من خارج سيطرة النخب الحاكمة في الحزبيْن— وهذا ما يحدث اليوم لإقصاء ساندرز في الحزب الديمقراطي ولإقصاء ترامب في الحزب الجمهوري)، لكنها لا تسمح أبداً بتغيير جذري في السياسات. كما كان يقول ريتشارد نيكسون، الدولة الأميركيّة الحديثة باتت تُسيِّر نفسها بنفسها. أما في السياسة الخارجيّة، فهناك طاقم من القيادة العسكريّة-الاستخباريّة الحاكمة والتي تسمح للرئيس بتقرير تغييرات طفيفة في توجّه سياسات الإمبراطوريّة. ولا ينبع الضغط فقط من نخبة عسكريّة-استخباريّة فقط بل باتت ثوابت السياسة الخارجيّة للإمبراطوريّة ثوابت في الثقافة السياسيّة السائدة. هي منعت أوباما من إقفال غوانتانامو على سبيل المثال، كما ان اللوبي الإسرائيلي لم يعد يلحظ (كما كان حتى السبعينيات) أثر تغيير دفّة الحكم بين حزب وآخر.
ساندرز لن يصبح رئيس أميركا، ولو أصبح رئيس أميركا فهو سيكون على يمين الرئيس الاشتراكي الفرنسي الذي يتبع سياسات ساركوزي العنيفة في السياسة الخارجيّة، وإن زاد عليها اختيار النظام السعودي كأوثق حليف للاشتراكيّة الفرنسيّة. لكن ساندرز استطاع ان يضع هيلاري كلينتون في موضع الدفاع عن النفس، وعرّضها للاهتزاز، لكن هذا حدث في انتخابات الترشيح الرئاسي داخل الحزب الديمقراطي حيث تطغى القاعدة الديمقراطيّة الليبراليّة (فيما تطغى القاعدة الشديدة المحافظة على انتخابات الترشيح الرئاسي في داخل الحزب الجمهوري). لكن الانتخابات تتقرّر في الوسط الأميركي لا في الجناحيْن المتحزبيْن. والوسط الأميركي (والحزبان يدوران حول الوسط، لكن ظاهرة ترامب وظاهرة ساندرز قد تؤشّر إلى تنامي الحركات السياسيّة —مثل «حزب الشاي»، على تخوم الحزبيْن أو خارجهما) يضيق ذرعاً بالخيارات السياسيّة المُتاحة، كما ان الشقاق قد ازداد بين الجيش الجديد من الناخبين البيض ذوي الاتجاهات التقدميّة وبين الأجيال السابقة من البيض وهم في جلّهم محافظون، وعلى يمين الحزب الجمهوري.
لن ينقذ ساندرز أميركا من نفسها، ولن ينقذ العالم من أميركا. هذا مُرشّح اللحظة، ولا يمثّل عمقاً انتخابيّاً سيستمرّ. في كل انتخابات، يهزج الناخبون والناخبات الليبراليّات لمُرشّح على يسار الحزب الديمقراطيّ: جيسي جاكسون في عام ١٩٨٨ أو رالف نادر في عام ٢٠٠٠. لكن نادر اعتنق برنامجاً يساريّاً منسجماً مع نفسه، وكان يعارض الإمبراطوريّة الأميركيّة في كل وجوهها. وخلافاً لساندرز، لم يكن مُتردداً في معارضته لاحتلال إسرائيل أو في رفضه لجرائم الحرب الأميركيّة. إن ساندرز هو مُرشّح من داخل النظام الأميركي، ولن يشكّل خطراً عليه—ليس فقط لحتميّة فشله. بينما كان رالف نادر من خارج النظام الأميركي وشكّل خطراً عليه إلى درجة ان الحزبيْن عارضا وجوده على منبر المناظرات الرئاسيّة لعلمهم انه يستطيع ان يؤثّر في أهواء الناخبين.
إن أزمة اليسار الغربي تتعلّق في أوجه منها بأزمة الرأسماليّة العالميّة التي تحدّث عنها توماس بيكيتي في كتابه «رأس المال في القرن الواحد والعشرين»، والأخير ليس ماركسيّاً وهو يدعو إلى إصلاحات ليبراليّة لإنقاذ النظام الرأسمالي. وتفاقم أزمة الرأسماليّة الغربيّة، زائد أزمة المهاجرين من أعراق وأديان مرفوضة ومنبوذة غربيّاً، لن تزيد أزمات الأنظمة الديمقراطيّة الغربيّة إلاّ تفاقماً. لكن تجربة «سيريزا» والتنازلات الاقتصاديّة والسياسيّة التي قدّمها الائتلاف اليوناني الحاكم إلى معذّبي وخانقي الشعب اليوناني تبرز حدود إمكانيّة التغيير من الداخل. هي تذكّر أكثر من أي يوم مضى بنقد العظيمة روزا لوكسمبرغ لإدوار برنستين (مؤلّف كتاب «الاشتراكيّة الارتقائيّة») وتمييزها بين الإصلاح الاجتماعي والثورة. لكن تفاقم الأزمة الرأسمالي الغربيّة يبلغ أوجه في الولايات المتحدة لأن الأزمة هنا تترافق مع أزمة ضيق الأفق الديمقراطي واحتكار نظام الحزبيْن، بالإضافة إلى «فشل المهمّة»، كما وصف مايكل مندلبوم في كتابه الصادر حديثاً التعثّر الإمبريالي الأميركي في التدخّل العسكري حول العالم. إن التعبير عن هذا الفشل باد للعيان في بلادنا، بالرغم من الاستجداء العربي الرسمي لتدخّل أميركي أكبر. لكن لن يجرّ العرب أميركا طوعاً لحتفها. هذا أبعد من حدود حظوة الوكلاء من الطغاة العرب.