الأزمة الراهنة في مصر لا تتعلّق بالحكم فحسب بل أيضاً بالمعارضة التي تبدو في هذه المرحلة عاجزة ليس فقط عن إيجاد بديل وإنما أيضاً عن استعادة العلاقة بالكتلة الاجتماعية المنوط بها فعلياً إحداث التغيير داخل السلطة. الاقتراحات التي قدمتها المعارضة لتفادي هذا الشرخ ليست كثيرة (آخرها مبادرة حمدين صباحي إلى توحيد القوى المدنية تحت شعار "لنصنع البديل")، وحتى لو سرّع الشرط الحالي من وتيرتها فإنها لن تصل إلى الناس، ولن ترقى إلى مستوى التغيير المأمول به في بنية الدولة، فضلاً عن كونها لا تمسّ في شكلها المطروح حالياً عمق المشكلات التي تعاني منها الطبقات الأكثر احتياجاً وتهميشاً. النظام بدوره فشل في إيجاد حلول لهذه المشكلات، وتعرّض بفعل ذلك لأزمة شرعية عميقة، ولكنه من وجهة نظر "شرائح مجتمعية كبيرة" لا يزال "أفضل" من المعارضة. باختصار، تعتبر هذه الشرائح أنّ المعارضة لا تملك بدائل معقولة ولا تستطيع في حال امتلكتها نظرياً إيجاد مُعادِل فعلي لها على أرض الواقع، في حين أنّ النظام "يملك" المؤسّسات ويستطيع من خلالها الإبقاء على هيمنته التي أصبحت في نظر البعض "عميقة جداً وراسخة"، إن لم يكن من الناحية السياسية فعل الأقلّ اجتماعياً.


استراتيجية النظام

لم يعكس الأداء
البرلماني مدى الغضب الشعبي
على «الاتفاقية»

الحديث عن مُعادِل هنا يفترض امتلاك المعارضة لبرامج عمل منحازة اجتماعياً للأكثرية التي تئنّ من وطأة الجوع والفقر وتدني مستوى المعيشة، وهذا غير واضح في الخطابات المُعلنة لقادتها. وفي حال وضوحه كما في نموذج حمدين صباحي يأتي مشوباً بنزعة خطابية لا يهمّها الاشتباك مع الواقع بقدر اهتمامها بالنظام وتناقضاته. ايلاء الاهتمام بالنظام وحده وبالتناقضات التي تعبّر عنها تحالفاته وبنيته المعقّدة لا يأتي مصحوباً بعناية مماثلة بالقضايا التي تهمّ الناس، والتي بسببها يقع النظام في كلّ هذه المآزق ويتعرّض لأول مرّة منذ تسلمه السلطة إلى هذه الشروخ العميقة في شرعيته. وحين تفعل المعارضة ذلك مشيرةً إلى انفصال النظام عن الواقع وتَعارُض ممارساته مع وجدان المصريين (وهذا التعبير استخدمه حمدين صباحي في معرض حديثه عن إدارة السلطة لأزمة الجزيرتين) لا تنتبه إلى انفصالها هي الأخرى عنه، وبالتالي تقاطعها مع السلطة في التعبير الجزئي والمحدود بالضرورة عن مصالح المصريين. يظهر ذلك من خلال فشلها المستمرّ في استقطاب الكتل الاجتماعية المتضرّرة من انحيازات السلطة الاقتصادية، والتي لا تجد في ظلّ هذا الفشل غير النظام لتلجأ إليه. وفي الوقت الذي تنتقد فيه المعارضة هذه الهيمنة على مفاصل عمل الدولة فإنها لا تقدّم بديلاً ولا تطرح على الناس حلولاً عملية، بينما النظام يفعل العكس باستمرار، متقدماً عليها بأشواط. وهذا التقدم غالباً ما يكون مصحوباً بتحريك مؤسّسات الدولة باتجاه إيجاد حلول – مؤقتة طبعاً- للمشكلات الاقتصادية التي تؤرّق المصريين، وبالتحديد أكثريتهم المُهمّشة والمُفقَرة. هذا لا يعني أنه استطاع بفضل عملية "التوزيع الاجتماعي" التي يقوم بها (من خلال المعونات التي يقدّمها الجيش في الأحياء الشعبية والعشوائيات) استقطاب هذه الكتلة وإبقاءها إلى جانبه، ولكن على الأقلّ ومن خلال استدراج الجيش لأداء مهمّات غير تلك التي يقوم بها عادةً أجّل عملية الانفجار الاجتماعي، ورمى في وجه المعارضة الكرة لتلعب بها. هكذا، يكون قد ضيّق عملياً من خياراتها وعزلها عن المسألة الاجتماعية التي لا تقع في صلب اهتماماتها باستثناء شريحة قليلة من اليساريين، وبالتالي جَعَل المواجهة محصورة في مسألتي التمثيل السياسي والأداء الأمني، وهما على أهميتهما البالغة لا تستطيعان النيل من وجوده، على الأقلّ بالنسبة إلى الشرائح المستفيدة من الدعم الاقتصادي والاجتماعي الذي يقدّمه.

فرصة المعارضة

في مواجهة هذا الأداء البالغ التعقيد لجأت المعارضة في ظلّ افتقادها إلى العمق الاجتماعي إلى ما تعرفه، وهو ليس بالقليل على أيّ حال. ساعدها في ذلك ضعف الشرعية التمثيلية للمؤسّسات المنتخبة وافتقارها ليس فقط إلى البعد السياسي بل أيضاًَ إلى القدرة على تمثيل الناس والتعبير عن مصالحهم، وخصوصاً عندما يتعلّق الأمر بالهوية الوطنية. بدا ذلك واضحاً من خلال الأداء الهزيل للبرلمان تجاه قضية "ترسيم الحدود البحرية" مع السعودية. إذ لم يعكس الأداء البرلماني مدى الغضب الشعبي على "الاتفاقية" وبدا أنه يعبّر عن توجهات السلطة التنفيذية (الرئاسة والحكومة) أكثر من تعبيره عن آراء وتوجهات الناس. هذا التعارُض يُظهِر عجز النظام عن إنتاج مؤسّسات بالمعنى الفعلي، ويبقيه سياسياً عند حدود الأداء الأمني. وحين يحصل ذلك فإنّ التعارُض لا يحصل فقط مع القطاعات الناخبة، وهي كبيرة وعريضة، بل مع كلّ الجهات التي ترى في أداء الأمن خطراً على وجودها وكينونتها الاجتماعية. وحالياً هذه الجهات أصبحت كثيرة، وهي تبدأ بالنقابات المهنية ولا تنتهي بالنخب والمجموعات الحقوقية التي ارتبط اسمها بقضية الكشف عن عمليات الإخفاء القسري والتعرّض للأجانب بالخطف والقتل. طبعاً، هذه المسائل لا تمسّ واقع التهميش الذي يعاني منه الناس، ولا تعبّر في حدود معرفتنا عن أزمة العلاقة بينهم وبين النظام ولكنها تنتقص من شرعية السلطة تجاه الخارج، وهذا كافٍ لتعميق أزمته ودفعها إلى مستوىً جديد. الانتقاص هنا يضع النظام في مأزق ويجعله واقعاً تحت ضغط مضاعف، فمن جهة هو يدافع عن شرعيته الاجتماعية التي تضرّرت بفعل عدم حلّ المسألة الاجتماعية، ومن جهة أخرى يجهَد لإبقاء الصلة قائمة مع الدول التي دعمته في معركته ضدّ الإخوان وتجد نفسها الآن في اشتباك مع الجناح الأمني داخله. النتائج بهذا المعنى ليست مضمونة ولا يمكن التعويل على "التأييد الداخلي" لحصدها، وهنا يأتي دور المعارضة التي تعجز عن ايجاد موطئ قدم في المسألة الاجتماعية، ولكنها وبفعل تراجع النظام أمام الضغوط الدولية تستطيع المساومة معه، وإجباره على تقديم تنازلات في ما يخصّ قضايا المعتقلين والمخفيين قسراً. وهي إذ تفعل ذلك لا يجب أن تربط مطالبها حصراً بقضية جوليو ريجيني، فهذه القضية لا تخصّ الشعب المصري، وحلّها مرتبط بالضغوط الايطالية والدولية على النظام، أي بسياق لا علاقة مباشرة للمعارضة والمصريين عموماً به، في حين أنّ قضايا المعتقلين السياسين المصريين أمثال علاء عبد الفتاح وأحمد دومة... الخ هي التي يجب أن تكون محور عمل المعارضة في هذه المرحلة. الفرصة هنا متعلّقة بسياق داخلي، وهذا السياق يستفيد من الضغوط الواقعة على النظام بفعل قضية ريجيني ولكنه غير مرتبط بها عضوياً. وإذا كان البعض ينظّر لهذا الارتباط معتبراً أنها فرصة لا تُعوَّض لنقل المعركة مع السلطة إلى الخارج فهو لا يغالي فحسب، وإنما يضع نفسه في صفّ إن لم نقل في خدمة قوى دولية لا يهمّها من الأمر سوى استنزاف المجتمع المصري وعدم تركه ينجز التراكم الاجتماعي والاقتصادي المطلوب منه. الاستمرار في هذا المسعى وعدم الالتفات كما يجب إلى السياق الداخلي للمعركة يعني تحوُّل الفرصة إلى فخّ، وبالتالي فقدان المعارضة لورقة ضغط ثمينة في مواجهة السلطة. وهذا لن يفقد المعارضة شرعية العمل والنضال فحسب بل سيضعها- وهذا هو الأساس- في تعارُض مع الفئات الاجتماعية العريضة التي تتحسّس من الضغوط الدولية وترى فيها شكلاً من أشكال الوصاية ليس على النظام فحسب بل على الدولة المصرية أيضاً. حصول تعارُض مع هؤلاء يعني أنّ المعارضة قد خسرت قضيتها، أي بالضبط كما فعل النظام حين باع جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية. في الحالتين ثمّة شرعية قد انتُزعت، وثمّة سياق دولي قد تشكّل لإجبار البلد وليس فقط المعارضة والنظام على التنازل والإذعان للخارج.
* كاتب سوري