ليست السخرية من المشاكل الصحية التي يعاني منها الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، هي الطريقة المثلى للتعامل مع السياسات الجديدة (نسبياً) ومع التحولات التي بدأت في المملكة منذ وفاة أخيه الملك عبد الله في أوائل العام الماضي وحلوله، هو، مكانه على رأس المملكة. اختصار واقع المملكة وسياساتها الراهنين، بالحالة الصحيحة للملك الجديد، أمر غير دقيق وغير موضوعي. من جهة ثانية، فإن الخطوات التي اتخذها والمغامرات التي انخرط فيها الملك سلمان وفريقه، لا تتوافق أبداً مع طريقته المتعثرة في الحركة والنطق خصوصاً. تمكنت العائلة السعودية الحاكمة، على امتداد أكثر من تسعة عقود، من مراكمة خبرة ليست بسيطة في حكم البلاد والتفرد بإدارتها. عزَّزت ذلك ثروة أسطورية وضعت دائماً في خدمة توطيد حكم وسلطة آل سعود، وفي تجاوز مصاعب كثيرة واجهوها سواء كان مصدرها داخلياً أو خارجياً.

ينبغي القول أيضاً، إن ما أشرنا إليه من تحولات، لم يكن عابراً، أو من النوع الذي يصنَّف في خانة ردود الفعل المتسرعة أو المرتجلة. تشير السنة المنصرمة إلى أنه يزيد على تبوّؤ الملك سلمان سدة العرش، أن الرجل (واخرين معه) كان يخطِّط ويحضِّر، وأن سياسات وأسلوباً جديدين قد تمَّ اعتمادهما فور وفاة الملك عبدالله، للتعامل مع تحولات ومستجدات، في أوضاع العالم والمنطقة، لم تعد تجدي معهما السياسات والتوجهات والعلاقات القديمة. كان يجري، إذاً، إنضاج تلك السياسات الجديدة على نار خفيفة، بانتظار إخراجها دفعةً واحدة، بشكل متسارع، وبكيفية جمعت ما بين اتخاذ القرار والمباشرة في تنفيذه، على غرار قرار الانخراط، شبه الكامل، في حرب اليمن، وبكل الطاقة السياسية والمادية والعسكرية (الجوية) المتوفرة لدى المملكة السعودية.
كان القلق والتململ السعوديان قد بدآ مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في بلدان حليفة للمملكة وبشكل خاص في تونس ومصر. «التخلي»، من قبل واشنطن، عن كل من الرئيس حسني مبارك والرئيس زين العابدين بن علي، تحت ضغط مئات آلاف المحتجين، ضاعف من المخاوف السعودية، خصوصاً حين أعرب الرئيس الأميركي، مراراً، عن إعجابه بتصميم الشباب المصري ودعوته شباب بلده للاقتداء بهم! ضاعف من القلق السعودي أيضاً ما برز من تعاون أميركي مع «الإخوان المسلمين» بوساطة تركية، وما مثله ذلك من تهديد مباشر للمعادلة السلطوية الملكية الوراثية التي استقر عليها الوضع السعودي، ومعه وبزعامته ورعايته، وضع كل دول وإمارات الخليج العربي. ثم كان على قيادة المملكة أن تواجه خطراً آخر، تخطى، هو أيضاً، كل التقديرات السابقة، حين تعاملت الإدارة الأميركية ببرود واستخفاف «مستفزّين»، مع «التوسع» الإيراني في المنطقة وما يمثله من «تهديد» لاستقرار دول الخليج وخصوصاً منها المملكة نفسها، وكذلك البحرين والإمارات والكويت... فضلاً عن اليمن التي نفّذ فيها «أنصار الله» (الحوثيون) المدعومون من السلطة الإيرانية، والمتحالفون، في الداخل، مع الرئيس اليمني السابق عبد الله صالح، انقلاباً أطاح بسلطة وحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي المدعوم من قبل قيادة المملكة و«مجلس التعاون الخليجي». ولم يكتف الأميركيون بذلك، بل هم ثابروا على تجاوز كل التحديات والمخاوف السعودية (والعراقيل الإسرائيلية)، وأبرموا، في تموز الماضي، اتفاقاً مع الحكومة الإيرانية بشأن ملفها النووي. عزَّز هذا الاتفاق من الدور الإقليمي لطهران وحررها من العزلة والعقوبات، واقتصر «ثمنه» الإيراني على تأجيل الشق العسكري من البرنامج النووي الإيراني، وإخضاعه لرقابة دولية تبقى، مع ذلك، مشكوكاً في قدرتها على تحقيق أهدافها، فيما دخلت إيران النادي النووي العالمي من بابه العريض.
قمة «كامب ديفيد» بين الرئيس أوباما وزعماء السعودية والخليج، قبل حوالى سنة، كانت حاسمة، هي أيضاً، لجهة، تعزيز مخاوف وقلق السعودية وحلفائها، ودفعها إلى الحد الأقصى. طمأن الرئيس الأميركي ضيوفه بأنه يتكفل بالدفاع عنهم في وجه أي خطر خارجي. لكنه، أشار، في المقابل، إلى أن الخطر الداخلي هو الأهم، وهو ما عليهم تحمل مسؤولية معالجته بأنفسهم: من خلال سياسات ومقاربات جديدة، بشأن حقوق الإنسان، وبشأن التعامل مع مصادر التطرف القائمة في بيئاتهم والذي تحوَّل إرهاباً يشكو منه العالم أجمع: ليس هذا ما أراد الضيوف سماعه، أي أن الرئيس الأميركي «بدل أن يكحلها عماها»!
يمكن القول إن تلك القمة قد شكلت نقطة التحول الأساسية، ليس في تغيير السياسات والمقاربات السعودية الداخلية والخارجية، كما كان ينبغي، بل في تغيير الطرق والأدوات دون المضمون والجوهر. شمَّرت المملكة عن ساعد الانخراط المباشر. تحولت إلى الهجوم وأخذ زمام المبادرة: في اليمن على وجه الخصوص وفي المنطقة بشكلٍ عام. جندت، في خدمة سياستها الجديدة، علاقات وأحلافاً ذات طابع إقليمي وإسلامي. استنفرت في وجه «التهديد» الإيراني العصبية المذهبية. توصلت إلى تفاهمات مع تركيا بشأن طي صفحة الخلاف، راهناً، حول دور «الإخوان»، وتنسيق السياسات في مواجهة أخطار تهدد النظامين مصدرها الصراع في سوريا والعراق والمنطقة بشكل عام (وخصوصاً في مواجهة موقف إدارة أوباما من «حقوق الإنسان» في كل أنقرة والرياض، ومن الانفتاح الأميركي على طهران، ودعم الكرد والتراجع أمام موسكو...).
وضعت المملكة في خدمة هذه الانعطافة الجديدة إمكانيات تعبوية وإعلامية ضخمة. ركزت على «خطر النظام الإيراني» و«طائفيته» من جهة، وعلى الدور السعودي «القيادي» المواجِه: الجديد والمبادر والمصمم والقادر على تحقيق إنجازات ملموسة في غير محور وساحة وميدان...
في مجرى هذه السياسة «الهجومية»، تجاهلت القيادة السعودية الجديدة نصائح أوباما لجهة معالجة «التهديد الداخلي». صعدت من القمع والإعدامات والمنع والاتهامات في الداخل والخارج. مارست ضغوطاً على الحلفاء والأتباع. رفعت مستوى الاتهام الموجه لخصومها إلى درجة وصمهم بالإرهاب...
في مجرى ذلك أيضاً جاءت زيارتا الملك سلمان إلى القاهرة وأنقرة. تحاول الرياض إقامة محور إقليمي كبير ومؤثر، ذي طابع «سنّي» في مواجهة خطر المحور الإيراني، عليها وعلى حلفائها، بوصفه ذا أولوية مطلقة. لم ُتعرف للمملكة، تاريخياً، مساهمات ذات شأن في مواجهة المشروع الصهيوني. هي باتت جاهزة، حالياً، بسبب صراعها مع إيران، لتعزيز صلات وتعاون، مع العدو الصهيوني، كانا حتى الآن، غير مباشرين أو سريين ومحدودين.
في الحقلين الداخلي والخارجي، لن تعتمد المملكة سياسات جديدة، من شأنها المساهمة في معالجة أزمات المنطقة، والأمن الإقليمي، والقضية الفلسطينية... هي تواصل بذل جهودها وثروتها وفق أولوية مواجهة الدور الإيراني ليس إلاَّ...
لا يعني ذلك أن على المملكة وحدها تغيير بعض سياساتها. خصومها في الجهة المناهضة، مطالبون بأن يتفحصوا جيداً مدى انسجام أساليبهم مع شعاراتهم وأهدافهم. تستفيد قيادة المملكة، دون أدنى شك، من أخطاء خصومها في مجال تنامي الحيِّز الفئوي أو المذهبي في سياساتهم الداخلية والخارجية. هنا وهناك، لا يتحمل المستعمرون والطامعون والصهاينة وحدهم مسؤولية تعاظم الانقسامات المذهبية وإن كانوا المستفيدين الأساسيين منها.
أخطاء قيادة المملكة جوهرية وذات طابع استرتيجي. ليس الأمر على هذا النحو بالنسبة لخصومها. تصحيح السياسات والأساليب (التاكتيك) في المعركة، دليل جدية في خوضها، ودليل إخلاص لأهدافها: معركتنا معركتان، الأولى ضد الأعداء، والثانية مع الفئويات والأخطاء الذاتية («الجهاد الأكبر»)!

* كاتب وسياسي لبناني